|
الكاتب/ سام محمد الحامد علي
|
|
سوريا الروح والرحم بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيد الأنبياء وخاتم المرسلين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحبه الغر المنتجبين، ومَن آل إليهم بإحسان إلى يوم الدين؛ وبعد! كنتُ أُفكِّر مُذْ بدأتُ النشاطَ الشبكيَّ العنكبوتيَّ (على الانترنت)، رداً ودفاعاً وبياناً حول قضايا وطنية وإنسانية كبيرة وخطيرة، بإنشاء موقع سوريٍّ عالميٍّ بكل اللغات، وبمستوى لائقٍ، وبشموليةٍ وتفرُّدٍ وتنوّعٍ وغنى، ليكون بيتاً لكل السوريين في الغربة والوطن، وسفيراً عالمياً لدى كلّ البشر؛ يطوف العالَمَ بروحٍ كونيٍّ واحدٍ مألوف، وبلغةٍ إنسانية واحدة مفهومة؛ رسالةَ حبٍّ وسلامٍ، وكلمةَ صدْقٍ ووئامٍ؛ يستقطب الأرواحَ والأنفسَ والقلوبَ إلى سوريا الروح والرَّحِم، سوريا مهد الحضارات ومركز الديانات وأرض الخصوبة والجمال، فيكون: صوتَ سوريا ومرآتها الشافَّة وعبيرها الشافي؛ يشعر به المغتربونَ وطناً، والتائهون حضناً، والخائفون حصناً، والقانطون أملاً، والمتأمِّلون واقعاً..
لكنني عُدْتُ ، وقلتُ: ليس الأوانُ، ولا الظرفُ، مناسبين لهكذا مشروع كبير، ويمكن التعويض عنه بروحكَ ــ العاشقة لهذا الوطن ــ وشخصكَ، وقولك وعملك، اللذين يتجسَّدان بسكناتك وحركاتك وكلِّ ما يصدر عنكَ ويُستلْمَحُ منكَ! كانتْ تشدّني كثيراً فكرةُ: "الرسالة الكونية"، ومبدأ: "الأسرة الآدمية"؛ كما كان حبي لذرَّات تراب بلدي يُلْهِبُ مشاعري "الترابية"، إذ من الترابِ خُلِقنا، ولأبي التراب (عليٍّ الإمام والخليفة) نُسِبنا! كنتُ أتحسس الأخوةَ الطينيةَ، والرابطَ الإنسانيَّ الكونيَّ، بوطنيةٍ صافيةٍ عميقةٍ، وعربيةٍ راقيةٍ صحيحةٍ، وبانتماءٍ للإسلام عظيم أوثق، غير متعارض شيء من ذلك مع آخَر، بل بتناغمٍ وتكاملٍ روحيٍّ مادِّيٍّ بديعٍ وعجيبٍ! وكنتُ أسأل نفسي دوماً: هل سيأتي يومٌ يشعرُ به كلُّ السوريين بالانتماء لوطنهم كشعورِ انتماءِ الرضيعِ إلى ثدي أمه؛ أم سيبقى البعضُ، أو الكثيرون، من الداخل، أو الخارج، أو من الاثنين معاً، منشغلون بالمظاهر، متعلِّقون بالظواهر، متمسِّكون بالصغائر؟ متى سيوحِّدهم حبُّ الوطنِ ويشغلهم عما سواه؟ متى سيكفُّون عن تضييع الوقت وهدر الطاقات؟ متى سيكون عملُنا جميعاً على تراب الوطن للوطن، كل الوطن؛ أو لأجل تراب الوطن من خارج الوطن؟! متى سنهزم اليأسَ، ونؤمن بجدوى الصبر والمثابرة؟ متى سنَقبَل بدفْعِ الأثمان مقابل حصولنا على الأشياء؟ متى سنقتنع بأنَّ الحلَّ بأيدينا، والبناءَ لا يكون إلا بسواعدنا؟ متى سنُسلِّم بجدوى العمل الجماعي السِّلمي المؤسساتي القانوني الشرعي الرفيع الجميل؟ متى سنشعر بالمسؤولية الحقيقية؟! إلى متى سنبقى ننبش بالتاريخ، بصحيحه وزائفه، بحجة إحقاق الحق ولضرورة الحلِّ والإصلاح؟! إلى متى التقنّع والتشرذم، أو التجاهل والاستخفاف؟ متى نقول قولَ نبيِّنا العربيِّ ــ أسوة المؤمنين ورحمة العالمين ــ: "مَن كنتُ جلدتُ له ظهراً فهذا ظهري فليسْتَقِدْ منه".. متى سنتأسَّى به؟! متى سنستفيد من خيرة تجارب الآخَرين، من الأولين إلى الآخِرين، من هابيل بن آدم السِّلم الإنساني الراسخ إلى غاندي الروح والحكمة؟! وبين ما كنتُ أُفكِّر به، وأعيشه، عملتُ بصمتٍ، وكتبتُ بموضوعيةٍ، وحاورتُ بأدبٍ، وشاركتُ بلباقةٍ.. شأني شأن كلّ الأخيار، الكُثُر، ولغايةِ وأهدافِ كلِّ الشرفاء والغيارى والأحرار.. فجاءني اليوم مَن يعاتبني بالقول: لو تفرَّغتَ للعمل الوطني الصرف لَما طلع علينا مَن طلع، ولَما أصابنا ما أصاب! وعنى بذلك: لو صببتَ اهتمامَكَ بساحة الوطن وهمومه وحسب لقطعتَ الطريقَ على العابثين بمشاعر الناس وأمنهم وآمالهم، وهم السائحون في البلاد والأمصار، وفي الصحف والمجلات والفضائيات، ليوقظوا الفتن، ويؤججوا النعرات العرقية والطائفية.. فقلتُ له: ما تركتُ يوماً ميدانَ الشرفِ الذي رجوتني فيه وندبتني إليه! والحق أقول: إني نذرتُ نفسي لشرفِ هذه الخدمة، خدمة الناس.. فما أُتيح لي وتمكَّنتُ منه أقمتُه ــ بعون الله ــ على أكمل وجه، وما أُغلق عليَّ وأُبعدتُ عنه رجوتُ له صالحاً من أهلي وتوفيقاً من ربي. أما الإخوة الذين تسابقوا في ميادين صحراء التغرُّب عن الذات والأهل، والذين كانوا السببَ في توجيهك إليَّ ما وجَّهتَ، فأقول لهم المقال التالي: كنا نرجو منكم نوراً وأملاً، وسعياً وتضحيةً، وعملاً طيباً يوازي لحن كلامكم، ولكن للأسف لم يكن لرجائنا من حظ عندكم، إذ بادرتم بما لا يعود على وطنكم بأي خير، وبالتالي على ذواتكم وذويكم! قد دُعيتم من قَبل للدخول بدائرة العمل الوطني المؤسساتي القانوني، بالطريقة التي ترتضونها وبما يناسب الجوَّ الوطنيَّ والواقعَ والظرفَ، فرفضتم الدعوة بحجة غياب الضمان والأمان.. وكأنكم بمذهبكم الذي ذهبتم به وجدتم غير الذي حذرتموه، وظفرتم بغير ما كرهتموه! الحق والحقيقة أقول: إن بنا عيوباً هنا وهناك، وكلنا إيمان وتصميم على التخلُّص منها والسير قُدُماً نحو الأمام! تعالوا نضع يدنا بيدِ بعضٍ لأجلِ سوريا: منبتنا ومعادنا، سوريا السِّلم لأهلها والنبراس لغيرها! فلماذا يمتلكُ العالَمُ من أدناه إلى أقصاه لغاتٍ إنسانيةً مشتركةً، مفهومة ومقبولة، كالموسيقى والرسم، ولا نمتلكُ بدورنا لغةً واحدةً مشتركةً بيننا ونحن الأهل والأحباب؟! لماذا نحترم، ونتفهَّم، الغيرَ في الغربة، بخصوصياته وسلبياته، ولا نحاول محاولةً إنسانيةً واحدةً، جادةً ومثلى، لتفهُّم إخواننا في الوطن والإنسانية؟! تعالوا نترك ما نترك لله، ولأجل وطننا وأهلنا، ونقتفي ما نقتفي لأجل ذلك أيضاً! قد يصلح أحدُنا للإرشاد والدعوة فقط، وقد يصلح آخَرٌ للقيادة والإدارة! كلنا أبناء سوريا أولاً وأخيراً، وكلنا مواطنون بالدرجة الأولى؛ لكن، منا مَن يعمل بأفضل ما يجيد، ويبدع به، لقناعته بدوره، ومنا غير ذلك! منا مَن يقبل أن يكون مرؤوساً من قِبل مديرٍ هو أكفأ منه، ومنا مَن يناطح من أجل القيادة وهو لا يتمتَّع بصفات المدير الخَلقية والاكتسابية فضلاً عن التمتُّع بصفات القائد الاستثنائية! منا مَن يناضل بالحوار الإنساني الرفيع وهو أهلٌ لغير ذلك، ومنا مَن لا تصحُّ منه نصيحةٌ! منا مَن يريد أنْ يكون كما يرى نفسَه أو الويل للآخرين، ومنا المنشد ما يستحق بأقوم السُّبُل وأجملها! لنترك النقدَ لمجرَّد النقد، ولنعملَ لأجل المنفعة. لننطلق من التنظير إلى التطبيق، ومن القول إلى العمل. ليكون المغتربُ منا سفيرَ محبةٍ وعطرَ زهرةٍ لبلده سوريا، وليدفع من ماله، كما من وقته وجهده، لوطنه الأم إنْ كان وطنه هو الغاية الكبرى؛ وليكون المقيم منا مواطناً صالحاً بما يصلح له وبما تمكِّنه الظروف.. لنعمل جهدَنا، ولنترك الباقي على الله، فلا يُكلِّف اللهُ نفساً إلا وسعها.. لنؤمن بالحاجة إلى الوقت، وبدور الوقت، وليثقْ بعضُنا بالآخَر. الوطن للجميع، ولا وصاية لأحدٍ على أحد، كما لا مستويات في المواطنة. علينا واجبات كما لنا حقوق.. أقول قولي هذا، وأستغفر اللهَ لي ولكم ولسائر أبناء الأسرة الآدمية؛ والسلام عليكم ورحمة الله، وبركاته.. كتبه سام علي www.sam-ali.net
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ صور ومعاني 



























 |