|
بوصلة العلويين (البوصلة العلوية) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على المرسَل رحمة للعالمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحبه الغر المنتجبين، ومَن آل إليهم بإحسان إلى يوم الدين؛ وبعد! كتبتُ بإيجاز وإيفاء عن المسلمين العلويين في لبنان وإيران، وبإسهاب وإغناء عن إخوانهم العلويين في سوريا وتركيا، وكان الهدف واحد، والغاية واحدة.. وهي: التعريف بحقيقة الطائفة العلوية وكشْف الظلم عنها والإسهام بنهضتها والمساهمة في خدمتها..! ولم أتطرَّق إلى العلويين بالنَّسب (الأشراف من غير أبناء الطائفة العلوية)، كما لم أهتم بتبيين وتحديد سبب تسمية هؤلاء القوم (أبناء الطائفة العلوية) بـ: "العلويين" في سائر أصقاع الدنيا دوناً عن غيرهم، أو سبب اشتهار تسميتهم هذه التسمية دون سواهم ممن يشاركونهم الحق بالتسمِّي بها (من الأشراف المنتسبين طيناً إلى الإمام علي بن أبي طالب ــ ع ــ، أو من المنتهجين نهجه أو مواليه والموالين فيه..)؛ وذلك لبداهة تلك المعلومات بالنسبة للمهتمين بهذا المجال، ولحث القاعدين والغافلين.. على القراءة وتقصّي الحقائق، ولترك مجال البحث ــ في ذاك المكان والمقام ــ للقواعد والأصول والضروريات![1]
ولاحَظَ الكثيرُ من قراء تلك المقالات والدراسات التشابهَ الواضحَ بينها ــ وهذا أمر طبيعي إذ كلها تتحدَّث عن علوية واحدة وكل المتحدَّث عنهم علويون وأبناء طائفةٍ واحدة ــ، كما لاحظوا التطابقَ شبه التام بين بعض الدراسات على وجه الخصوص وهو ما استدعته الحاجةُ والضرورة كما استدعاه الواقع والحقيقة![2] فماذا وراء كل تلك الكتابات والأبحاث، وإلى أين أُريد أن أصل؟ "الوراء" كما يبدو هنا، يمثِّل العلّة والغاية..! وجملة[3] "الكتابات والأبحاث" يُفتَرض أن تعني ــ ضمناً ــ: النظام والخطة والنهج.. فلا كتابة لأجل الكتابة وحدها، إذ الكتابة في هذا المعنى والمقام غير الشعر العفوي الارتجالي وما شاكله وجانسه.. والخاتمة: "إلى أين أُريد أن أصل" تعني ــ حُكماً ــ: إرادة مسبقة لنية مُشرَعة.. وعملاً يتخطَّى مراحله ويسير نحو هدفه.. (إلى نقطة الوصول التي تمثِّل النتيجة المرجوة والمتوقعة!) أما جواب سؤالنا الكبير (ماذا وراء كل تلك الكتابات والأبحاث وإلى أين أُريد أن أَصِل) فسيأتي ــ على التفصيل ــ في مجمل ما يلي! بوصلة العلويين[4] (البوصلة العلوية) كثيرة ــ ربما ــ هي الأسماء والشعارات التي قد تُطرح، أو تتبادر إلى الذهن، عندما نسأل أنفسنا، أو غيرنا، السؤال التالي: ما هي بوصلة العلويين؛ أو: ما هي البوصلة العلوية؟ وليس الجوابُ على هذا السؤال غايةً بحدِّ ذاته بقدر ما هو ركيزة لتساؤل مهم جداً يليه، هو: هل تعمل بوصلتكم بشكل سليم؛ أو: هل أنتم على اتجاه البوصلة أم منحرفون كثيراً أم بعض الشيء؟! فما هي أجوبة ذينك السؤالين، وأيها أصح، أو: أيها الصحيح؟! * بوصلة العلويين: قد يجيب البعضُ على سؤال البوصلة أنها: - القرآن. وقد يجيب آخر أنها: - النبي محمد (ص). وقد يجيب ثالث أنها: - الإمام علي (ع). لكن الإجابة الغالبة ستكون (بشكل ظاهر أو خفي) أنها: - الخصيبي (رض).[5] أو: - الحاج بكتاش (ره).[6] فأي تلك الأجوبة أكثر صحة، أو: أيها الصحيح؟ أكثر الأجوبة صحة هو: الإمام علي بن أبي طالب ــ ع ــ! فالإمام علي هو البوصلة الحقيقية للحق، وهو بوصلة جميع المسلمين لا العلويين وحسب! فكل المسلمين تقر بالشهادتين وتعتبر القرآن كتابها، لكن يبقى الباب للقرآن والسنة: علي بن أبي طالب ــ ع ــ، ربيب بيت النبوة وإمام المسلمين..[7] أما بقية الإجابات[8] فكلها صحيحة إذا اعتُبرت بوصلات فرعية لتدل، أو تُوصِل، إلى البوصلة الأساس: الإمام علي (ع)! ولكن، على شرط، أن تكون إشارتها ومؤدّاها إلى علي الحق![9] وهنا لب القضية! علي الحق، والباب[10] لعلي أو باب علي! علي الحق، أي: علي الإمام والخليفة ــ فكراً ونهجاً وسلوكاً ــ قبل كل شيء وبعده! علي الذي قال فيه رسول الله ــ ص ــ: اللهم أدر الحقَّ معه حيث دار.[11] فدلّ بذلك على أنه (ع) جهة الحق..! أما الباب لعلي، فمشتكل اشتكال قول مسلمي العالم: القرآن كتابنا، إذ يختلفون على تأويله أو تفسيره.. كذلك كل علوية الأرض يقولون: علياً إمامنا ويختلفون حول بابيته[12] والطريق إليه.. فما السبيل إلى حل هذه الإشكالية؟ الحل، بالشق الأول، الأصل والناموس[13]، وهو: علي الحق! فإذا رأينا الدعاة إلى الإمام علي هم أكثر الناس التزاماً بفكره ونهجه وسلوكه وأوامره، لا يخالفونه في شيء ولا يقوِّلونه ما لم يقل، ولا يبتدعون في صراطه.. علمنا أنهم على حق، وأنه من الحق أن نواليهم ونعترف بفضلهم، وبهذا يكون الميزان والفيصل والحَكم: الإمام علي (ع) نفسه! ولنعم الميزان والحَكم! أما إذا بدا منهم ما يريب، ورُئِي من سلوكهم وعرفانهم ما شذ عن سلوك الإمام وعرفانه، كان الحق أن ندع طريقهم ونلزم الطريق الأقوم. (طريق الإمام البيّن الواضح الذي لا اعوجاج فيه ولا شك ولا ريب!) ولا يكبر على أحد، ولا يشق عليه، أن يترك عَلماً مهما بلغتْ رتبتُه المنسوبة إليه إذا ما رآه يخالف الإمامَ الحقَّ بأية ذريعة كانت، فلا الباطن (لطيف علوم الإسلام والقرآن: علوم محمد [ص] وآل محمد [ع]) يجيز ذلك وإنما العكس، ولا الظاهر يضطر إلى ذلك وإنما العكس أيضاً! فظاهر الإمام علي (ع) هو عين باطنه، وباطنه عين ظاهره؛ وبذلك قضى اللهُ ــ سبحانه ــ! قضى، وشاء وقدَّر، أن يكون (ع): عبدَ اللهِ الأقربَ والأحب بعد سيد الخلق ورحمتهم نبينا وحبيبنا وشفيعنا محمد (ص).. علي الذي لم يدع يوماً صلاة الجماعة لأي سبب من الأسباب؛ والذي بذل في سبيل الحق غاية ما يُبذل..! وبناءً عليه، كان الشيخ القدوة "الخصيبي" (رض) ــ كما رآه وميّزه سادة العلماء وخيرتهم[14] ــ رجلاً من رجال هذا البيت العلوي وهذا المذهب، وكذلك كان ــ على الحقيقة ــ الحاج بكتاش وكل مَن اقتفى بصدقٍ الأثرَ النبوي الشريف عبر العترة الطاهرة! أما إذا قيل: لماذا وجدنا ما يغاير هذا في المنسوب إلى فلان وفلان.. فنقول: إذا كان الرسول ــ ص ــ لم يسلم من الكذب عليه، والاشتكال حول حديثه وأثره الشريفين، فما هو حال مَن كان دونه! إمامنا الحق (عليّ) هو: ميزاننا وحَكمنا! أما جعْلُ الإمام (عليّ) فقيراً إلى فلان وفلان كي يعرِّفونا علومه وحقائقه، وما شاكل ذلك، فإنه لا يصح عقلاً ولا يستقيم منطقاً مع دور الإمام ومكانته لدى الفريق الذي يحبه من دون أن يواليه، فما بالكم بحاله عند مَن أحبه ولم يوالِ سواه! إذن، علي (هو) البوصلة، لا سواه. بوصلة، مغناطيسها القرآن الكريم وإشارتها إلى الحق العظيم.. مَغْنَطَهَا، وأقامها بهذه الصورة ولهذا الدور، المربي والأسوة: النبي محمد ــ ص ــ. وما بعد هذا الكلام من كلام.. * أما سؤال: هل تعمل بوصلتكم بشكل صحيح، فجوابه: نعم، لأن بوصلةً بهذه القداسة لا يمكن إلا أن تعمل بهذا الشكل القدسي، ولا يمكن أن يكون فيها عيب أو خلل؛ لكن السؤال: هل نرى (نحن) البوصلة بشكل صحيح؟ أو: هل نقبل ما نرى ونصدِّق ونعمل وِفقه، أم نتجاهله أو نتغاضى عنه..؟! والجواب هنا برسم الضمائر؛ لكن، يفضحه الحال الظاهر بطبيعة الحال! ولا عيب في الجهل قبل العِلم وإنما بالتجاهل بعده والقبول بالانحراف أو استساغته، والاستمرار بالخطأ؛ والفضيلة، كل الفضيلة، في اكتشاف الخطأ والرجوع عنه! أما التساؤل حول إذا ما كنا على الاتجاه الصحيح للبوصلة، وهو السؤال البديهي الذي يُطرح بعد ثبات سلامة بوصلتنا، فقد مرَّ جزء من جوابه فيما تقدَّم، ونجمل القول بخصوصه بالتالي: منَّا مَن هو على الاتجاه الصحيح للبوصلة، ومنَّا غير ذلك (جاهلاً أو ضعيفاً أو خبيثاً)؛ ولا فرْق يُذكر بين التائب لتوّه وتائب أمس! المهم التوبة والأوبة إلى الله والحق! الجمْع والفرْق[15] (دور البوصلة العلوية في جمْع المسلمين وتوحيدهم) إذا علمنا أن الإمام علي (ع) كان ــ بحق ــ إمام جميع المسلمين بعد رسول الله (ص)[16]، وأنه كان القاضي والمرجع للخليفتين الراشديين أبي بكر وعمر (رض)[17]؛ وإذا تحققنا في سيرته وأثره الجهادَ العظيمَ للمِّ شمل المسلمين على الحق، ومحاربة الظلم والبغي والفساد في شتى أشكاله وأين ما وُجد[18]، بمعنى: إذا تحققنا الناموسَ العلويَّ الشريفَ: العدالة ولا شيء سواها، فماذا يفرِّقنا كأُمة (كمسلمين بشكل عام)؟ وماذا يفرِّقنا كشيعة له وكعلويين؟ وهل تقتضي الخصوصية، ويقتضي التميّز، الفرْقة؟ وهل الثقافةُ الخاصة والتراث والعادات زهرةُ تنوّعٍ وكمالٍ إنسانيين في البستان الإسلامي الجميل أم علامة فارقة تَذهَب إلى أبعد من الخصوصية لتصل إلى النأي عن الآخرين والانكفاء على الذات؟ أليس في بقية الشعوب العريقة المحافِظة على تراثها المجيد مع انفتاحها وتناغمها وتكاملها مع الآخرين نموذج يحتذى به؟! * ما يجمع العلويين أنفسهم، وما يفرّقهم: ما يجمع العلويين، هو حبهم وولاؤهم للإمام علي والعترة الطاهرة (ع)؛ أما ما يفرِّقهم ــ دينياً ــ فهو الغباش المتشكِّل لدى معظمهم حول مفهوم ذاك الحب والولاء إذ يربطوهما بتفاصيل معرفية لا علاقة لهما بها البتة! فأيُّ حب هذا الذي يقضي بنبذ أخ لأخيه لمجرد اختلاف معه في مستوى ما من مستويات المعرفة أو في تفصيل ما؟! وأيُّ ولاء ــ صحيح ــ لا يجمع أبناءه الجمْع الذي من أجله كان وجود هذا الولاء وهذه الولاية؟! وهل أتى الدعاة ليجمعوا ويوحِّدوا، أم ليشتتوا ويفرِّقوا؟ أين أعذارنا للناس، وأين حُسن ظننا بإخواننا في الدين؟ ثم، لماذا هذه الوكالة عن الله ولماذا هذه الشخصنة في كل شيء؟ ولماذا هذا الفرز البغيض؟ إما أن تكون على قول فلان (رأيه) بحرفيّته وإما أن تكون خارجاً من الملة والعقد..! (ويا ليتهم التزموا بالأقوال بل حمَّلوها فهمَهم لها أو نظرتهم لها التي توافق هواهم ورغبتهم!) ما هذا الدين الذي يُفرِّق ويُشيْع البغضَ؛ وما هذا الإرث غير الإنساني؟ هل ندعو على المريض بالموت أو نقتله، أم نُقدِّم له الدواء وندعو له بالشفاء؟ ما لنا ولخلْق الله؟ لهم دينهم ولهم حريتهم! علينا بالنصيحة لا الوصاية، وبتفهّم الآخرين لا باستبعادهم.. فمَن يدري، أيّنا على حق أكثر؟! إذاً، كل العلويين إخوة بالمعنى الكامل والأقدس لهذه الكلمة؛ الواقفون منهم على ولاية أمير المؤمنين والأئمة من ذريته وغير الواقفين، الخصيبيون منهم وغير الخصيبيين[19]، والبكتاشيون منهم وغير البكتاشيين.. علينا أن نعلم أن ذمَّ شخصٍ من رجال التاريخ أو حمده لا يفضي إلى شيء سوى مشاعر رضا أو سخط، حب أو كره؛ لكن مد الأيدي والجسور بين أبناء أولئك الرجال وأتباعهم من أجل الغايات التي نشدوها أولئك الكرام هو المهم والمفيد![20] وأخيراً ــ في هذا السياق ــ، سلام وولاء لكل داعية لم يظهر منه إلا الحق، الحق الذي كان الإمام علي (ع) صورته المثلى وقِبلته القصوى بعد رسول الله (ص). الحق، الرحمة، العدل، اللطف، الود، الشكر، النور، السلام.. الحب! قال الحق ــ تبارك تعالى ــ على لسان نبيه نبي الرحمة (ص): "إنْ كنتم تحبون اللهَ فاتبعوني يحببكم اللهُ ويغفر لكم". وقال: "ولا تكونوا من المشركين * من الذين فرَّقوا دينهم وكانوا شِيَعاً كل حزب بما لديهم فرحون". * ما يجمع بين العلويين والشيعة، وما يفرِّقهم: ما قلناه عن العلويين أنفسهم لا يصلح بأن يقال عن العلويين والشيعة وحسب، بل هو قول الحق والحقيقة؛ لا لأنهم إخوة بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى وحسب، بل لأنها الحقيقة المطلقة! تختلف أسماءُ الأشخاصِ المختَلف عليها أو حولها، وتختلف بعض التفصيلات والجزئيات، لكن تبقى الإشكالية إشكالية واحدة: داخلية. * ما يجمع بين العلويين وإخوانهم السنة، وما يفرِّقهم: ما يجمع بين العلويين وأهل السنة والجماعة ــ بالحقيقة ــ هو أخوة الدين التي تسمو فوق كل أخوة؛ فربُّهم واحد ونبيهم واحد وكتابهم واحد، وفوق كل هذا جدهم واحد (آدم أبو البشر). لكن، الغربة عن الذات (الحقيقية) تفضي إلى غربة عن الأهل، والغربة عن الأهل تفضي إلى غربة عن الأقرباء والأحباء.. وهذا حال العلوي الغريب مع ذاته وبالتالي مع إخوانه الشيعة والسنة..! وإذا كان الإمام علي هو إمامنا الحق، وهو كذلك، فعلينا أن نهتدي بهديه وأن نمشي بنوره؛ فهو القائل: "إنهم (يعني الناس) صنفان، إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق".[21] والقائل: "خالطوا الناسَ مخالطة إنْ متم معها بكوا عليكم، وإن عشتم حنوا إليكم.[22] والقائل: "والزموا السواد الأعظم فإن يد الله مع الجماعة، وإياكم والفُرقة".[23] والقائل: "فلا تكونوا أنصاب الفتن وأعلام البِدَع، والزموا ما عُقِدَ عليه حبْلُ الجماعة".[24] والقائل: "ألا وإنكم قد نفضتم أيديكم من حبل الطاعة، وثلمتم[25] حصن الله المضروب عليكم بأحكام الجاهلية، فإن الله سبحانه قد امتن على جماعة هذه الأمة فيما عقد بينهم من حبل هذه الألفة التي ينتقلون في ظلها، ويأوون إلى كنفها، بنعمةٍ لا يعرف أحد من المخلوقين لها قيمة، لأنها أرجح من كل ثمن، وأجلّ من كل خَطَر".[26] والقائل (فصلاً للخطاب): {قال اللهُ تعالى لقومٍ أحب إرشادهم: "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا اللهَ وأطيعوا الرسولَ وأولي الأمر منكم، فإنْ تنازعتم في شيء فردُّوه إلى الله والرسول"، فالرد إلى الله: الأخذ بمحكم كتابه، والرد إلى الرسول: الأخذ بسنَّته الجامعة غير المفرِّقة.}[27] إذن، هذا هو نهج علي (ع)، وهذا عظيم ما يجمع بين العلويين وبقية إخوانهم المسلمين[28]؛ أما ما يفرِّقهم فهو الخلافات الدينية الجزئية والتفصيلية وبعض الخلافات السياسية الكبرى، ويعمِّق تلك الخلافات ويحفظها من الزوال: العصبية ومؤججو الفتن! فهل من سبيل إلى خزي الشيطان وإخماد نار العصبية والفتنة والاهتداء بالهدي العلوي الشريف؟![29] خصوصية الشعب العلوي ومميزاته (العادات[30] والتقاليد[31] والثقافة[32] والتراث[33]) ليست العادات ولا التقاليد، ولا الثقافة الخاصة، ولا حتى التراث، أصلاً من أصول الدين ولا جزءاً منه، حتى لو كان بعضها يظهر بمظهر الدين أو له طابع ديني؛ وإنما هي موروث مطوَّر أتى به التاريخُ وكرَّسه الواقع! وإنْ كنا في يومنا هذا ننظر إلى تراثنا وثقافتنا بقدسية كبيرة، أو بشيء منها، فذلك لاحترامنا ــ المحمود ــ لتاريخنا ولاعتزازنا بأصالتنا ولوفائنا لجذورنا؛ لكن، ما أن يدخل ذاك التراث وتلك الثقافة مجال المقدَّس الديني ذاته، لا مجال الاحترام الاجتماعي والإنساني، حتى تبدأ الأخطار والشبهات تعصف وتلم بمجتمعنا وحياتنا! فما السبيل إلى فرز الأمور وفصْلها، وبيان غثها من سمينها، وأصيلها من دخيلها..؟ السبيل هو بوصلتنا العلوية التي لا تخطئ أبداً! إنه الإمام الحق: علي بن أبي طالب (ع)، الأمين على السنة النبوية الشريفة، والمجسِّد لها... فكل كلمة تدخل في باب الثقافة والمعرفة، وكل فِعل يعود إلى عادة أو عرف أو تراث.. فميزانه المرجِّح الإمام علي (ع)؛ فما وافق سيرته وهديه قبلناه وحُقَّ لنا أن نتعلَّق به ونحافظ عليه، وكل ما خالفه وجب علينا تركه لا جاز لنا وحسب! وبالعموم، كل ما لا ضرر منه ولا خطر، دينياً أو اجتماعياً، فلا بأس ببقائه أو ذهابه؛ وكل ما شكَّل خطراً مهما تدنَّى مستوى خطورته وَجَبَ تركه ومعالجة آثاره السلبية الناتجة عن ممارسته كل تلك الفترة السابقة! أما الحديث عن "الخطر على الهوية[34] العلوية" بمثل هذه النداءات والأوبات إلى الحق فحديث سخيف، إذ لا خطر على الهوية العلوية الحقيقية من شيء يعود إلى الأصل العلوي الشريف، ولِيُحافِظ كلٌّ منا على عاداته وتقاليده "العريقة ــ الصحيحة" حفاظه على مناخه الإنساني الذي يحتاجه في حياته الصحية السليمة؛ فالعلوية (كياناً وشخصيةً..) لا تقوم على عادات، ولا على تراث ولا على ثقافة، ولا تتأثر بها أصلاً، وإنما تقوم على إيمانٍ جوهري بولاءٍ تحقُّقي تحقيقي (تطبيقي) لإمام المسلمين علي بن أبي طالب (ع).. وحبُّ عليٍّ وموالاته حق الولاية هي البذرة الطيبة الوحيدة لشجرة العلوية في هذا البستان الإسلامي البديع! بوصلة العلويين الجغرافية والسياسية أشرتُ في دراستي "العلويون في سوريا"[35]، أو: "العلوية في سوريا"، الشاملة الغنية، إلى خصوصية سوريا بالنسبة لكل ذائق للجمال والحضارة وباصر لحقائقهما[36]، وألمحتُ[37] إلى مركزيتها الكونية بالنسبة لكل مَن والى الإمام علي بن أبي طالب (ع) وأحبه، لا سيما العلويين خاصة[38]، لكنني لم أقف وقوفاً مطوَّلاً، أو مفرداً، على حقيقة كونها قِبلة كل علويي المعمورة، وأن نظامها السياسي "العلوي" الذي جُمِّل به وجه تاريخها السياسي: كان، وما زال، وسيبقى، غرة النظم السياسية السورية الحُسنى، وقدوتها المثلى! فمنذ عصر أولئك الأفذاذ الذين تفانوا في خدمة الشعوب ونشر قيم العدل والإسلام والولاية في القرن الرابع الهجري إلى عصرنا عصر أولئك الغرر ــ الذين تشمخ هامات المتمجِّدين بعزهم ونصرهم ــ من قادة وزعماء هذه الأمصار والمناطق المحروسة، والعظيمة؛ (منذ ذلك الحين) والشآمُ تهب الحكمةَ والحبَّ والأمن والسلام والازدهار والاستقرار.. في أنموذج سياسي عزّ نظيره، وفي بقعة جغرافية خصَّها مُبدعها بسحر الجمال الأقدس! إذاً، كانت بلاد الشام، أو سوريا الكبرى، قِبلة العلويين في الماضي؛ وما زالت اليوم، وستبقى كذلك ــ بإذن الله ــ إلى أن يرث اللهُ الأرضَ ومَن عليها! كانت مثلاً لاتجاه البوصلة الصحيح؛ البوصلة الواحدة، بوصلة الحق! وكما كان الإمام علي بن أبي طالب ــ عليه السلام ــ بوصلة العلويين روحياً وفكرياً، كان كذلك سياسياً وعملياً.. وأين؟ على أطهر بقع الأرض وأجملها بعد الأراضي المقدسة! وبناءً على ما قدَّمنا يمكننا القول: يُعرَف العلوي من بوصلته! فإذا كان مقتدياً بإمام العدل والحق في هذه الدنيا: "ربيب رسول رب العالمين وخليفته"، كان علوياً حقاً؛ راعياً كان أو مرعياً، سائساً أو مُساساً! وبقدر الالتزام بذاك المنهج القدسي للسنة النبوية الشريفة المثلى والفضلى تكون درجة الشخص ومقامه! خاتمة خصَّصتُ مقالتي هذه لموضوعٍ أرى أنه أخطر موضوع يخص المسلمين العلويين، وأهمّه بالنسبة إليهم على الإطلاق؛ إذ هو الأهم والأخطر لكافة شعوب الأرض! فالأمرُ الأهمُّ في المسيرِ هو الوجهةُ التي نسير إليها والنظام الذي نسير عليه والهدف الذي يحرِّكنا والغاية التي ننشدها.. وكل ذلك ضمَّنتُه في هذا العمل آملاً التوفيق والقبول من الله غايتي ومبتغاي.. فإنْ وُفِّقتُ فبفضله ــ سبحانه ــ، وإنْ لم أُوفَّق فلذنبي وضعفي وعجزي وتقصيري.. وأختم هذا الخط من الجهاد وهذه الصورة من العمل بالقول: كتبتُ، مذ بدأتُ، لِما يجمع بين الناس في النتيجة والنهاية، ولِما يُطبب ويداوي؛ ولم أُعرْ صرخات الرفض اهتماماً يمكن أن يثنني عن هدفي النبيل الذي أعمل لأجله، ولم أصرف من وقتي فيما لا يجدي، أو لا يُغني؛ كما أهملتُ كلَّ طلبات دراسة أصول العلويين وجذورهم وأعراقهم، في هذه المنطقة أو تلك؛ أو مناطق تواجدهم وانتشارهم.. وكان جوابي على تلك الطلبات والأسئلة الغالية، المليئة بالصدق والثقة، أن القاعدة العلوية في هذا البيت الشريف هي: المرء من حيث يثبت (بالولاية والعمل الصادق)، لا من حيث ينبت (بالأصل والجذر). و: إن الفروع عن أصولها تخبر، ومن منابتها تثمر. (أي: خذوا عنا تكونوا منا؛ ذرية بعضها من بعض) وأن العلويين، هنا وهناك، هم أهلنا؛ لا فرق بين كردي وعربي وعجمي.. إلا بالتقوى. وما دراسة أماكن تواجدهم الآن، أو في الماضي، على التفصيل، بهمّي الأكبر في هذه المرحلة، وإنْ كانت مهمة جداً وممتعة.. ولكن، قد يكون ذلك من ضروريات وقتٍ آخر! والقاعدة العلوية في هذا الخصوص هي قول الإمام الصادق (ع): ولايتي لعلي أحب إليَّ من ولادتي منه.[39] وقول الإمام زين العابدين (ع): دعني من حديث أبي وجدي وأمي! الجنة لمَن أطاع اللهَ ولو كان عبداً حبشياً، والنار لمَن عصاه ولو كان سيداً قرشياً.[40] أخيراً، أستودعكم الله ــ إخواني المسلمين جميعاً ــ، والسلام عليكم ورحمة وبركاته.. المحب المخلص سام محمد الحامد علي www.sam-ali.net www.safwaweb.com www.alaweenonline.com www.alaween.net www.ftatali.com www.freemoslem.com الحواشي والمراجع:
[1]يعود اشتهار تسمية أبناء الطائفة العلوية بالعلويين إلى الساحة من جديد (حيث أن الاسم قديم قِدم أقدم التسميات الرجالية والمذهبية) لقيام الاستعمار البائد بتقسيم سوريا إلى دويلات وتسمية إحداها بالدولة العلوية، ثم اشتهار كوكبة من الأفذاذ والنحارير من أبناء الطائفة العلوية في شتى أصقاع الأرض وفي كافة المجالات الإنسانية لاسيما العلمية والسياسية.. [الفذ: الفرد. وهو كناية عما ينفرد به المبدع.. (انظر: لسان العرب، ابن منظور، مادة: فذذ. أو: طبعة دار المعارف، مج5، ج37، ص3367) والنحارير جمع: نحرير، وهو: العالِم المتقِن الفطن الحاذق.. وأصل الكلمة من نَحَرَ الأمورَ عِلماً: أتقنها.. (انظر: فقه اللغة، العلامة اللغوي المؤرخ أبو منصور بن إسماعيل الثعالبي النيسابوري، نسخة حققها وقدَّم لها الدكتور عمر الطباع، دار الأرقم، ط1، فصل: في تقسيم الأوصاف بالعِلم والرجاحة والفضل والحذق ص146. والمنجد في اللغة، مادة: نحر)] [2]استدعته الحاجة والضرورة، بمعنى: كان لا بد من التركيز على أن العلويين في هذا المكان هم أشباه ونظائر إخوانهم العلويين في ذاك المكان، وأن العلوية الحقيقية واحدة في هذا العالم وهي: الانتماء الحقيقي والكلي للإمام علي بن أبي طالب (ع). وقلتُ: كما استدعاه الواقع والحقيقة، بمعنى: أنهم هم كذلك واقعاً وحقيقة (إخوة..). [3]بمعنى: هذا العدد والكم من الدراسات والأبحاث.. [4]البوصلة: كلمة معرَّبة عن الإيطالية Bussola، أي: علبة صغيرة. ويقابلها مصطلح مأخوذ عن الإيطالية أيضاً Compasso (من فِعل Compassare أي يقيس بالخطوة)؛ وقد سميت بالعربية: الموصلة. وهي: أداة لتحديد الاتجاه الأفقي؛ ينحصر عمل أبسط أشكالها بجعل الإبرة المغناطيسية المرتكزة على محور تتوازن وتتراصف مع حقل الأرض المغناطيسي. [الموسوعة العربية، المجلد الخامس، التقنيات، البوصلة] [5]هو الشيخ القدوة أبو عبد الله الحسين بن حمدان الخصيبي. (انظر ترجمته في الموسوعة الإسلامية الكبرى والوثقى: أعيان الشيعة، الإمام السيد محسن الأمين. وراجع دراسة بعنوان: ضوء على شخصية السيد أبي عبد الله الحسين بن حمدان الخصيبي) [6] هو الولي: محمد بن موسى النيسابوري، المعروف بـ: الحاج بكتاش. ولد في العشر الأول من القرن الثالث عشر الميلادي وتوفي في الربع الأخير منه. دعا إلى التعلم والتعليم ونشر النور، واعتنى بشؤون المرأة كثيراً.. (انظر دراسة: العلويون في تركيا، سام محمد الحامد علي) [7]راجع كتاب: الإمام علي في السنة والتاريخ، سام محمد الحامد علي، مطبعة اليمامة، ط1. [8]الشيخ الخصيبي (رض) والحاج بكتاش (ره). [9]أي: الإمام علي ــ ع ــ على الحقيقة! [10]الباب هنا بمعنى الطريق والمدخل.. [11] سنن الترمذي، كتاب المناقب عن رسول الله ــ ص ــ، مناقب الإمام علي بن أبي طالب. [12]يتفق سائر أبناء الشيعة الاثني عشرية على أن الصحابي الجليل السيد سلمان الفارس (رض) كان باب (أو: بواب) الإمام علي بن أبي طالب (ع). [انظر: أعيان الشيعة، الإمام السيد محسن الأمين، ترجمة علي بن أبي طالب] لكنا لم نقصد بالباب أعلاه الشخص الممثل لذاك المقام الجليل، وإنما الطريق والدليل إلى الإمام علي ومدرسته ونهجه.. فمن موالي الإمام من أخذ العِلم بعد الأئمة الاثني عشر عن سفراء الإمام المهدي (ع) الأربعة (رض) ورجال ذاك الميدان، وهم السواد الأعظم من الشيعة الاثني عشرية؛ ومن مواليه مَن أخذ العِلم بعد الأئمة (ع) عن السيد أبي شعيب محمد بن نصير (الذي يعتبرونه الباب الشرعي للإمام الحسن العسكري) وهم المعروفون بالعلويين النصيريين! ومن العلويين مَن قال بغير ذلك أيضاً! [13]الناموس: الشريعة. والناموس أيضاً: صاحب السر المطَّلع على باطن أمرك. [المنجد في اللغة] [14]راجع تقرير سماحة الإمام السيد محسن الأمين بخصوص الشيخ الخصيبي عند ترجمته له وبعد تفنيده كل الشبهات والمزاعم حوله في موسوعته الإسلامية الكبرى والوثقى: أعيان الشيعة. [مثل: طبعة دار المعارف، ط5، مج9، ص150-151] وانظر أيضاً دراسة بعنوان: ضوء على شخصية السيد أبي عبد الله الحسين بن حمدان الخصيبي؛ سام محمد الحامد علي) [15]عنيتُ بالجمع: ما يجمع بين الناس، والفَرْق: ما يفرِّقهم؛ ولم أعنِ أبداً أبعد من ذلك لاسيما ما يقولوه المتصوفة! (قيل في الجمْع والفَرْق: الجَمْع: جمع المتفرقات، والتفرقة: تفرقة المجموعات..) [انظر: موسوعة مصطلحات التصوف الإسلامي، د. رفيق العجم، مكتبة لبنان ناشرون، ط1، ص253] [16]راجع كتاب: الإمام علي في السنة والتاريخ، سام محمد الحامد علي، مطبعة اليمامة، ط1. [17]قال أ.د. محمد سعيد رمضان البوطي: "كان الإمام علي بن أبي طالب المرجع والمستشار الأول لكلٍّ من الخلفاء الثلاثة الذين خلوا من قبله". [فقه السنة النبوية الشريفة مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة، محمد سعيد رمضان البوطي، دار الفكر، ط1، ص556] [18]انظر بحث: أئمة ووارثون، سام محمد الحامد علي. [19]عنيتُ كلَّ الخصيبيين! فمِن أتباع الشيخ القدوة الخصيبي مَن رأى في مقامه العلمي والديني ما يحصنه من التقوّل عليه بما لا يليق بشخصه ولا بمقامه! فالشيخ عند هؤلاء مِن سادات عِلم أهل زمانه، ومِن ثقاتهم، فكيف يمكن أن يخرج مِن ذاك السيد الجليل ما يثقل على الأذان سماعه ويُقبَح في العيون لحظه مما لا يصح عقلاً ولا يستقيم منطقاً ولا يوافق سنةً ولا يطابق عقيدة..؟! (الشيخ عند هؤلاء: قدوة زمانه ووحيد أوانه؛ به ائتم السادة والثقاة، ومِن علمه استقى العلماء والخبراء.. وهو بذلك ــ ضرورةً وعقلاً ــ فوق كل ما يُنسب إليه مما يخالف ذاك المقام الحقيق لشخصه!) وبهذه المناسبة أقول: ميَّز، أو: فَصَلَ، جُلُّ من حَمَدَ الخصيبيَّ وبرَّأه من الغلو بينه وبين السيد أبي شعيب محمد بن نصير، أو بينه وبين النصيرية كفرقة غالية، وقالوا إن شأن الشيخ الخصيبي شأن كل رجال المذهب الجعفري الاثني عشري الذين اتهموا بالغلو ولم يكن في مقالتهم شيء منه، واعتبروا أن كل المنسوب إلى أولئك القوم مما يخالف العقيدة الإسلامية الصحيحة الصريحة هو محض افتراء أو زخرف جهَّال ومضلَّلين انساقوا وراء كذب وخدع مَن استعمل تلك الأسماء الكريمة الحميدة ليدس سمه في عسلهم الصافي.. [اقتضت الأمانةُ العلمية، والصدق الإيماني، إلى الإشارة إلى ما أشرتُ إليه؛ فحامل لواء الدفاع عن رجال آل بيت رسول الله ــ ص ــ المظلومين من المتأخرين "السيد الإمام محسن الأمين" قال بحمد الخصيبي وتبرئته لكنه أصر على ذم السيد أبي شعيب محمد بن نصير لثبوت ذم الإمام العسكري (ع) له. (بمعنى: وقف طاعة، واحتياطاً، عند قول أهل الفصل في ذلك، وسلَّم لهم ما يجب التسليم فيه..)] [20]قال لي أحد الأحبة: أنت لا تستطيع أن تبقى حيادياً دوماً؛ ما زلتُ أشتم منك ريح ولاء لشخص يجب أن نتفق على ذمه وإلى الأبد قبل أي شيء آخر. فقلتُ له: إذا كانت الحيادية تعني سلبية، فأنا لستُ حيادياً أبداً؛ وإذا كنتَ لا تميّز بين ريح الولاء وريح الوفاء فهذا شأنك. أنا لا أستحي من حب طائفتي بكافة أطيافها، ولا يُلام المرءُ على حب قومه، ولا أجد عيباً في احترام جميع رموزها؛ لكن، ما أدراك يا أخي أن الشخص الذي أنت مولع بالتقرب إلى الله ببغضه والبراءة منه قد يكون أقرب إلى الله من كثير من رموزك! قال لي: وكيف ذلك وأكثر مؤرخينا والمحدِّثين من أصحابنا يجمعون على ذمه؟ فقلتُ له: قد رأينا في كثير من الحالات المشابهة شبه إجماع على أمور ملتبسة ومغلوطة؛ وعلى كل حال، دعك من قضية حمده وذمه وانشغل بالتقرب إلى خالقك بحب كافة خلقه، لا سيما أولئك الذين تعتقد أنهم ضالون لإتباعهم ذاك المذموم عندك، إذ هم أشد الناس حاجة إلى حبك ودعائك وإخلاصك، وهم أمانة الله في عنقك وعنق الأمة الإسلامية كافة إذ رأيتهم ــ حسب قولك ــ مرضى. وأخيراً، دع الناس لخالقهم إنْ أعيتك الحيلة معهم، فلستَ عليهم بمسيطر ولا وكيل.. [21]نهج البلاغة، الكتاب53. [22]نهج البلاغة، قصار الحكم10. [23]نهج البلاغة، الخطبة127. [24]نهج البلاغة، الخطبة151. [25]أي: خرقتم. [26]نهج البلاغة، الخطبة192. [27]نهج البلاغة، الكتاب53. [28] معظم العلويين لا يعلم حب الإمام نفسه لكل أبناء آدم، وحرصه الأكيد والكبير على هدايتهم وخدمتهم! وكثير من العلويين يعتقد اعتقادات باطلة، ومبتدعة، فيما يخص رؤية الإمام علي لمَن ليس معه وتصنيفه للناس! يقولون: قال الإمام علي كذا وكذا؛ ويجهلون أو يتجاهلون مناسبة ذاك الكلام (تأويله) وماذا عنى به (تفسيره) ولأي حكمة قاله (غايته)..! هذا فضلاً عن تقويله ما لم يقل! [29]راجع باهتمام مقال: كيف نتحرر من العصبية، سام محمد الحامد علي. [30] تعوَّد الشيءَ: جعله عادته، وأطاقه لأنه اعتاده؛ والعادة: ما يعتاده الإنسان، أي: يعود إليه مراراً وتكراراً. [المنجد في اللغة] [31] التقاليد: هو ما انتقل إلى الإنسان من آبائه ومعلِّميه ومجتمعه من العقائد والعادات والعلوم والأعمال. [المنجد في اللغة] [32] ثقَّف الرمحَ: قوَّمه وسوَّاه، وثقَّف الولدَ: هذَّبه وعلَّمه؛ والثقافة: التمكُّن من العلوم والفنون والآداب. [المنجد في اللغة] [33] التراث: ما يخلِّفه الرجلُ لورثته، والتاء فيه بدل من الواو. [لسان العرب، ابن منظور، مادة: ورث. (انظر طبعة دار المعارف، مج6، ج53، ص4809)] [34] الهُوِية: حقيقة الشيء، أو الشخص، المطلقة المشتملة على صفاته الجوهرية؛ وذلك منسوب إلى هُوَ. [المنجد في اللغة] [35]العلويون في سوريا أبناء مدن في الحقيقة، أو بالأصل، لا أبناء ريف وجبال؛ وما قولنا هذا بتنكُّر للريف الشريف والجبال الأبية، ولا بتصغير لأهل الريف والجبال، وإنما بيان حقيقة وواقع حتى تكف الألسن العوجاء والأنفس الرعناء والصدور الهوجاء عن بث سمومها والتقوّل على السادات الأشراف بما لا يليق بهم! قال الجغرافي القديم، المتحامل على شيعة الإمام علي بن أبي طالب ــ كرَّم الله وجهه ــ أبشع تحامل، العَلم الشهير ياقوت الحموي (المتوفى عام 626هـ ــ 1228م) عن مراكز المسلمين العلويين الثلاثة الأساسية: حلب وحمص واللاذقية (اللاذقية كانت قديماً تابعة لحمص ثم حلب؛ ثم استقلت بنفسها في وقت لاحق): · حلب: مدينة عظيمة، واسعة، كثيرة الخيرات، طيبة الهواء، صحيحة الأديم والماء.. فقهاؤها يفتون على مذهب الإمامية. عند باب الجنان مشهد علي بن أبي طالب ــ رضي الله عنه ــ، رئي فيه في النوم، وداخل باب العراق مسجد غَوْث، فيه حجر عليه كتابة زعموا أنه خط علي بن أبي طالب ــ رضي الله عنه ــ.. وفيها مشهدٌ مليحُ العمارة تعصَّب الحلبيون وبنوه أحكم بناء وأنفقوا عليه أموالاً، يزعمون أنهم رأوا علياً ــ رضي الله عنه ــ في المنام في ذاك المنام. · حمص: بلد مشهور، قديم، كبير، مسوَّر. من عجيب ما تأملتُه من أمر حمص (والقائل الحموي): فساد هوائها وتربتها اللذين يفسدان العقل حتى يضرب بحماقتهم المثل. إن أشد الناس على علي ــ رضي الله عنه ــ بصفين مع معاوية كان أهل حمص وأكثرهم تحريضاً عليه وجِدَّاً في حربه، فلما انقضت تلك الحروب ومضى ذلك الزمان صاروا من غلاة الشيعة، حتى إن في أهلها كثيراً ممن رأى مذهب النصيرية وأصلهم الإمامية الذين يسبون السلف. · اللاذقية: مدينة على ساحل بحر الشام تُعد في أعمال حمص، وهي الآن من أعمال حلب. [معجم البلدان، الإمام الشيخ شهاب الدين ياقوت بن عبد الله الحموي الرومي البغدادي؛ دار صادر، ط2، مج2، ص282-284، و: ص302-304؛ و: مج5، ص5] [36] قال أندريه بارو ــ مدير متحف اللوفر ــ: إن على كل إنسان متمدن في العالم أن يقول: إن لي وطنين، وطني الذي أعيش فيه، وسوريا. [سوريا، وسيمنتوفسكي فافيلوف، الطبعة الروسية ــ موسكو 1975م] [يرجى مراجعة المقال الأصل لأهميته القصوى] [37] التلميح فِعل يحترم العقل والإنسان إذ يقوم على التنبيه اللطيف فيحث على العمل والجد دون أن يخدش مشاعر المقصِّرين أو المتقاعسين عن الواجبات الإنسانية.. فيؤتي الغايةَ دون الإساءة؛ أو بأقل إثارة محتملة. واللمَّاح: ذو البصر الثاقب! [قال ابن فارس: لمح: اللام والميم والحاء أصيلٌ (أصل) يدل على لَمْع الشيء. (معجم مقاييس اللغة، أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا، مادة: لمح. انظر طبعة مكتبة مصطفى البابي الحلبي، ط2/1972، تحقيق وضبط عبد السلام محمد هارون، مج5، ص209) وملامح الإنسان: ما بدا من محاسن وجهه ومساوئه. (لسان العرب، ابن منظور، مادة: لمح. انظر طبعة دار المعارف، مج5، ج45، ص4072)] [38]ثبت في المصادر التاريخية المعتمدة أن بلاد الشام ومحيطها* كانت في القِدم مركزاً لانطلاق أوسع وأعرق مدرسة لأهل بيت رسول الله ــ ص ــ! فمنذ فتْح دمشق ومشاركة بعض أجل الصحابة، المشهورين بحبهم الولائي الكبير لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، كالمقداد بن عمرو *، إلى حلول بعض آل بيت النبوة (ع) فيها، كالسيدة زينب بنت علي (ع)، إلى تسلُّم بعض علويي الولاء من المسلمين مقاليد الحكم في تلك الأمصار، كسيف الدولة الحمداني* وعضد الدولة البويهي*، والبدء بالدعوة العلوية العلنية الأولى بعد عصر آل البيت (ع) التي قام بها حميدُ المتبصِّرين من المسلمين: الشيخ القدوة أبو عبد الله الحسين بن حمدان الخصيبي*، والتي زامنت المُلْكَ الحمداني والبويهي؛ فمنذ تلك الأوقات والشام بمركزيها حلب ودمشق وبوابتيهما الساحلتين لواء اسكندرون واللاذقية، وحمص وسطهما، تعد (أي الشام): قِبلة العلويين ومهدهم! {* الشأمُ، أو: الشام: سميتْ بذلك لأن أول مَن نزل بها سام بن نوح ــ عليه السلام ــ، فجُعلت السين شيناً لتغير اللفظ العجمي؛ وكان اسم الشام الأول: سُورَى. وقال جماعة من أهل اللغة: (باعتبار) أنه يجوز أن لا يهمز فيقال "الشام"، فيكون جمع شامة، سميت بذلك لكثرة قراها وتداني بعضها من بعض فشُبِّهت بالشامات! الشؤم مأخوذ من اليد الشؤمى وهي اليسرى، ولذلك قال بعض أهل الأثر: سميت بذلك لأن قوماً من كنعان بن حام خرجوا عند التفريق فتشاءموا إليها، أي أخذوا ذات الشمال فسميت بالشام لذلك! وينسب إلى رسول الله ــ ص ــ أنه قال: الشام صفوة الله من بلاده، وإليها يجتبي صفوته من عباده؛ يا أهل الإسلام فعليكم بالشام فإن صفوة الله من الأرض الشام.. إن الله قد تكفَّل لي بالشام وأهله. قال أحمد بن محمد بن المدبِّر الكاتب في الشام: وكم بالشام من شرف وفضل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ومرتقبٍ لدى بَرٍّ وبحر بلادٌ بارك الرحمنُ فيها ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقدَّسها على عِلمٍ وخبر بها غُرَرُ القبائل من مَعَدّ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقحطان ومن سَرَوات فِهر أُناسٌ يُكرِمونَ الجارَ حتى ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يجيرَ عليهم من كلِّ وِتر وقال البحتري فيها: مصحّة أبدانٍ ونزهة أعين ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ولهو نفوسٍ دائم وسرورها مقدّسة جادَ الربيعُ بلادها ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ففي كل أرضٍ روضةٌ وغديرها [معجم البلدان، الإمام الشيخ شهاب الدين يا قوت بن عبد الله الحموي، دار صادر، ط2، مج3، ص312 وما بعد] * المقداد بن عمرو بن ثعلبة البهراوي المعروف بالمقداد بن الأسود (وهو الأسود بن عبد يغوث الزهري الذي حالفه المقداد فتبناه): قديم الإسلام، من السابقين. شهد بدراً وله فيها مقام مشهور، وشهد أُحداً والمشاهد كلها مع رسول الله ــ ص ــ ومناقبه كثيرة. قال ابن مسعود: أول من أظهر الإسلام بمكة سبعة، منهم: المقداد. قال رسول الله ــ ص ــ: "إن الله عز وجلّ أمرني بحب أربعة، وأخبرني أنه يحبهم". قيل: يا رسول الله، سمهم لنا. قال: "علي منهم ــ يقول ذلك ثلاثاً ــ، وأبو ذر، والمقداد، وسلمان". [أسد الغابة في معرفة الصحابة، العلامة الشيخ عز الدين بن الأثير الجزري (المتوفى عام630هـ)، دار إحياء التراث العربي، نسخة صححها الشيخ عادل أحمد الرفاعي، ط1، مج5، ص265] * سيف الدولة الحمداني: أبو الحسن علي بن عبد الله بن حَمدان، صاحب حلب. مقصدُ الوفود، وكعبةُ الجود، وفارس الإسلام، وحامل لواء الجهاد. كان أديباً مليح النظم، فيه تشيّع. مولده في سنة إحدى وثلاث مئة، ووفاته عام ست وخمسين وثلاث مئة. وله غزوٌ ما اتفق لملكٍ غيره، وكان يُضرب بشجاعته المثل؛ وله وقعٌ في النفوس، فالله يرحمه. [سير أعلام النبلاء، الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (المتوفى عام748هـ)، مؤسسة الرسالة، ط11/2002، مج16، ص187-188] * عضد الدولة البويهي: فناخسرو بن حسن بن بُوَيه الديلمي، أبو شجاع. صاحب العراق وفارس. كان شيعياً جَلِداً، أظهر بالنجف قبراً زعم أنه قبر الإمام علي، وبنى المشهد، وأقام شعار الرفض، ومأتم عاشوراء. [سير أعلام النبلاء، الإمام الحافظ الذهبي، مج16، ص249-250. انظر للاستزادة: أعيان الشيعة، الإمام السيد محسن الأمين، دار التعارف للمطبوعات، ط5، مج13، ص89 وما بعد] * الخُصَيْبِيُّ: أبو عبد الله الحسين بن حمدان الخُصيبي الجُنبلاني، توفي في ربيع الأول عام 358هـ. قال الشيخ في الفهرست: روى عنه التلعكبري، وسمع منه في داره بالكوفة سنة 344هـ، وله منه إجازة. وفي الرياض: فاضل عالم محدِّث من القدماء. وفي لسان الميزان: الحسين بن حمدان بن الخصيب الخصيبي أحد المصنفين في فقه الإمامية.. كان يؤم سيف الدولة، وله أشعار في مدح أهل البيت. وفي التعليقة: كون الخصيبي شيخ إجازة يشير إلى الوثاقة. قال الإمام السيد محسن الأمين الملقَّب بالمجتهد الأكبر: لا يبعد أن يكون أصل ذم الخصيبي من ابن الغضائري الذي لم يسلم منه أحد! فلذلك لم يعتن العلماءُ بذمومه؛ وتبعه (أي تبع ابن الغضائري) النجاشيُّ فوصفه (أي الخصيبي) بفساد المذهب والتخليط، وتبعه صاحب الخلاصة. والقدماء كانوا يقدحون بفساد المذهب والتخليط لأشياء كانوا يرونها غلواً وهي ليست كذلك.. ولا غرابة في افتراء هؤلاء النسب الباطلة إلى العلماء، فقد قال صاحب الشذرات أنه شهد بدمشق على الشيخ محمد بن مكي العاملي ــ وهو من أعاظم العلماء العاملين ــ بانحلال العقيدة واعتقاد مذهب النصيرية واستحلال الخمر الصرف وغير ذلك من القبائح فقُتل، مع أنه إنما قُتل على التشيّع كما صرَّح به محمد بن علي الحسيني الدمشقي في ذيل تذكرة الحفاظ. اهـ. [أعيان الشيعة، الإمام السيد محسن الأمين، مج9، ص150-151] [يرجى مراجعة دراسة بعنوان: ضوء على شخصية الخصيبي، سام محمد الحامد علي]} [39]سيرة الأئمة الاثني عشر، العلامة المحقق السيد هاشم معروف الحسني، منشورات الشريف الرضي، ط4، مج1، ص561. [40]المرجع السابق. |