:: منابع الفتنة في سوريا   :: حول المؤامرة والتدخل الخارجي   :: الفضائيات وحقيقة ما يحصل في سوريا   :: المستجدات في سوريا   :: حول الدعوة إلى حوار وطني   :: إلى حمص السورية   :: صوت درعا   :: نداء وطني   :: مداخلة على هامش أحداث سوريا   :: العلويين في تركيا ـ العلوية في تركيا   :: سوريا الروح والرحم   :: بوصلة العلويين (البوصلة العلوية)   :: أئمة ووارثون   :: الإمام علي وأحرار العالم   :: الطائفة العلوية   :: العلويين في سوريا - العلوية في سوريا   :: ذو الفقار ـ سيف ذو الفقار   :: المكزون السنجاري   :: المنتجب العاني   :: الشاب الثقة أبو سعيد   :: الشيخ الثقة الجلي   :: دعاء الشيخ الجنان (ق)   :: النبأ اليقين عن العلويين2   :: النبأ اليقين عن العلويين1   :: العلويين ، العلوية ، النصيرية   :: تحف العقول ج2   :: تحف العقول ج1   :: الهداية الكبرى ج2   :: الهداية الكبرى ج1   :: بيان عقيدة المسلمين العلويين   :: أدلة التشريع عند المسلمين العلويين   :: فروع الدين عند المسلمين العلويين   :: أصول الدين عند المسلمين العلويين   :: عقيدة المسلمين العلويين   :: كلمة افتتاحية
 
الهداية الكبرى ج1 طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ سام محمد الحامد علي   

الجزء الأول من كتاب "الهداية الكبرى" للشيخ القدوة الحسين بن حمدان الخصيبي.
قال الشيخ حسين محمد المظلوم في كتابه "الشيخ الخصيبي قدوة مثلى يحتذى":
ألفت النظر إلى أن هذا الكتاب النفيس (الهداية الكبرى) بعد طباعته وخصوصاً في لبنان قد دخل عليه أو أُدخل إليه والله أعلم تشويه كبير في أكثر أحاديثه بالإضافة إلى سقوط عدة أخبار وتحريف جملة أسماء لبعض الرواة وهو بحاجة الآن أكثر من أي وقت مضى إلى تحقيق دقيق يعيده إلى حلّته النقية كما بدت.

[ 1 ]

الهداية الكبرى


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 3 ]

الهداية الكبرى تأليف أبى عبد الله الحسين بن حمدان الخصيبى المتوفى سنة 334 هجرية موسسة البلاغ للطباعة والنشر والتوزيع بيروت - لبنان


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 4 ]

كافة الحقوق محفوظة ومسجلة الطبعة الرابعة 1411 ه‍ - 1991 م مؤسسة البلاغ لبنان - بيروت - المشرفية - بناية المقداد - ص ب: 7952 - هاتف: 835550 - 835820


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم لمحات عن الكتاب والمؤلف من هو الحسين بن حمدان الخصيبي الجنبلائي أو الجنبلاني ؟ كنيته أبو عبد الله، واسمه الحسين بن حمدان الخصيبي، وفاته في ربيع الاول سنة 358 ه‍، وفي رواية أخرى كانت وفاته في حلب، يوم الاربعاء لاربع عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة 334 ه‍، وشهد وفاته بعض تلامذته ومريديه، منهم أبو محمد القيس البديعي، وأبو محمد الحسن بن محمد الاعزازي، وأبو الحسن محمد بن علي الجلي، ودفن في حلب، وذكر له ولد يدعى أبا الهيثم السري، وابنة تدعى سرية، والفرق بين الروايتين إثنا عشر عاما، ونرجح هذه الرواية لانها وردت في آثار تلامذته ونسبه. في الخلاصة: الحضيني، بالحاء المهملة، والضاد المعجمة، والنون قبل ياء النسبة، وعند ابن داوود، الخصيبي، بالخاء المعجمة، والصاد المهملة، والباء قبل ياء النسبة، نسبة الى جده خصيب، أو إسم المنطقة التي ولد فيها، وأما الجنبلائي نسبة إلى جنبلاء بالهمزة، بلدة بين واسط والكوفة، وينسب إليه أيضا جنبلاني بالنون قبل ياء النسبة، كما ينسب إلى صنعاء، صنعاني. أقوال المؤرخين المعاصرين له كثيرة بين متحامل عليه وحاقد، وبين محب ومخلص، وبين ملتزم في الصمت، منهم النجاشي، وابن الغضائري، وصاحب الخلاصة من المتحاملين عليه. وفي الفهرست لابن النديم، الحسين بن حمدان الخصيبي الجنبلائي، يكنى أبا عبد الله، روى عنه التلعكبري وسمع منه في داره بالكوفة سنة 334 ه‍، وله اجازة.


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 6 ]

وفي لسان الميزان، الحسين بن حمدان بن خصيب الخصيبي، أحد المصنفين في فقه الامامية، روى عنه أبو العباس بن عقدة وأثنى عليه واطراه وامتدحه، كان يوم سيف الدولة بن حمدان في حلب، وفي أعيان الشيعة للعلامة الكبير المجتهد، والمؤرخ والاديب والكاتب الامامي السيد محسن الامين العاملي (طيب الله ثراه) ترجمة للخصيبي مفادها امتداحه والثناء عليه، وعلى أنه من علماء الامامية وكل ما نسب إليه من معاصريه وغيرهم لا أصل له ولا صحة، وانما كان طاهر السريرة والجيب، وصحيح العقيدة، كما أن السيد الامين (رحمه الله وقدس سره) أورد في كتابه أعيان الشيعة أقوال العلماء فيه ورد على المتحاملين عليه ردا جميلا، كابن الغضائري والنجاشي وصاحب الخلاصة، ويقول السيد الامين العاملي (قدس سره)، لو صح ما زعموا وما ذهبوا إليه ونسبوه له لما كان الامير سيف الدولة المعروف والمشهور بصحة عقيدته الاسلامية وولائه لعترة الطاهرة وآل البيت (سلام الله عليهم) صلى عليه وأئتم به. وفي رواية التلعكبري على انه اجيز منه لما عرف عنه من الوثاقة والصدق بين خواص عصره، وأما من المعاصرين، فالمرحوم والمغفور له عضو المجمع العلمي في دمشق، والكاتب الشهير، والفيلسوف العظيم، والحكيم العاقل، والشيخ الوقور الملتزم الصادق قولا وعملا وسلوكية، قال فيه والكلام لي والمعنى له، على ان العلماء والمؤرخين ذهبوا فيه مذاهب شتى بين متحامل حاقد ومبغض كاسح، وبين مغال مفرط مسرف مبالغ، وبين معتدل عاقل، وخلاصة القول: كان من علماء آل محمد والامامية وهو في هذه الشهادة يتفق مع السيد الامين العاملي (قدس سره). مؤلفاته كثيرة، ذكر السيد المجتهد محسن الامين العاملي مؤلفات الخصيبي وأورد أسماء من أتوا على ذكرها ومحص تلك الاراء والاقوال المتعددة في دقة وأمانة فصح له منها عشرة كتب، وهي الاخوان، المسائل، تاريخ الائمة، الرسالة، أسماء النبي، أسماء الائمة، المائدة، الهداية الكبرى التي


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 7 ]

نحن في صددها، الروضة، أقوال أصحاب الرسول وأخبارهم (1). يوجد الآن من أتباعه في إيران وحدها مليون ونصف يسكنون ضواحي المدن الآتية وهي: كرمنشاه، وكرند، وذهاب، وزنجان، وقزوين، وفي العاصمة طهران وضواحيها، هذا ما قاله الامين العاملي نقلا عن السيد محمد باقر حجازي صاحب جريدة وظيفة، وفي قناعتي الخاصة، احسن ما نقل عنه، أو تحدث به عنه حتى الآن هو الفيلسوف الامير حسن بن مكزون السنجاري الفيلسوف والعلامة والمؤرخ والفقيه والقائد والمحدث والراوي والمحقق والمدقق معا واللغوي والمتبحر والرباني في علوم آل محمد ومعارفهم وحبه لهم وإخلاصه وقد ورد هذا الحديث عنه في مخطوطته الشعرية أي ديوانه الكبير وهو المرجع الاول والاخير والمعول عليه والمعتمد في كل ما يتعلق بشؤون وأحوال الطائفة المنتمية أي الشيخ أبي عبد الله الحسن بن حمدان الخصيبي وقد شرحه وبسطه وأزال غموضه العلامة الكبير المغفور له الشيخ سليمان الاحمد تغمد الله ثراه وأخرجه حلة قشيبة الى المكتبة العربية ومحبي الفيلسوف وأنصاره والديوان في رأيي صورة صادقة أمينة ومنتسخة عن عقائد الطائفة في كل النواحي قولا وعملا وسيرة والتزاما وأرى شخصيا أن ديوان المكزون المخطوطة موسوعة ودائرة معارف المكزون الفيلسوف الرباني لم يمتدح أميرا أو واليا أو مسؤولا على خلاف غيره ومعاصريه من الشعراء ولكنه امتدح آل حمدان أتباع الخصيبي عقيدة وولاء وسيرة ويرى مدحه لهم فرضا لازما وواجبا محتما لا أثر للمصلحة فيه ولا دافع ماديا أو وجاهة أو صورة نفعية وإنما أملاه عليه الواجب الولائي والعلاقة الروحية التي هي الحبل المتين وقطب الرحى وهو لما يراه أيضا ويعتقده لكونه تنتمي طائفته الخصيبية الى العترة


--------------------------------------------------------------------------------

 

(1) كتاب أعيان الشيعة للسيد محسن الامين العاملي، ج 4، صفحة 345، رقم 4117 من الطبعة القديمة.


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 8 ]

الطاهرة والشجرة الطيبة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء بيت النبوة ومعدن النور وميزان الحق وحجج الله على البرايا وألسنة الصدق والدعاة إلى الله وسبل النجاة وأبواب رحمته والوسائل إليه دنيويا وأخرويا واجتماعيا وفكريا اسمعه إذ يقول معلنا ويصرح مبينا ويجهر موضحا عقيدته الصادقة وإيمانه الراسخ العميق للخاص والعام في أسلوب شعري رصين وعاطفة صادقة ووفاء واخلاص لاسياده وأساتذته وأصحاب طريقته في أكثر من موضع في مخطوطته الشعرية ورسالته النثرية وأدعيته المشهورة والتي لا تختلف لفظا ومعنى وفكرا عن أدعية الائمة كالسجادية وغيرها من الادعية قال بهم آمرا وناهيا على صيغة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر في أسلوب قرآني رصين. واقطع أخا الجهل وصل كل فتى * شب على دين الغرام واكتهل من آل حمدان الذين في الهوى * بصدقهم يضرب في الناس المثل خزان أسرار الغرام ملجا العشاق * من أهل الشقاق والجدل قوم أقاموا سنن الحب الذي * جاءت به من عند لمياء الرسل تلوا زبور حكمها كما أتى * ورتلوا فرقانها كما نزل اولئك القوم الذين صدقوا الحب * وفازوا بالوصال المتصل آووا إلى كهف سليمى فجنوا * من نحلها الزاكي بها أزكى العسل وعن سبيل قصدها ما عدلوا * ولا أجابوا دعوة لمن عزل فهو في العرض الشعري يبدو في القمة فكرة وأسلوبا وعاطفة وتعبيرا صادقا وتصويرا رائعا على خلاف غيره من المتاجرين حينا والمنافقين حينا آخر وتقديري أن الطائفة الخصيبية هي الفرقة المؤمنة الموالية للعترة الطاهرة أصولا وفروعا ومجازا وحقيقة وقولا وعملا فهم أي أهل طريقته تحت راية لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والايمان بالخط الامامي وما هم عليه من التزام صحيح ورؤية سليمة وعلى أنهم رتلوا القرآن كما نزل وآمنوا به وصدقوا باحكامه ونهجوا على سنة رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) واقتفوا هدي آل بيته (سلام الله عليهم) وما مالوا ولا زاغوا عن الحق ولا


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 9 ]

أجابوا إلا دعوة الصدق ولا ساروا وراء دعوة اللائم العزول المفتري ويرى على أنهم قطفوا ثمار الدعوة وجنوا محصولها الزاكي المعنوي من نبعه ونهلوه مصبه دونما وساطة وهو في كل تعابيره الصريحة منها وغير الصريحة يسلك مسلك الحب الصادق والوفاء والاخلاص لشيخ الطائفة مسلما له الانقياد وطائعا له في كل الاصول الكلامية والمسائل الفقهية كما غلب على حسه وعقله ونفسه وتحققه وتاكده من صحة ما كان عليه شيخه الحسن بن حمدان حتى إنه يرى لا رأي إلا رأيه إيمانا منه واعتقادا على انه ما خرج عن رأي الائمة المعصومين في كل ما كتب وما قال ونشر بين خواصه وعوامه ومحبيه ومواليه والمقربين إليه قولا وعملا ومنهجية ويستمر على غرار ما عهدناه به وما عرفناه عنه في الحديث عنهم مطنبا حينا وموجزا حينا آخر دونما ملل أو ضجر أو تعسف أو خروج عن المألوف قال في القصيدة نفسها السابقة. والمدح كلها مصبوب على آل حمدان وموجه إليهم: أهل الوفا والصدق إخوان الصفا * كواكب الركبان أقمار الحلل دراهم للعاشقين قبلة * وترب مغناها محل للقبل وقد حوت علما وحلما وتقى * في طي أمن وانخلاع وجذل فانزل بها إن جزت زوار الحمى * يا سائق العير دع حث الابل والثم ثرى من لي بان الثمه * نيابة عن الشفاه بالمقل فهو في الصورة والمعبرة والتصوير المؤثر يجلهم ويعظمهم كعادته ويرفعهم منزلة عالية ويسبغ عليهم صبغة القداسة ويطبعهم بطابع الهدى والتقى والهداية فمعهدهم في نظره يختلف عن غيره من المعاهد ودارهم تختلف عن غيرها من الدور فهو يصرخ بعنف بالواقفين على الاطلال والآثار ويحثهم على الالتزام بالجواهر والحقائق التي هي الغاية في الاصل والحقيقة في الاسلام إنهم في عقيدته حينا وقناعته حينا آخر إخوان صدق وصفاء وكواكب ركبان وأقمار منازل وعلى أن دارهم للموحدين والسالكين قبلة وتراب مغناها مكان طاهر للتقبيل واللثم كمشاهد الائمة (سلام الله عليهم) في بلاد الرافدين


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 10 ]

والكوفة والبقيع وغيرها من العتبات المقدسة كطوس وسواها وفي كل موطئ قدم مروا به أو أقاموا على ترابه ويرى أن هذه المشاهد الطاهرة والعتبات المقدسة قد أشيد عليها دور العلم والحكمة وأقيم عليها الحوزات الدينية التي حفظت الاسلام والشريعة السمحة وأحكامها وهذا الرأي الصحيح هو رأي الامامية الفرقة الناجية صاحبة الحق وهذا ما نوه عنه وأشار إليه العلامة المعتزلي ابن أبي الحديد في قصائده العلويات لشهرتها أعرضنا عنها وساوضح للقارئ الكريم قناعتي في الموضوع الذي أثير حول طائفة الشيخ الذي نحن في صدده والحديث عنه وما التبس في القديم والحديث على الآخرين من شبهات لا تعطي دليلا قطعيا لا من قريب ولا من بعيد فالناقل عنهم والحامل عليهم إما لعصبية عمياء أو كراهية ممقوتة أو لجهل مركب منبوذ من أصحاب الاقلام المأجورة وأرباب الدعوات الباطلة الذين هم في هذا النهج عملاء للصهيونية وخدم للامبريالية وهم ليسوا من المسلمين وهؤلاء الفريق من الناس معروفون قديما وحديثا على أنهم تجار منافع وسماسرة مصالح يميلون مع كل ناعق كما قال الامام علي (عليه السلام) في هذا المجال وسواه. ونعود إلى الموضوع نفسه بعد هذا الاستطراد البلاغي حيث تراه دائما يشيد بهم ويثني عليهم ويطريهم قال: 1 - حتى انتهيت باصحابي إلى حرم * حماته سادة من آل حمدان 2 - قوم أقاموا حدود الله واعتصموا * بحبله من طغاة الانس والجان 3 - واستانسوا بالدجى النار التي ظهرت * بطور سيناء من أجبال فاران 4 - لم ينسهم عهدها تبديل معهدها * كلا ولم ينسهم عن حبها ثان وهذه الصورة الصادقة تراها واحدة في كل قصائده لا لبس فيها ولا غموض ولا تعقيد وهذا ناجم عن مواقفه الصادقة والايجابية لمحبيه وأساتذته ويرى القارئ الكريم معي والناقد المنصف أيضا لا يخرج في مدحه هذا عن مدح الكميت ودعبل والفرزدق وأبي فراس الحمداني شعراء آل البيت ومحبيهم تعبيرا وتصويرا وعاطفة وعلى غرار ابن الرومي وأبي تمام الطائي والسيد


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 11 ]

الحميري مرة أخرى لشهرة شعرهم في هذا الموضوع أعرضنا عنه ولسهولة تداوله والحصول عليه وهذا المدح في رأيه لا يزيدهم منزلة أو يرفعهم درجة بل يرى على العكس المادح لهم يزداد منزلة وقيمة ورفعة لانهم أسمى من المدح والقول والنظم ويتابع رحلته الشعرية هذه بحرارة الايمان معبرا عنهم أحسن تعبير وبعيدا عن الابتذال والتكلف والتصنع على خلاف غيره من المادحين والناظمين قال: وفوا العلوة بالميثاق واتحدوا * على الحفاظ وجافوا كل خوان هم الجبال الرواسي في علوهم * وأنجم الليل تهدي كل حيران سعوا فلم ترهم عين الجهول بهم * الا كما نظرت من شخص كيوان صلى الاله على أرواحهم وكسا * أشباحهم حللا من روض رضوان فهم في عقيدته كالجبال الرواسي سموا ورفعة، وكانجم الليل هداية وارشادا، وقد اختفوا عن أعين الجهلة والمبغضين، وحق له أن يقول ذلك، لانهم لا يرون عقيدة الا عقيدة آل البيت ولا إسلاما إلا إسلامهم، وهم في قناعته كما قلنا فوق مدح المادحين، واطناب المطنبين، واسهاب المسهبين، وهم أي محبوا آل البيت أسمى وأرفع وأعلى بكثير وكثير مما يقول، لانهم صورة منتسخة عنهم كسلمان، وأبي ذر، وعمار وغيرهم مما يضيق بنا الحديث عنهم في هذه المقدمة، ويكرر مدحه لهم معرضا بغيرهم لترك الصورة، والتزام الحقيقة والتمسك بالعروة الوثقى، وترك السراب الباطل، وهذا كثير عنده قال: ويل الى الخيف عن الخوف الى * ظل اللوى والبلد الامين حمى به آل الخصيبي عصمة الخائف من زمانه الخؤون بنو الوفا والصدق اخوان الصفا * قوم وفود الحجر والحجون أميال بيت الله أعلام الهدى * الطاردون الشك باليقين فهو يرى الخصيبي وأتباعه الميامين على أنهم ملاذ الخائف من زمانه


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 12 ]

الخؤون، وانهم أهل صدق ووفاء واخوان مودة وصدق، وهم الذين يزورون الحجر والحجون، وهم أميال بيته وقواعده وعمده، لما هم عليه من صدق الولاية والعقيدة التي هي الذخيرة ليوم العرض، وهو في قوله هذا ومدحه لهم صادق التعبير والعاطفة ومتاجج الاحاسيس والمشاعر لانه يرى سلوكيته هذه تجاههم حياة له ونجاة وفوزا في الدنيا والآخرة، وهذا صحيح إذا ما التزم السالك وصدق في التزامه وثبت، وهو يهب فوق هذا وسواه كدعوة صارخة على الذين وقفوا عند الجدار، وسماع النعيق، وعدم سماع نداء الحق ودعوة الصدق، التي عليها أهل البيت وشيعتهم الفائزين، وأتباعهم المؤمنين في القديم والحديث، ونظرته هذه في الواقع قد يراها الآخرون مغايرة لما هم عليه، ومباينة لما هم فيه، وكيف لا يكون ذلك وهو الذي يرى في أهل البيت المثل الاعلى والاسوة الحسنة، والقدوة الطيبة في كل القيم، والمثل، والاخلاق، والآداب، والفضائل، والمناقب، كما انه يرى على ان العبادات الاسلامية والحدود الخمس، وما يتفرع عنها من أصول وفروع، مضمونها ومحتواها سعادة المؤمن، ولا تأخذ الشكل الصحيح والسليم والكمال الروحي الا بهم، أي بائمته الطاهرين المطهرين والمعصومين (سلام الله عليهم)، وهذا صحيح من الوجهة العقلية والمنطقية، والشرعية، لانهم أئمة عدل كما يقول دعبل الخزاعي: أئمة عدل يقتدى بفعالهم * وتؤمن منهم زلة العثرات وأئمة تقى كما يقول الفرزدق: ان عد أهل الارض كانوا أئمتهم * أو قيل من خير أهل الارض قيل هم ولهذا قال الامام أحمد بن حنبل في مسنده في موضوع مناقب علي (عليه السلام) ما معناه، على ان العبادات من صلاة، وزكاة، وصوم، وحج، وجهاد، تسمو وتعلو بعلي (عليه السلام) وتزدان به وتسمو، كما الخلافة والامرة أيضا لا تزيده أو ترفعه، بل هي تزداد رفعة وسموا ومنزلة به على خلاف


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 13 ]

غيره من الصحابة، بينما غيره لا وزن له ولا قيمة الا بما يعمل ويمارس من سلوكية وسيرة حسنة، ولهذا وغيره اتخذ من جاء بعده وحتى الآن كعبة له ومنارة وملاذا في العلم، والفكر، والزهد، والحكمة، والورع، والشجاعة، والجرأة، والاقدام، والجود والسخاء، والبذل، والعطاء، والايثار، والفداء، والتضحية، وغيرها من الصفات الذاتية التي كان يتسم بها بغض النظر عن هويات الاشخاص، والعباقرة، والمفكرين والجهابذة، وقادة الرأي، ولذلك يرى المكزون، كما يرى غيره من معاصريه كالشريف الرضي في مقدمة النهج يجمع جميع المتناقضات في شخصيته الانسانية، والاسلامية، والعربية، وعلى هذا الرأي جميع أهل التحقيق، والفضل، والعلم، والنقل. ولذلك يرى المكزون على أن آل الخصيبي من لم يسلك ما سلكوه أو يعتقد ما اعتقدوه فلا قيمة له ولا وزن، لانه يعرف هؤلاء على نهج أهل البيت وهديهم، وذهب على أن الذين لم يسلكوا يؤمنوا أو يعتقدوا بهم لم يقبل الله منهم عملا، ولم يفلحوا أو ينجحوا. وهو في صورة هذه يعبر تعبيرا إسلاميا محضا ويشير دائما الى اخلاصه لهم، والتزامه بهم لانه يرى في بني طريقته التي هي في رأيه زبدة فكر آل محمد (صلوات الله وسلامه عليهم)، ويرى المكزون ان العبادات من جميع النواحي تبقى صورية وشكلية ان لم يهجر، أو يكف، أو يرتدع عن المحارم، والمنكرات، والخبائث، والفواحش تمشيا مع روح الشريعة الاسلامية السمحة قائلا: لم أقض في حبكم حجي ولا تفثي * ان لم أرح هاجرا للفسق والرفث وعليه فالخصيبيون في نظره هم خاصة العترة الطاهرة، ويرى ان أتباعه، أي أتباع الحسين بن حمدان الخصيبي، إماميون مؤمنون بامامة الائمة من علي المرتضى (عليه السلام) إلى الحجة (عليه السلام) صاحب العصر والزمان، ويرون أنه لا معنى لعمل شرعي أخروي أو دنيوي ما لم يكن مضمونه ومحتواه مشروطا بولاية الائمة والايمان بهم، وعلى انهم بهم يحاسب


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 14 ]

الله سبحانه، وبهم يثيب كما هو معروف ومشهور لدى الامامية لشهرته، ولشهرته أعرضنا عنه ولم نات على ذكره أو إيراده هنا، وعليه فالشيعة العلويون الذين يسكنون في سوريا في كل مدنه وقراه، وخصيصا في الساحل الغربي من القطر هم من أتباعه والملتزمين به وعلى طريقه لانه لم يخرج في اعتقادهم عن الشريعة الاسلامية السمحة ككل وعن مذهب الامام جعفر الصادق (عليه السلام) بخاصة، والشيخ أبو عبد الله شيخهم الروحي عاش في كنف الدولة الاسلامية الحمدانية الشيعية المؤمنة في القرن الرابع الهجري على وجه التحديد، وهذا الامير المؤمن سيف الدولة ابن حمدان أجمعت عليه كلمة المؤرخين على أنه هو الامير المشهور بعقيدته الصادقة وحب آل البيت (عليهم السلام)، والباحث لدى معاصريه من الشعراء والادباء والفلاسفة، والكتاب، والمؤرخين، وفي طليعتهم الشاعر أبي الطيب المتنبي الذي امتدح الامير في خيرة شعره وأدبه، لانه رأى فيه الامير العربي والمسلم الذي يمثل روح الاسلام والعروبة على حدود الرسوم، كما رأى المكزون في قومه الخصيبيين الروح نفسها، والصورة ذاتها، ومن هنا وجد الحسين بن حمدان غايته في هذا الامير المؤمن الصادق للشجرة الطيبة آل محمد (عليهم السلام)، كما انه في القرن الرابع الهجري هو الذي أعطى العروبة هذا البعد الصحيح وهذا الفكر الواضح، وتلك الرؤية الصادقة الصحيحة المتمثلة في شريعة الاسلام، وسيرة العترة الطاهرة، اعتقادا، وممارسة، وتطبيقا. ونعود إلى موضوع الهداية الكبرى، فهي من الوجهة التاريخية، تراثية إسلامية، ومن الوجهة العقائدية فهي إسلامية الاصول والفروع، تدور موضوعاتها عن المعصومين الاربعة عشر بدءا من الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) وابنته الزهراء البتول الطاهرة المعصومة (عليها السلام) والائمة الاثني عشر بدءا من علي المرتضى الى الامام الحجة صاحب العصر والزمان، وهي تتحدث على غرار وشاكلة الكتب الامامية المعتمدة عند الامامية كالبحار، وعيون المعجزات، وغيرها من الكتب كالحديث عن


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 15 ]

مناقب وفضائل ومعاجز الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، بشكل يكاد العقل ألا يصدق هذه المعجزات، ولكن الباحث الاسلامي والدارس الملتزم يرى صحة هذه المعاجز الخارقة أمرا صحيحا، ولكن المشكك لا يستبعد عنه أن يشك في أصل الشريعة الاسلامية، القرآن الكريم مثلا، فالمسالة مسالة إيمان وعقيدة، وسيرة عطرة، لا مسالة جدل عقيم، ونقاش حاد لا جدوى فيه ولا نفع، وأهل البيت (سلام الله عليهم) من تتبع سيرتهم، وتقصى أخبارهم لدى المؤالف والمخالف، والموالي وغير الموالي يجدهم ويرى في سيرتهم العطرة صفحة مشرقة ناصعة في جبين التاريخ والانسانية جميعا، كما انه يرى في ذكرهم وعملهم مثلا أعلى لغيرهم من عظماء التاريخ، وقادة الرأي، وجهابذة الفكر، وفلاسفة الحكمة، وحكماء الحقيقة، ويرى فيهم أيضا ثورة عارمة في الحياة والممات على الظالمين، والمستكبرين، والمنافقين، والغادرين، والتجار، والمروجين في كل عصر وزمان، ولذلك اتخذهم الناس جميعا مرجعا لهم في كل معضلاتهم أمورهم الثقافية، والعسكرية، والاقتصادية، والسياسية، والادبية، والعلمية، والاخلاقية، والسلوكية، وهذه الصفات الذاتية أمور مسلم بها وبديهية أيضا، إذن فلا غرر بعد هذا وذاك ألا تشكك في مضمون الهداية من معاجز خارقة لهم ومناقب رائعة، وفضائل عظيمة، لان شرف العلم بشرف المعلوم، وعليه أقول أن العبادات الخمس من صلاة، وزكاة، وصوم، وحج، وجهاد، تشرف غيرهم، بينما هذه العبادات تزداد بهم سموا، وعلوا، ومنزلة، ودرجة، وكذلك الخلافة، والامارة، والامامة ان صح التعبير، زينت غيرهم، ورفعت سواهم، بينما هم، أي آل البيت (سلام الله عليهم) لم تزدهم رفعة، ودرجة، ومنزلة، بل هي ازدانت بهم وارتفعت، وهذا ما قاله الامام أحمد بن حنبل في فضائلهم (عليهم السلام). إن الباحث الاجتماعي المنصف يرى هذا الاعتراف صحيحا دونما


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 16 ]

مواربة، أو اشكال، أو التباس، والجاحد لهذا والناكر له سمته العربية وأرباب العربية ناصبيا، ورحم الله الشاعر العربي الكبير المتنبي، حيث التقط هذا المعنى عندما امتدح أحد العلويين الاشراف قائلا: وأبهر آيات التهامي أنه * أبوك وأجدى ما لكم من مناقب إذا علوي لم يكن مثل طاهر * فما هو إلا حجة للنواصب نعم وألف نعم هو أبهر آيات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ورحم الله أيضا أبا علي شوقيا حيث كرر المعنى نفسه قائلا: أما الامام فالاعز الهادي * حامي عرين الحق والجهاد العمران يا خذان عنه * والقرآن نسختان منه أصل النبي المصطفى ودينه * من بعده وشرعه وصفحتاه مقبلا ومدبرا * وفي الوغى وحين يرقى المنبرا والحجر الاول في البناء * واقرب الصحب بلا استثناء وجامع الآيات وهي شتى * وشدة القضاء باب الافتا والكلام يطول في هذا الموضوع ويحتاج إلى مجلدات ومجلدات، ولعل وعسى أن نوفق مستقبلا للكشف عن هذا الكنز المغمور، والازاحة عن هذا الستار المحجوب لدى عامة المسلمين، لان الهوى والعصبية قتلت علماء السوء احياءا وأمواتا وباعوا دينهم بدنياهم، هذه لمحة مختصرة عن الهداية، ونبذة متواضعة عنها. وخلاصة القول، ان العلويين هم مسلمون، إماميون، جعفريون، يعتمدون أصول الشريعة الاسلامية عقيدة لهم ويطبقون أحكامها وفقا لمذهب الامام السادس أبي عبد الله جعفر الصادق (عليه السلام) قولا وعملا، وسلوكية، وسيرة، ولا يرون بديلا عن الاسلام على الرغم من التعذيب، والتنكيل، التشريد، والذبح والقتل، بدءا من العصر الاموي ومرورا بالعباسي وانتهاءا بالعثماني البائد، لا لسبب إلا لانهم رفضوا الولاء كلية


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 17 ]

لائمة الجور، والضلال، والفساد واسوة بائمتهم وقدوة بهم على مر العصور والازمنة (1)، ومن هنا انهالت عليهم التهم الباطلة، والافتراءات الكاذبة، والصقوا بهم ما لا يليق بنا هنا في هذه المقدمة ان نذكره، أو ناتي على ذكره ترفعا واباءا منا، وحرصا على وحدة الكلمة ورأب الصدع، وضرب الفتنة ودفنها، ولم يسلموا من أذى الحكام الظالمين إلا في ظل الدولة الحمدانية في حلب الشهباء في القرن الرابع الهجري، لانسانية هذه الاسرة وأخلاقيتها العظيمة، وسيرتها العطرة، ونبلها العربي، وتسامحها الاسلامي، فهم إذن مسلمون، موحدون، يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. وبمحمد، (صلى الله عليه وآله) نبيا ورسولا، وبالقرآن دستورا ومنهجا صالحا لكل عصر، ومكان، وزمان، ويقيمون الصلاة الى ذلك سبيلا وهم يتعبدون فقهيا واحكاما على مذهب الامام الصادق (عليه السلام) والذي اعترف به مؤخرا من قبل شيخ الازهر الشريف محمود شلتوت سابقا ولا زال معمولا به حتى الآن في مصر، وما نسب إليهم من ارتكاب الموبقات، وإباحة المحرمات، والكفر، والالحاد، فكله باطل ولا أساس له من الصحة وعار عن الحقيقة أولا وأخيرا، ويفتقر هذا الزعم الى دليل قطعي ويحتاج إلى برهان موضوعي، وانما واقعهم الصحيح وما هم عليه يفند هذه المزاعم المفتعلة، والاراجيف المختلقة من قبل المغرضين والحاقدين، وانما كانت هذه الاقوال وتلك المقالات مجرد اهواء، وعواطف، وميول، ورغبات من الآخرين لا تمت الى أصول الاسلام وفروعه باي حقيقة أو موضوعية، وما أكثر هذا الضرب من الاقوال في أذهان العامة والهوى دائر لا علاج له، والعصبية مرض فكري موروث لا مناص منه ولا مفر الا من رحم ربي وحكم عقله وترك هواه، ورفض موروثاته، وما أقل هؤلاء قديما وحديثا وكان المسالة لديهم أمر مستساغ وطبيعي، يعطون الايمان لمن يريدون، ويلصقون التكفير لمن يشاؤون.


--------------------------------------------------------------------------------

 

(1) راجع مقاتل الطالبيين للمؤرخ أبي الفرج الاصفهاني.


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 18 ]

وهذه الفتاوى التي الصقت بهم من قبل الآخرين في أيامنا هذه، والتي هدفها التمزيق، والتفرقة، وخدمة الاستعمار والامبريالية، والصهيونية، فهي ليست في صالح الاسلام والمسلمين أبدا، وقد حدثت لهم هذه الضجة المفتعلة في أيام الاستعمار الفرنسي البغيض، وما يعرف بالانتداب المكذوب على غرار هذه الصيحة الموهومة في الوقت الراهن، ولكن علماءهم كعادتهم انبروا بشدة وعنف للرد على هذه وتلك بقول صريح للعالم الاسلامي للحقيقة والتاريخ، والاسلام، وهذه صورة الجواب من قبل علماءهم آنئذ في تلك الفترة المريرة والمؤلمة، والتي نشرت في حينها في مجلة المرشد العربي لمنشئها الشريف عبد الله آل علوي الحسني ابن المغفور له الامير الشريف حسن بن فضل باشا أمير ظفار، مطبعة الارشاد، اللاذقية، عام 1357 ه‍، 1938 م، وهذه هي فتوى السادة العلماء لهم نسوقها الى المنصف الكريم الحر حرفيا، أمانة ووفاء منا: (إن الدين عند الله الاسلام) (ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) (قل يا أهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فان تولوا فقولوا اشهدوا بانا مسلمون) القرآن الكريم. قرأنا هذا البهتان المفترى على العلويين طائفة أهل التوحيد ونحن نرفض هذا البهتان أيا كان مصدره، ونرد عليه بان صفوة عقيدتنا ما جاء في كتاب الله الذي لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، (بسم الله الرحمن الرحيم، قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤا أحد)، وان مذهبنا في الاسلام هو مذهب الامام جعفر الصادق (عليه السلام) والائمة الطاهرين (عليهم السلام) سالكين بذلك ما أمرنا به خاتم النبيين سيدنا محمد بن عبد الله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث يقول: " إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء الى


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 19 ]

الارض، وعترتي أهل بيتي، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما ". هذه عقيدتنا نحن العلويين، أهل التوحيد، وفي هذا كفاية لقوم يعقلون. مفتي العلويين في قضاء صهيون يوسف غزال، المحامي عبد الرحمن بركات، قاضي طرطوس علي حمدان، صالح ابراهيم ناصر، عيد ديب الخير، كامل صالح ديب، يوسف حمدان عباس، مفتي العلويين في قضاء جبلة علي عبد الحميد، الفقير لله تعالى صالح ناصر الحكيم، حسن حيدر، قاضي المحكمة المذهبية في قضاء مصياف محمد حامد، في 9 جمادي الآخرة 1357 ه‍. وهذه صورة أخرى عن فتوى الرؤساء الروحيين في صافيتا المنشورة في جريدة النهار أنقلها حرفيا أمانة وحقيقة لله، وللتاريخ وللانصاف. طالعنا في جريدتكم الغراء المؤرخ في 31 تموز سنة 1938 عدد 1448، مقالة لمراسلكم في اللاذقية تحت عنوان هل العليون مسلمون تتضمن المفتريات الكافرة التي نسبها المحامي إبراهيم عثمان لعقائد العلويين وتكفيره لهم بادعائه وزعمه أنهم ليسوا بمسلمين ينكرون - والعياذ بالله وناقل الكفر ليس بكافر - شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأنتم تدينون بدين غريب يقوم على فكرة التثليث، وتنكرون فكرة التوحيد. لذلك فقد اجتمعنا نحن الرؤساء الروحيين في قضاء صافيتا، واصدرنا الفتوى الآتية راجين نشرها بنفس الصحيفة التي نشرتم بها كلمة المراسل عملا بقانون المطبوعات، إن تصريحات المحامي الموما إليه هي محض الكفر الصريح، وان المسلمين العلويين باجماعهم المطلق يستنكرونها أشد الاستنكار، ويبرأون منها ومن مثيريها الى الله ورسوله (صلى الله عليه [ وآله ] وسلم)، يعلنون في الدنيا والآخرة إنهم على شهادة لا إله إلا الله،


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 20 ]

وان محمدا عبده ورسوله شهادة حق وصدق، فمن آمن منهم بالشهادتين والوحدانية، فهو منهم ومن جحدها فهو غريب عنهم كافر بهم، ومن يتخذ من أتباع المسلمين العلويين مذهب الامام جعفر الصادق (عليه السلام) سببا لابعادهم عن الدين الاسلامي الحنيف نعتبره بدعواه جاحدا للحق، ناكرا للصدق، عاملا بالباطل. التواقيع: صافيتا في 3 آب 1938 الشيخ ياسين عبد اللطيف ياسين يونس، الشيخ علي حمدان قاضي المحكمة المذهبية الشرعية بطرطوس، الشيخ يوسف إبراهيم قاضي المحكمة المذهبية الشرعية بصافيتا، الشيخ محمد محمود، الشيخ محمد رمضان، شوكت العباسي، الشيخ عبد الحميد معلا. وهذه أيضا صورة عن البيان الذي نشره زعماء العلويين في جريدة النهار في العدد 1454، آب، سنة 1938: المفتريات الكافرة التي نسبها المحامي إبراهيم عثمان لعقائد العلويين وتكفيره لهم بادعائه وزعمه أنهم ليسوا بمسلمين، ينكرون - والعياذ بالله وناقل الكفر ليس بكافر - شهادة ان لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأنهم يدينون بدين غريب يقوم على فكرة التثليث، وينكرون فكرة التوحيد هي محض الكفر الصريح، وأن العلويين باجماعهم يستنكرونها الى أقصى حدود الاستنكار، ويبرأون منها، ومن مثيريها، إلى الله وإلى رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ويعلنون في الدنيا والآخرة أنهم على شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، شهادة حق وصدق، فمن آمن منهم بالشهادتين والوحدانية، فهو منهم ومن جحدها فهو غريب عنهم وكافر بهم، ومن يتخذ من اتباع المسلمين العلويين مذهب الامام جعفر الصادق (عليه السلام) سببا لابعادهم عن الدين الاسلامي الحنيف يكون بدعواه جاحدا للحق ناكرا للصدق عاملا بالباطل وللباطل.


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 21 ]

التواقيع للزعماء: سلمان مرشد، شهاب ناصر، منير العباس، صقر خير بك، إبراهيم الكنج، علي محمد كامل، أمين رسلان. وهذه أيضا صورة عن الفتوى التي أفتى بها العلامة الكبير والحجة الشيخ سليمان أفندي الاحمد شيخ الاسلام والمسلمين في حينه ومرجع اللغة، والادب، والفكر، والخلق الحسن، وعضو المجمع اللغوي آنئذ في دمشق ووقعها العلامتان الفاضلان الشيخ صالح ناصر الحكيم، والشيخ عيد ديب الخير: قال الشيخ العالم العامل المخلص خدمة للاسلام، والمسلمين، والحقيقة، والتاريخ، الشيخ سليمان الاحمد (قولوا آمنا بالله) (آمنا بالله وما انزل إلينا، وما انزل الى إبراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب و الاسباط وما اوتي موسى وعيسى وما اوتي النبيون من ربهم، لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون)، ويستمر قائلا في فتواه حرفيا: رضيت بالله تعالى ربا، وبالاسلام دينا، وبالقرآن كتابا، وبمحمد بن عبد الله رسولا، ونبيا، وبامير المؤمنين علي (عليه السلام) إماما برئت من كل دين يخالف دين الاسلام، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، هذا ما يقوله كل علوي لفظا واعتقادا، ويؤمن به تقليدا أو اجتهادا، هذا ما حصلت عليه وحققته، وأكدته على أنهم مسلمون إماميون أولا وأخيرا، شاء الخصم أم أبي، وليس لديهم من الهوى أكثر من غيرهم، وهم وغيرهم في هذا سواء، وقد يفوقهم الآخرون كثيرا في الاسراف، والافراط، والخروج عن المألوف، وقد يكونون هم معتدلين الى حد ما عن غيرهم، لان أئمتهم أئمة حق، وصدق، وعدل، وقدوة، وأسوة، وسيرة حسنة، واستقامة صحيحة على غرار منهجية جدهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهي صورة منتسخة عن سيرة رسول الله وسنته، وهديه،


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 22 ]

وقوله، وتقريره، وفعله، وقد ثبت هذا من طريق المعقول، والمنقول، وأهل العدل، والانصاف، حتى اصبحت لهم مدرسة في تاريخنا الاسلامي فكرا، وعقيدة، وأدبا، وتوغلت جذورها الى خارج المدرسة، لدى الآخرين من غير المسلمين أنفسهم إنسانيا، وعالميا، وهذا لم يكن لغيرهم أو سواهم، وانما انفردوا به عن الناس جميعا حتى اصبحوا المثل الاعلى لدى الآخرين عاليا في الالتزام الصحيح والايجابية الصحيحة، والموضوعية الحقيقية قولا، وعملا، وممارسة. وهذا مرسوم تشريعي آخر للاعتراف السوري بمذهب آل البيت " عليهم السلام)، وهو المرسوم التشريعي رقم (3) نقله حرفيا للمنصف الكريم ليرى عن كثب اهتمام علماء هذه الطائفة المسلمة بمذهب الامام الصادق (عليه السلام) ومدى تمسكها به قولا وعملا، وسلوكية، لانهم يعتقدون أن المذهب اصلا، وفرعا، ومجازا، وحقيقة هو أصل الاسلام، ولولا المذاهب الاخرى لما قلنا أو سمينا مذهبا جعفريا لان المذهب الجعفري لا يخرج أصلا، أو حقيقة عن حقيقتها، على أسس ثلاثة، والتي هي من مضمون المذهب الجعفري ومعتقده تمشيا مع الوحدة الاسلامية، والالتزام بها خشية الفرقة التمزيق والاسى، هي التوحيد والنبوة والمعاد مما لا يختلف عليها مذهب دون آخر وإليك المرسوم أيها القارئ الكريم.


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 23 ]

المرسوم التشريعي: للاعتراف السوري بدمشق بمذهب آل البيت عليهم السلام المرسوم التشريعي رقم / 3 / إن رئيس الدولة بناء على الامر العسكري رقم 3 المؤرخ في 3 / 3 / 51. وبناء على المرسوم التشريعي رقم 257 بتاريخ 8 حزيران عام 1952، وبناء على قرار مجلس الوزراء رقم 3 / تاريخ 14 / 6 / 1952. وبناء على المرسوم التشريعي رقم 23 / المؤرخ في 2 ربيع الثاني هجرية ه‍ / 30 كانون الاول 1951 م. وعلى وجوب عدد كبير من أهالي محافظة اللاذقية على المذهب الجعفري. وعلى اقتراح المفتي العام رسم ما يلي: المادة الاولى: يضاف إلى المادة الثالثة من المرسوم التشريعي رقم 33 الفقرة التالية: تؤلف لجنة خاصة بالجعفريين من علمائهم في مركز محافظة اللاذقية قوامها ثلاثة أشخاص من العلماء الجعفريين ويضاف إليهم شخص واحد من كل قضاء عندما يتعلق البحث في قضائه. ويسمى اعضاء هذه اللجنة بقرار من المفتي العام من العلماء الاكفاء. مهمتها فحص حالة متدينين بالكسوة الدينية على المذهب الجعفري والذين يرغبون ارتداء هذه الكسوة واقرار من يحق لهم الاحتفاظ بها ومن منح تتحقق اللجنة من انه دخيل على سلك رجال الدين من ارتدائها. المادة الثانية: ينشر هذا المرسوم التشريعي ويبلغ من يلزم. دمشق في 15 حزيران عام 1952 - الزعيم فوزي سلو.


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 24 ]

صدر عن رئيس الدولة لمجلس الوزراء: الزعيم فوزي سلو: وزير الصحة والاسعاف العام مرشد خاطر - وزير الزراعة عبد الرحمن الهنيد - وزير الدفاع فوزي سلو - وزير الخارجية ظافر الرفاعي - وزير العدل منير غنام - وزير الداخلية الزعيم فوزي سلو - وزير المالية محمد بشير الزعيم - وزير المصارف سامي طيارة - وزير الاقتصاد الوطني منير دياب - وزير الاشغال العامة والمواصلات توفيق هارون - القرار رقم 8: ان المفتي العام للجمهورية السورية: بناء على المرسوم التشريعي رقم / 3 / في 15 حزيران عام 1952 يقرر ما يلي: المادة الثانية: تؤلف لجنة فرعية في مركز محافظة اللاذقية من السادة حضرة صاحب السيادة الشريف عبد الله رئيسا، الشيخ علي حلوم مفتي قضاء اللاذقية عضوا - الشيخ عبد ديب الخير - عضوا - يشترك مع هذه اللجنة الفرعية المذكورة عضو واحد ليمثل القضاء المذكور حذاء اسمه كل من السادة: كامل حاتم - عن قضاء اللاذقية - عبد الله عابدين - عن قضاء الحفة - حيدر محمد أحمد - عن قضاء جبلة - يونس ياسين سلامة - عن قضاء بانياس - عبد الهادي حيدر عن قضاء مصياف - محمود سليمان الخطيب - عن قضاء طرطوس. عبد اللطيف ابراهيم عن قضاء صافيتا - علي صالح حسن - عن قضاء تلكخ - فمهمة هذه اللجنة فحص كفاءة المتدينيين بالكسوة الدينية (على المذهب الجعفري) والذين يرضون ارتداء الكسوة واقرار من يحق له الاحتفاظ بها ومنع من تحقق اللجنة انه دخيل على سلك رجال الدين في ارتدائها. المادة الثانية: ينشر هذا القرار ويبلغ من يلزم لتفيذ أحكامه دمشق 17 شوال عام 1371 / ه‍ 9 تموز 1952 م المفتي العام للجمهورية السورية التوقيع محمد شكري الاسطواني رقم 3510 / 292 صورة الى محافظة اللاذقية - المفتي العام.


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 27 ]

بسم الله الرحمن الرحيم ابتدأنا بعون الله وقوته، وبركة أسمائه، وجلاله واسمه وبابه، وأهل مراتب قدسه، وعالم أنسه وملكه، وأن يوصلنا بهم الى الرضى وبلوغ المنى. وهو سماعه من الرجال الثقات، الذين لقيهم (رضي الله عنهم اجمعين)، منهم من عاشر الموليين السيدين الامامين العسكريين (صلوات الله عليهما)، وروى عن ما يشتمل على أسماء رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأسماء امير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) في السريانية والعبرانية وجميع اللغات المختلفة، واسماء فاطمة الزهراء (صلوات الله عليها) وعلى الائمة الراشدين الحسن والحسين ابني علي، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وعلي بن محمد، والحسن بن علي، ومحمد بن الحسن (الحجة) سمي جده رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكنيته بجده، ولقبه المهدي والغائب والمنتظر (صلوات الله عليهم اجمعين) وأسمائهم وكناهم - الخاص والعام منهم - وأسماء امهاتهم، ومواليدهم، واولادهم، وبراهينهم، ودلائلهم، ووفاة كل منهم، وشاهدهم وأبوابهم، والدلالة من كتاب الله (عز وجل) والاخبار المأثورة المروية بالاسانيد الصحيحة، وفضل شيعتهم، نفعنا الله بهم جميعا إنه على كل شئ قدير، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وهو رب العرش العظيم.


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 29 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله مبدئ الحمد وباريه، ومقدره وقاضيه، والآمر به وراضيه، جزاء من عباده عن نعمة، والمستوفي لهم جزيل قسمه، والمزحزح عنه حلول نقمه، الفارض له عليهم، الحاتم فيما انزله إليهم، المستحق على هدايته لهم حمده على نعمه، إذ كان حمدهم له على نعمه نعمة أنعمها منه عليهم، الذي لم تدرج نوره الدياجي، ولم تحط بقدرته الاماكن، ولم تستقل، بذات كبريائه المعادن، ولم تستقر لجلال ملكوته المواطن. الاول لا أول مكيف، والآخر لا آخر مستحدث، الدائم في أزليته، الباقي في ربوبيته، الشاهد على خليقته، فاطر المخلوقين بحسن تدبير الحكمة، ومكونها أجساما وأشخاصا، وأشباحا وأرواحا، وصورا مختلفة وغير مختلفة، ومتشابهة وغير متشابهة. الذي لم تكله قدرته فيما خلق الى ظهير، ولم تدعه مبهرات عجائب ما فتق ورتق الى مستعين به في أمره ومشير، المظهر فيما ذرأه وبرأه مما شوهد بعيان، واستدل عليه ببرهان، بدائع تحسر عقول المخلوقين عن بلوغ تحديدها، المستشهد عند ذوي العلم والعقول، خلق السنتهم وأنفسهم وألوانهم ولم يحيطوا به علما، ولم يبلغوه فهما، إذ لا صانع لهم دونه، ولا مركب لهم في تأليف غيره، ولا متقن في تصنيف، ولا مدبر في تأليف غيره.


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 30 ]

أحسن كل شئ خلقه، الذي لم يعزب عنه علمه في ديجور طبقات السماوات، ولا في دياجي ظلمات الارضين المدحيات، ولا في قعر البحور الزاخرات، ولا كائن من المخلوقين إلا احاط به قوة وعلما واقتدارا وسلطانا. الذي لم يفته متعزز بفناء واكثار، ولا ذو بطش جبار، متقلبا في كبريائه، ولا متقلب في ليل ولا في نهار، ولا بغرور، ممتنع ببهاء وأوطار، ولا يحتوي بمدى عمر ذي اقطار فيدركه طلب بمستعان، بل اشفى بطوله بريته، وشمل بحوله خليقته، وسعت كل شئ رحمته، لطفا وامتنانا فهو في ازل قديم أزليته غير مشهود، وفي كمال كليته غير محدود، ولا مدرك بلحاظ عيون الناظرين، ولا بحواس خواطر عقول العارفين موجود، ولا مقر بهم عن بلوغ ذلك منفردا، بل هو في ظواهر حكم صنعته ومراضي قضاء قدرته، ونفوذ سلطان عزه، وتفرده بالصمدية معروف غير مجحود، وهو في حال فقر عباده إليه اعتمام ما خولهم إياه، ولا يتعاظم وان كبر عند المرزوقين، ولا ينقصه عطاؤه اياهم لانه ليس بمحدود من خزائنه، ولا يغيظه تمرد المتمردين عليه، وان استكبروا عن أداء الشكر له على ذلك في حال طاعتهم ومعصيتهم إياه فهو على كل حال محمود. وكيف لا يكون ذلك، وزمام كل شئ في قبضته ؟ وقضاء قدرته ؟ يحكم فيه ولا يحكم عليه، والاشياء خاشعة له، وهو على كل شئ قدير. وهو الله الذي نشهد ان لا اله الا هو، وحده لا شريك له في ملكه، وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. اللهم أنزل زاكيات صلواتك، ومكرمات بركاتك وتحنن رأفتك، وواسع رحمتك، وطيبات تحياتك وفوز جناتك على محمد عبدك ورسولك


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 31 ]

ونبيك، وصفوتك وخيرتك من خلقك، وعلى علي أخيه امير المؤمنين، ونور العارفين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، وأفضل الوصيين، والائمة الراشدين، وعلى الحسن الزكي في الزاكين، وعلى الحسين الشهيد، الصابر في المحنة طهر الطاهرين، وعلى علي سيد العابدين، وعلى محمد باقر علم الاولين والآخرين، وعلى جعفر الصادق في الناطقين، وعلى موسى نورك الكاظم في الكاظمين، وعلى علي الرضا في المؤمنين، وعلى محمد المختار في صفوتك المختارين، وعلى علي الهادي في الهادين. وعلى الحسن المنتجب المستودع سرك في المستودعين. اللهم أصلح باصلاحك الكامل المبلغ ما بلغته المؤمنين من عبادك، عبدك الزكي الذي استخلصته لنفسك، وخليفتك الذي استخلفته في خلقك، وأمينك الذي ائتمنته على مكنون علمك، وحجتك التي اتخذتها على أهل سماواتك وأرضك، وعينك الناظرة التي حرست بها نعمك عند أوليائك، ويدك التي تقبض بها وتبسط أمرك ونهيك، ولسانك الناطق المبين برحمة كنه غيبك ووحيك ووجهك الدال عليك في وحدانيتك، وصراط دينك المستقيم، وسبيل رشادك المفهوم، ومنهج هدايتك المعلوم، الصادق الناطق، الفاتق الراتق، الآمر بطاعتك، الناهي عن معصيتك، المرجي لثوابك، المحذر من عذابك، حجتك وابن حجتك وصفوتك وابن صفوتك، وخيرتك وابن خيرتك، وانيسك من خلقك ووصيك سمي جده رسول الله (صلى الله عليه وآله الطاهرين) الامام المهدي حجتك يا رب العالمين، الذي خلقته نورا للمؤمنين وقدوة للمقتدين، وملاذا للائذين، وكهفا للاجئين، وأمانا لعبادك المرعوبين، ناصر المضطرين ومدرك وتر المغلوبين، والآخذ بحق المغصوبين، مجلي الروعات، وكاشف الكربات، ومزحزح الضلالات، ومزهق المعطلات، ومشفي الخواطر المضنيات، ومزيل الفكر المخربات، وفاتح القلوب المقفلات، ومبصر العيون المسملات، ومسمع الآذان الصمات، ومحق الكلمات التامات،


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 32 ]

الفتح الاكبر، والنصر الاظفر، والامل المنتظر، منتهى رغبة الراغبين، وغاية منية الطالبين، وأحمد عواقب الصابرين، وحبيب قلوب المؤمنين، وفرجا لعبادك المختارين، رحمة منك لهم يا رب السماوات والارضين. اللهم أنجز له كل وعدك، وحقق فيه موعدك، وأستخلفه في ارضك كما وعدتنا به. اللهم أورثه مشارق الارض ومغاربها التي باركت فيها، ومكن له دينك الذي ارتضيته له، وثبت بنيانه، وعظم شانه، وأوضح برهانه، وعل درجته، وأفلج حجته، وشرف مقامه، وأمض رأيه، واجمع شمله، وانصر جيوشه وسراياه ومرابطيه، وأنصاره وأشياعه، وأتباعه وأعوانه، وحزبه وجنوده وأحباءه وخيرته وأولياءه وأهل طاعته. اللهم انصرهم نصرا عزيزا، وافتح له فتحا مبينا، واجعل له من لدنك على عدوك وعدوه سلطانا نصيرا. اللهم وأمدده بنصرك بملائكتك وبالمؤمنين، واجعلنا له حواريين، ننصره حتى نعزره ونقره ونؤمن به نصدقه ونعزه ونعز به. اللهم فاكشف عنا به العمى، وأذهب به عنا الضر، واهدنا به سبيل الراشدين، وتول نصر دينك على يد وليك، واجعلنا ممن جاهد في سبيلك، وطهر الارض باظهاره من القوم الظالمين حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين لك يا رب العالمين. اللهم أظهره، وأعز باظهاره واظهارك له أولياءك وزد في أعمارهم، وأيده وأيد به وأعلنه ولا تخفيه، وامحق قبل اظهارك له اعداءك وأعز أولياءك، وزد في أعمارهم وطول في آجالهم، وتمم أيامنا ولا تقصر مددنا، ولا تمتنا بحسرة من لقاء سيدنا حتى ترينا وجهه وتشهدنا شخصه، وأسمعنا كلمته، وتنجينا في أيامه، وترزقنا نصرته في أعمالنا ونياتنا وقلوبنا، وشرفنا في دولته الزاكية المباركة الطاهرة المرضية فانما نحن


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 33 ]

أولياؤك يا رب العالمين. اللهم وأنزل اللعنة الكافية، المغضبة المردية، المخزية المخسرة المدمرة على أعدائك وأعداء ملائكتك وأنبيائك ورسلك وأصفيائك وأوليائك المخلصين، من الظالمين الاولين والآخرين، وعلى أشياعهم وأتباعهم وأحبائهم وحزبهم وجندهم ورعيتهم، ومن تابعهم بقلبه وعمله، ومن أحمد لهم رأيا وأمرا، ورضي لهم فعلا واستطال لهم رأيا، وقال فيهم خيرا، ودفع عنهم شرا، وزدهم عذابا ضعفا في النار، والعنهم كثيرا، واصلهم سعيرا، ولقهم ثبورا، وتبرهم فيها تتبيرا، ولا تذر منهم كبيرا ولا صغيرا، وأدخلهم في العذاب، ولا تخفف عنهم يوما منه، وخلدهم في الدرك الاسفل من النار، وعذبهم عذابا لا تعذب به احدا من العالمين، وطهر الارض منهم اجمعين، ومن بدعهم وخلافهم وجحدهم وجورهم وظلمهم وغضبهم وغشهم وآثامهم وأوزارهم ومكرهم وخداعهم وسيئاتهم، واجعل الارض منهم جميعا قاعا صفصفا، لا نرى فيها عوجا ولا أمتا. واجعلنا ممن برئ اليك من أعمالهم والتباسهم وجرائرهم، وثبتنا على ما إليه هديتنا من موالاة اوليائك وعداوة اعدائك، واجعلنا من الموفين بعهدك وعقدك وميثاقك الذي الهمتنا لسعادتنا، ولا تضلنا بعد إذ هديتنا، وزدنا بصيرة وايمانا، ويقينا ورضى وتسليما، ولا ترنا حيث نهيتنا ولا تفقدنا من حيث أمرتنا أبدا ما أبقيتنا، بطولك ومنك يا أرحم الراحمين ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم، وهو حسبنا ومرجانا، وعليه توكلنا.


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 35 ]

الباب الاول باب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 37 ]

قال السيد أبو عبد الله الحسين بن حمدان الخصيبي (رضي الله عنه): حدثني جعفر بن محمد بن مالك البزاز الفزاري الكوفي، قال: حدثني عبد الله بن يونس السبيعي، قال: حدثني المفضل بن عمر، عن سيدنا ابي عبد الله جعفر الصادق (عليه السلام). قال الحسين بن حمدان: حدثني محمد بن اسماعيل الحسني، عن سيدنا ابي عبد الله الحسن بن علي (عليهما السلام) وهو الحادي عشر من الائمة (عليهم السلام)... قال الحسين بن حمدان: حدثني منصور بن صفر، قال: حدثني أبو بكر أحمد بن محمد القرباني المتطبب ببيت المقدس، لعشر خلون من شهر شعبان سنة اثنين وثلاثمائة، قال: حدثني نصر بن علي الجهضمي، قال: سالت سيدنا ابا الحسن الرضا علي بن موسى بن جعفر (عليهم السلام)، عن أعمار الائمة من آل رسول الله (عليهم السلام) فقال الرضا (عليه السلام): حدثني أبي موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين بن علي أمير المؤمنين (عليه السلام):


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 38 ]

ما رواه عن جعفر بن محمد بن مالك، عن عبد الله السبيعي، عن المفضل بن عمر عن مولانا الصادق (عليه السلام)... ما رواه عن محمد بن اسماعيل الحسني، عن أبي محمد الحسن، الحادي عشر من الائمة (عليهم السلام)، فقالوا جميعا: ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مضى، وله ثلاث وستون سنة منها اربعون سنة قبل أن ينبا ثم نزل عليه الوحي ثلاثا وعشرين سنة، بمكة وهاجر الى المدينة هاربا من مشركي قريش وله ثلاث وخمسون سنة، وأقام بالمدينة عشر سنين، وقبض يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الاول من احدى عشرة سنة من سني الهجرة. أسماؤه: وكان اسمه في القرآن محمد، وأحمد، ويس، وطه، ونون، وحم عسق، والحواميم السبعة، والنبي، والرسول، والمزمل، والمدثر، والطواسين الثلاثة، وكل ألف ولام وميم وراء وصاد في اول السور فهو من أسمائه، وكهيعص. وفي صحف ابراهيم إلى آدم (صلى الله عليهما) بالسريانية - مفسرا بالعربية - النبي والمحمود، والعاقب، والناجي، والحاشر، والباعث، والامين. وكان اسمه في التوراة الوفي، وماد الماد. وفي الانجيل: الفارقليط. وفي الزبور: مهيمنا، وطاب طاب. كنيته وألقابه: أبو القاسم. وأمه آمنة ابنة وهب بن عبد مناف بن قصي، بن


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 39 ]

كلاب، بن مرة. وألقابه (صلى الله عليه وآله): صفي الله، وحبيب الله، وخاتم النبيين، وسيد المرسلين، والامي، والمنتجب، والمختار، والمجتبى، والشاهد، والنذير، والداعي الى الله، والسراج المنير، والرحمة، والمبلغ والمصطفى. ومشهده بالمدينة، واسمها يثرب وطيبة. أولاده: قال الحسين بن حمدان الخصيبي: حدثني أبو بكر بن أحمد بن عبد الله، عن أيبه عبد الله بن محمد الاهوازي - وكان عالما باخبار اهل البيت (عليهم السلام) - قال: حدثني محمد بن سنان الزاهري عن أبي بصير، وهو القاسم الاسدي - لا الثقفي - عن أبي عبد الله جعفر الصادق (عليه السلام) قال: قال ولد لرسول الله (صلى الله عليه وآله) من خديجة ابنة خويلد (عليها السلام) القاسم، وبه يكنى، وعبد الله، والطاهر، وزينب، ورقية، وام كلثوم، وكان اسمها آمنة، وسيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وابراهيم من مارية القبطية، وكانت أمة اهداها المقوقس ملك الاسكندرية. فاما رقية: فزوجت من عتبة بن أبي لهب، فمات عنها، فزوجت لعثمان بن عفان. وكان السبب في ذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) نادى في أصحابه بالمدينة: من جهز جيش العسرة، وحفر بئر رومة، وأنفق عليها من ماله ضمنت له بيتا في الجنة عند الله، فقال عثمان بن عفان: أنا أنفق عليها يا رسول الله من مالي، فتضمن لي البيت في الجنة ؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنفق عليها يا عثمان، وأنا الضامن لك على الله بيتا في الجنة. فانفق عثمان على الجيش والبئر من ماله طمعا في ضمان رسول الله


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 40 ]

(صلى الله عليه وآله) وألقي في قلب عثمان أن يخطب رقية من رسول الله فعرض ذلك على رسول الله، فقال رسول الله: إن رقية تقول لك لا تزوجك نفسها الا بتسليم البيت الذي ضمنته لك عند الله عز وجل في الجنة تدفعه إليها بصداقها، فاني أبرأ من ضماني لك البيت بتسليمه إليها إن ماتت رقية أو عاشت، فقال عثمان: أفعل يا رسول الله، فزوجها رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأشهد على عثمان في الوقت أنه قد برئ من ضمانة البيت له، وأن البيت لرقية دونه، لا رجعة لعثمان على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيه، إن عاشت رقية أو ماتت. ثم إن رقية توفيت قبل أن تجتمع بعثمان، ولهذا السبب زوجت رقية نفسها. وأما زينب: فزوجت من أبي العاص بن الربيع، فولدت منه بنتا سماها امامة، فتزوج بها امير المؤمنين بعد وفاة فاطمة (عليها السلام). وأما ام كلثوم: فانها لم تتزوج بزوج، وماتت قبل وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله). وروي أن زينب كانت ربيبة رسول الله (صلى الله عليه وآله) من جحش بعد خديجة قبل النبي (صلى الله عليه وآله) ولم يصح هذا الخبر، ولا ملك خديجة احد غير رسول الله ولا ملك زوجة غيرها حتى توفيت. أزواجه: وكانت من أزواجه بعدها ام ايمن، وام سلمة، وميمونة بنت الحارث الهلالية، ومارية القبطية - وكانت امة - افضل أزواج رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وبعدهن صفية، وزينب زوجة زيد بن حارثة. والمذمومات عائشة وحفصة، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وهن ممن قال الله فيهن (عسى ربه ان طلقكن ان يبدله ازواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وابكارا)، وهذا أوضح دليل أنه لم يكن فيهن من هذا الوصف شئ.


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 41 ]

وقال الله تعالى: (يا نساء النبي من يات منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين) وقوله: (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى) وقد عرف من خرج وتبرج وشهد على أولاد الانبياء (عليهم السلام) أنهن إذا عصين عذبن بالنار. وقال الله سبحانه وتعالى: (وضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين). وجمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بين ثلاث عشر امرأة وتوفي عن تسع أزواج. دلائله وبراهينه: ومن دلائله وبراهينه (عليه السلام). 1 - ما رواه السيد الحسين بن حمدان الخصيبي، عن ابن علي البلخي، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن الحسين بن ابي العلاء، عن ابي عبد الله جعفر الصادق (صلوات الله عليه) عن آبائه (عليهم السلام) قال: خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد أصابه جوع شديد، فمر بامير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا علي هل عندك طعام نطعمه ؟ فقال: يا رسول الله والذي بعثك بالحق نبيا واصطفاك على البشر ما طعمت طعاما منذ ثلاثة ايام، فاخذ (عليه السلام) بيده وانطلقا فإذا هما بالمقداد بن الاسود الكندي، وأبي ذر، وعمار بن ياسر، فقال لهم رسول الله: الى أين ؟ فقالوا: إليك يا رسول الله، فقال: هل عند أحدكم طعام ؟ فقال القوم جميعا ما أخرجنا الا الجهد يا رسول الله، فقال: أبشروا فان الله عز وجل أمر الجنة أن تتهيأ باحسن هيئتها فتهيات، وقال لها: يا جنتي لمن تحبين ان يسكنك ؟ فقالت: أحب خلقك عليك، فقال لها: اني جعلت سكانك محمدا رسولي وأهل بيته (صلوات الله عليهم واصحابه وشيعته)


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 42 ]

وأنتم والله أصحابي وشيعتي وشيعة اهل بيتي وعترتي، ثم اخذوا في طريقهم فمروا بمنزل سعد بن مالك الانصاري، فلم يلقوه، فقالت زوجته: يا رسول الله فداك أبي وأمي أدخل أنت واسحابك، فان سعدا ياتيك الساعة، فدخل هو واصحابه جميعا فارادت ان تذبح عنزا لهم فقال لها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ماذا تريدين ؟ قالت: اذبح هذه العنزة لك ولاصحابك، فقال لها: لا تذبحيها فانها عنزة مباركة ولكن قربيها مني، فقالت: يا رسول الله انها ليس لها لبن، وهي سمينة، وقد عقرها الشحم، فلم تحمل. قال قربيها الي فادنتها منه فمسح يده المباركة على ظهرها فانزلت لبنا فاحتلبها، ونزع الاناء فشرب وأسقى أصحابه حتى رووا من ذلك اللبن. ثم قال لها: يا ام مالك إذا أتاك سعد فقولي له: يقول لك رسول الله: اياك ان تخرج هذه العنز من دارك، فانها من قابل تحمل وتضع ثلاث سخلات في بطن، ويحملن جميعهن من قابل وتضع كل واحدة منهن اربع سخلات في بطن. ثم نظر في داره وإذا هو ببقرة حمراء فقال لامرأة سعد: قولي لسعد: يستبدل بهذه البقرة بقرة سوداء، فانها تضع عجلتين ببطن واحد ثم تحملان عن قليل مع أمهما فيضعن جميعا اثنين اثنين، ورأى في جانب داره نخلة اشر ما يكون من النخل فصعد إليها وتكلم بكلام خفي، فانزل الله فيها بركته، فحملت حملا حسنا وارطبت رطبا حسنا لم يكن في المدينة رطب بشبهه ولا رؤي مثله، ودعا لسعد وأهله بالبركة. وبشرها بغلام وذلك أنها قالت: يا رسول الله فديتك بابي وأمي انا حامل، فادع لي، فدعا لها ان يهب الله لها غلاما ذكرا سويا. وخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن معه وأقبل سعد الى اهله فاخبرته بدخول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين (عليه


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 43 ]

السلام) والمقداد وأبي ذر وما قاله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لها وما فعل بالعنز والبقرة والنخلة، وما بشرها به ودعائه لها ففرح سعد بذلك واقبل الى النبي، فقال له: يا سعد أخبرتك أم مالك بما قالت وقلت لها ؟ قال: نعم. قال استبدل ببقرتك بقرة سوداء فان الله تبارك وتعالى يهب لك منها عجلتين، ويولد لك غلام. قال أبو عبد الله جعفر الصادق (عليه السلام): ما خرجت تلك السنة حتى وهب الله له منها غلاما، ورزق جميع ما قاله رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وما مضى له أربع سنين حتى كان أكثر أهل المدينة مالا وأخصهم بها رجلا وكان النبي (صلى الله عليه وآله) اكثر ما ياتي هو واصحابه الى منزل سعد. 2 - وعنه، قال حدثني عبد الله بن جرير النخعي، عن أبي مسعود المدائني، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر محمد بن علي (عليهما السلام) قال اقبل اعرابي الى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو مع أصحابه جالس، فقال: يا رسول الله كنت رجلا مليا كثير المال، وكنت أقري الضيف، وأجل وأجبر، وآمر بالمعروف وأنهي عن المنكر، وكان لله علي نعمة، فذهب جميع ما كنت أملك من قليل وكثير، فشمت بي أقاربي واهل بيتي فكانت الشماتة علي اعظم من زوال النعمة وما ابتليت به. قال: صدقت في جميع ما ذكرت، ثم التفت الى جميع اصحابه، فقال: من معه شئ يدفع الى هذا الرجل ؟ فقالوا: يا رسول الله ما يحضرنا شئ، فقال: سبحان الله ما أعجب هذا: ثم حول وجهه ضاحكا مستبشرا، ورفع مصلى كان تحته وإذا بسبيكة ذهب فدفعها إليه وقال له: خذها واشتر بها غنما ضانا، فانها تبقى عليك إلى ان تموت. فقال الاعرابي: ادع لي يا رسول الله أن يكثر الله مالي وولدي، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): اللهم أكثر ماله وولده.


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 44 ]

قال أبو جعفر (عليه السلام): فما مات الاعرابي حتى ولد له اثنا عشر ولدا ذكورا، وعشر بنات، وكان اكثر العرب مالا ويقال: ان الاعرابي علقمة بن علاقة العامري. 3 - وعنه، قال: حدثني جعفر بن أحمد القصير، عن أحمد بن جبلة، عن زيد بن خالد الواقفي، عن عبد الله بن جرير، عن يحيى بن نعيم، عن أبي حمزة الثمالي، عن جابر بن عبد الله بن عمر بن حزام الانصاري، قال: خرجنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الى بني قريظة، وأقمنا الى أن فتح الله على رسول الله وعلينا، فانطلقنا راجعين وكان في طريقنا رجل من اليهود، فلما قربنا من كنيسته تلقانا والتوراة على صدره منشورة مزينة، فلقي رسول الله (صلى الله عليه وآله) فرحب به وقربه، وقال له: يا أخا اليهود، ما لك قد سعيت إلينا بالتوراة العظيمة القدر في كتب الله المنزلة ؟ فقال له اليهودي: جعلتها وسيلتي اليك يا رسول الله لتنزل وتاكل من طعامي، فقال النبي (صلى الله عليه وآله) لقد توسلت بعظيم، وانا مجيبك يا اخا اليهود. ثم نزل ونزلنا، فإذا بطعام اليهودي قد حضر وحضر معه من تولى اصلاحه من المسلمين، وقال اليهودي: يا ايها النبي أنا ما صنعت طعامك بيدي، بل قوم من أهل دينك لانا عرفنا انك تكره طعامنا أهل الملل قبلك، فجلس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكان على الطعام خروف مشوي، فغسل النبي يديه وغسلنا أيدينا، ومددنا الى الطعام، ودعا بالبركة، وضرب بيده الى الخروف، فثغا الخروف واضطرب، فرفع رسول الله يده عنه ورفعنا أيدينا عنه، فقال رسول الله: يا اخا اليهود عرفنا توسلك وعرفنا التوراة حقا، وضيعت ما حفظناه فيك أغواك الشيطان حتى رأيت هذا الخروف وسمعت منك ما قد عرفته من نفسي. قال اليهودي: فان كنت رسول الله حقا فاسال الله أن ينطق هذا


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 45 ]

الخروف كما أحياه لك فيخبرك بقصتنا. فقال النبي (صلى الله عليه وآله): اللهم اني أسالك بقدرتك التي ذل لها ملكك الا ما انطقت هذا الخروف بهذه القصعة، فقال الخروف في وسط القصعة اشهد ان لا اله الا الله، وأنك محمد رسول الله، وأن الذي كان سمني لك عدوك عتيق وزفر صارا الى هذا اليهودي فدفعا إليه عشرين دينارا وعهدوا له ولقومه من اليهود ان لا يؤذوا، وأن لا يسخروا ولا يعشروا، ولا يكرهوا على شئ يريدونه، وأنه دس السم في الطعام وتلقاك به، وقالا له: القه في التوراة فانه يعظمها، واساله ان ينزل بك، وهاك هذا الخروف وهذه العشرين دينارا، فاتخذ بها خبز البر وفاخر أطعمة الاعاجم طبيخا ومشويا، ودس هذا السم بهذا الخروف ففعل ذلك. قال جابر بن عبد الله: والله لقد ظننا أن شنبويه وحبتر - لعنهما الله - قد ماتا، لانهما طاطا وجوههما. قال النبي (صلى الله عليه وآله): أرفعا رؤوسكما، لا رفع الله لكما صرعة، ولا اقالكما عثرة، ولا غفر لكما ذنبا ولا جريرة، وأخذ بحقي منكما، الى كم هذه الجرأة على الله ورسوله ؟ فاظهرا اختلاط عقل ودهشة حتى حملا رحليهما. وضرب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بيده الى الخروف وقال له: ارجع باذن الله مشويا كما كنت، فرجع الخروف كما كان. فقال النبي (صلى الله عليه وآله) - وقد ضرب بيده الى لحمه - بسم الله الذي لا يضر مع اسمه داء ولا غائله، واكل، ثم قال كلوا يرحمكم الله، فقال اليهودي: أنا أشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له، وأنك محمد عبده ورسوله حقا حقا، وإله موسى وهارون وما أنزل في التوراة لقد قص عليك الخروف القصة، ما نقص حرفا ولا زاد حرفا. وأسلم اليهودي وغزا ست غزوات واستشهد في ذات السلاسل، رحمه


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 46 ]

الله. 4 - وعنه عن أحمد بن محمد الحجال، عن جعفر بن محمد الكروزوني، عن الحسن بن مسكان، عن صفوان الجمال، قال: قال جعفر بن محمد الصادق (صلوات الله عليه) لما نزلت هذه الآية (وانذر عشيرتك الاقربين) دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليا (عليه السلام) فقال: يا علي اصنع لنا طعاما فخذ شاة وصاعا من بر، وادع عشرة من بني هاشم وبني عبد المطلب، فصنع علي ما أمره رسول الله، وأدخلهم عليه، وكان الرجل منهم ياكل الجذعة وحده، فقرب علي منهم المائدة وقدم القصعة ووضع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يده على دورة القصعة، وقال: هلموا وكلوا على اسم الله فاكلوا حتى صدروا، وفضل كثير، فبادرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالكلام، وقال: أيكم - يا بني عبد المطلب - يقضي ديني، وينجز وعدي، ويقوم مقامي، ويكون خليفتي في أهلي ومالي، وأكون أخاه ويكون اخي في الدنيا والآخرة، ويكون وزيري وخليلي وصفيي وموضع سري، ويكون معي في درجتي ؟ فسكت القوم كلهم، فقال علي (عليه السلام): يا رسول الله أنا أقضي دينك وأنجز وعدك، واكنون خليفتك في امتك وأهلك، وأكون أخاك وتكون اخي واكون معك وعلى درجتك في الدنيا والآخرة. وكان علي (عليه السلام) أصغرهم سنا، وأعظمهم بطشا، وأحمشهم ساقا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد فعلت يا علي فوجبت يومئذ المؤاخاة والموازرة له (عليه السلام). 5 - وعنه عن محمد بن اسحاق، عن عتبة بن مسلم - مولى بني تميم - وعبد الله بن الحارث، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب، عن عبد الله بن العباس، عن علي بن ابي طالب (صلوات الله عليه)، قال: لما


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 47 ]

نزلت هذه الآية على رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: يا علي إن الله أمرني أن (أنذر عشيرتك الاقربين) فضقت ذرعا، وعرفت انني متى أبديت لهم ذلك أرى منهم ما اكره فصمت حتى جاءني جبرائيل (عليه السلام) فقال: يا محمد إنك ان لم تفعل ما تؤمر به يعذبك ربك فاصنع لي ا علي صاعا واجعل عليه رجل شاة، واملا لنا عسا من لبن واجمع لي بني عبد المطلب حتى اكلمهم وأبلغهم ما أمرت به، ففعلت ما أمرني به، ثم دعوتهم وهم يومئذ اربعون رجلا لا يزيدون رجلا ولا ينقصون رجلا، وجئت بالطعام فلما وضعته تناول رسول الله (صلى الله عليه وآله) جذوة من اللحم فشقها في نواجذه ثم ألقاها في نواحي الطعام في القصعة، ثم قال: خذوا بسم الله، فاكل القوم حتى ما بهم من حاجة وما أرى الا مواضع ايديهم، وايم الله الذي نفس علي بيده، لقد كان الرجل منهم ياكل ما قدمت لجميعهم. ثم قال: اسبق القوم، فجئتهم بذلك العس فشربوا حتى رووا جميعا وأيم الله لقد كان الرجل منهم يشرب مثله. فلما اراد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ان يكلمهم بدره أبو لهب، فقال: لقد سحركم صاحبكم، فتفرق القوم ولم يكلمهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال من الغد إن هذا الرجل قد سبقني الى ما سمعت من القول فتفرق القوم ولم أكلمهم، فاعد لنا من الطعام مثل ما صنعت ثم اجمعهم الي، قال ففعلت ثم جمعت، ودعا بالطعام فقربته إليهم ففعل كما فعل بالامس، فاكلوا حتى ما بهم من حاجة ثم قال: اسقهم فجئتهم بذلك العس فشربوا حتى رووا منه جميعا، ثم تكلم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا بني عبد المطلب اني والله ما اعلم أن إنسانا في العرب جاء قومه بافضل مما جئتكم به، واني جئتكم بخير الدنيا والآخرة وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فايكم يوازرني على امري هذا كله، على أن يكون اخي ووصيي ووليي وخليفتي فيكم ؟ فاحجم القوم


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 48 ]

عنها جميعا فقلت: - والله إني أحدثهم سنا، وأطولهم باعا، وأعظمهم بطشا وأحمشهم ساقا - أنا يا رسول الله موازرك، فاخذ رقبتي بيده، وقال: هذا أخي ووصيي وخليفتي، فاسمعوا له واطيعوا. قال فقام القوم يضحكون ويقولون لابي طالب: قد أمرك أن تسمع لعلي وتطيعه طاعة لا بطانة بها. 6 - وعنه عن علي بن الحسين المقري، عن يحيى بن عمار، عن جعفر بن سنان الزيات، عن الحسين بن معمر، عن ابي بصير عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: سار أبو طالب الى الشام في بعض ما كان يخلف النبي (صلوات الله عليه) بمكة، فكان يومئذ صغيرا، فلما صار معه الى الشام خلفه أبو طالب في رحله، ودخل يمتار حوائجه، والنبي (صلى الله عليه وآله) عند شجرة عند دير النصارى فاوى الى تلك الشجرة، فنام فلم يزل نائما، وكان لا يقدر أحد من الناس أن يدنو الى تلك الشجرة ولا يقربها، مما كان عندها من الهوام والحيات والعقارب، وبحيرا الراهب ينظر الى النبي (صلى الله عليه وآله) والى القوم، فاقبل يتعجب من ذلك، وقال: هذا غلام غريب نائم ها هنا، وأخاف عليه من الهوام فاقبل إليه فانتبه من نومه ودعاه إليه، فاقبل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإذا هو معافى لم يمسه سوء مما خاف عليه بحيرا الراهب. فقال: يا غلام، من أنت ؟ وكيف صرت الى تحت هذه الشجرة ؟ فقال: خلفني ها هنا عمي ومضى يقضي حوائجه من الشام، وان لي حافظا من الله. فقال له بحيرا: من أنت ؟ وما اسمك ؟


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 49 ]

فقال: أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف. قال: هل لك اسم غير هذا ؟ قال: نعم أحمد. قال: هل لك اسم غير هذا ؟ قال: الامين. قال بحيرا: اكشف لي عن كتفك، فكشف له فنظر بحيرا الى خاتم النبوة بين كتفيه، فلما رآه قبل فوق الخاتم، وأقبل أبو طالب وقد باع حوائجه، فقال بحيرا: ما هذا منك ولا انت منه، فقد رأيت من هذا الغلام عجبا، ما نام تحت هذه الشجرة بشر وسلم من الهلاك، ولم يزل هذا الغلام نائما تحتها وجميع ما تحتها من الحيات والعقارب حوله تحرسه في نومه. فقال أبو طالب: هذا أبن أخي. قال له: ما فعل أبوه ؟ قال: مات قال: ما فعلت أمه ؟ قال: ماتت. قال: ما اسمه ؟ قال: محمد. قال: هل له اسم غير هذا ؟ قال: نعم، أحمد. قال: هل له اسم غير هذا ؟ قال: الامين. قال: ان ابن اخيك هذا نبي ورسول، ولا تذهب الايام والليالي حتى يوحي إليه الله، ويسوق العرب بعصاه ويملا الارض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما، فاتق عليه خاصة من قريش واليهود فانهم اعداء له من بين الناس. قال له أبو طالب: يا هذا رميت ابني بامر عظيم، أتزعم أنه نبي ولا تذهب الايام والليالي حتى يملا الارض عدلا، وقسطا كما ملئت جورا وظلما، شرقا وغربا، ويسوق العرب بعصاه ؟ قال بحيرا: لقد والله أخبرتك عن أمره، وهذا الذي نجده عندنا مكتوبا في سفر كذا وكذا من الانجيل، وهو الذي بشرنا به السيد عيسى بن مريم (عليه السلام)، ولم اقل فيه إلا


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 50 ]

الحق، فالله الله في الغلام لا تقتله قريش واليهود، فاكتم علي ما قلت لك، وأنا أشهد أنه محمد رسول الله، وأنه الغلام الهاشمي القرشي الابطحي، وانه عندنا مكتوب اسمه واسم أبيه من قبل، وإن أنكر من أنكر واعلم أنك تلقى رجلا من اخواني ممن هو على ديني وقد قرأ مثل ما قرأت من هذه الكتب بارض تهامة، وسيقول لك بهذا الغلام ما قلته لك. وكان صاحب بحيرا ورقا بن نوفل، وكانا جميعا ممن استحفظ الانجيل واخبار محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وكانا اعلم اهل زمانهما، فرجع فرحا بما سمع من بحيرا الراهب، حتى إذا دخل أرض تهامة استقبله ورقا بن نوفل الراهب وهو من المستحفظين الذين استودعوا علم الانجيل والزبور، فقال ورقا بن نوفل مثل ما قاله بحيرا، وقال: اكتم علي يا شيخ ما قلته في هذا الغلام، قال: وانتشر خبر النبي (صلى الله عليه وآله) بارض تهامة وكلام ورقا، فاقبلت قريش الى ورقا بن نوفل. فقالوا: ما هذا الذي انتشر عنك فيما قلت من هذا الغلام ؟ والله لئن نطقت فيما نطقت به من أمره لنقتلنك باعظم قتلة، فاعلم ذلك فخاف ورقا على نفسه فخرج من أرض تهامة، وقد اظهر من امر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما أظهر وأشهد على نفسه أنه يشهد ان لا إله الا الله وحده لا شريك له وان محمدا عبده ورسوله، وانه نبي ورسول، وقصد الى الشام هاربا من قريش لانه خالفهم على نفسه، فما لبث النبي بعد ما قاله ورقا وبحيرا إلا يسيرا حتى أظهر الله دعوته وطلبوا ورقا بن نوفل فلم يقدروا عليه، وحفظه أبو طالب من قريش، واستوهب النبي (صلى الله عليه وآله) عليا بن ابي طالب من أبيه فوهبه له فدعاه الى الاسلام، والى دين الله فاجابه يومئذ وهو ابن سبع سنين، فكان أول من أسلم علي بن ابي طالب (عليه السلام) فمكث على ذلك سنتين، وكان أبو طالب يقول لعلي: أطع ابن عمك واسمع قوله، فانه لا يالوك خيرا فكانا يصليان جميعا ويكتمان ما هما فيه حتى اظهر الله امر دينه فكان هذا من دلائله (عليه السلام).


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 51 ]

7 - وعنه عن أبي العباس، عن أبي غياث بن يونس الديلمي، عن أبي داود الطوسي، عن محمد بن خلف الطاطري، عن ابي بصير، عن ابي عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام)، قال: لما بلغ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أربعة عشر سنة، وكان يومئذ اقل أهل المدينة مالا، فاكرى نفسه لخديجة ابنة خويلد (عليها السلام) على بكر وحقة، وخرج غلام خديجة الى الشام وكان لها غلام، صدوق اسمه ميسرة فأمرته خديجة - لما اراد الخروج - أن لا يخالف النبي فيما يامره به إذ رأيه سديد معروف بذلك، وكانت قريش لا تصدر عن رأيه في كل ما ياتيهم به، ويخوفهم من امره فلذلك وصت خديجة ميسرة ان لا يخالف امره، وخرجا الى الشام فباعا ما كان معهما من التجارة وربحا ربحا ما ربحت خديجة بمثله، ورزقت بتلك السفرة ما لم ترزق مثله ببركة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فاقبلا بتلك الغنيمة، وما رزق الله، حتى إذا قربا من ارض تهامة قال ميسرة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): لو تقدمت الى خديجة فبشرتها بما رزقها الله رجوت لك منها جائزة عظيمة، ففعل النبي ذلك. وكان لخديجة منظرة في مستشرف الطريق تقعد فيها ونساء قومها، وكانت قاعدة في المنظرة تنظر إليه ومن معها من النساء فقالت لهن يا هؤلاء ما ترين ان لهذا الرجل قدرا عظيما ؟ اما ترينه منفردا وعلى رأسه غمامة تسير بمسيره، وتقف لوقوفه وتظله من الحر والبرد، والطير ترفرف عليه باجنحتها، ولها زجل وتسبيح وتمجيد وتقديس لله رب العالمين، يا ليت شعري من هو ؟ وانه مقبل نحوها، فقالت: أظن هذا الرجل يقصد حينا فلما دنا منها تبينته، فقالت لهن: هذا محمد بن عبد الله، ! فقرب منها فسلم، فردت (عليه السلام) وقربته منها، ورفعت مجلسه، فبشرها بما رزقها الله تعالى من تجارتها، ففرحت بذلك فرحا شديدا، وازدادت فيه رغبة وضاعفت له الرزق اضعافا، وقالت: يا محمد اعرض عليك أمرا وهي حاجة لي بعضها وهي لك حظ ورغبة، قال: وما هي ؟ قالت:


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 52 ]

اريد ان تتزوجني، فقد تباركت بك، ورأيت منك ما أحب، وأنا من عرفت شرفي وحسبي ونسبي وموضعي من قومي وسيادتي في الناس، وكثير لا ينالون تزويجي، وقد عرضت نفسي عليك. فقال لها: رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أو تفعلين ذلك ؟ فقالت: ما قلت الا ما أريد ان أفعله فقال لها: حتى أستأمر عمي، وأخبرك ما يكون ان شاء الله تعالى. وانطلق الى عمه فاخبره ما قالت خديجة، فقال له عمه: يا بني إنها من قوم كرام فتزوجها، ولا تخالفها فانها فائقة في الحسب والنسب والشرف والمال، وهي رغبة لمن تزوجها، فاقبل إليها وأخبرها بما قاله عمه، فقالت: إذا كان يوم كذا وكذا، فاقبل: فلما كان اليوم المعلوم أقبل ابن عمها وأهلها، وتهيات خديجة لما أرادت ونحرت البدن، واتخذت طعاما كثيرا. واقبل النبي (صلى الله عليه وآله) وعمه وبنو عمه وأهل بيته من بني عبد المطلب خاصة، وأرسلت خديجة الى عمها وأهل بيتها فدعتهم ولم يلعم الفريقان إلى ما دعوا فاطعمت القوم الطعام ونحرت البدن على الجبال والشعاب والاودية بمكة وجعلتها قرى للناس والطير والسباع والهوام سبعة أيام، وأمرت بسقي القوم، فلما شربوا وأخذوا في حدثهم قال أبو طالب لعمها: لنك في الشرف العظيم من قومك، وأنت الكفؤ الكريم، ومحمد بن عبد الله ولد أخي وهو لا يجهل حسبه ولا ينكر نسبه، وقد أتاك خاطبا خديجة ابنة خويلد، وهو ممن قد عرفتم أمره وحاله. فقال عمها: يا أبا طالب، خديجة مالكة نفسها، وأمرها إليها، فارسل إليها واستاذنها. فارسل إليها عمها يستامرها، فقالت: يا عم زوجه فانه بالنسب الثاقب والفرع الباسق، وليس هذا ممن يرد فزوجه عمها في مجلسه،


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 53 ]

وذلك بمحضر من الفريقين فخرجوا قريرة أعينهم بمجلسهم، وما كان من خديجة في تزويج محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وذلك أنها خطبت من أكابر قريش وسائر العرب، فلم تزوج نفسها فلما خرجوا احتبس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، عندها، فقالت له: يا محمد ما نحلتك ؟ قال: البكر والحقة، وهما نحلة، مني اليك، وما اضعفت لي بعد ذلك من الرزق فهو في بيتك في موضع كذا وكذا، فقالت: قد قبلته وقبضته، فادخل باهلك متى شئت، فبات عندها ليلته من أقر الناس عينا وأحبهم إليها من جميع الناس. وأصبحوا من غد ذلك اليوم فقدم بعض حساد محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) الى عمها وقالوا: زوجت بنت أخيك بغلام فقير قليل المال ؟ فاقبل عمها الى ابي طالب نادما، وقد بلغ ابا طالب ندامته، فقال له: يا هذا ان المال ياتي ويذهب، وقد رأينا من لم يكن له مال فرزقه الله مالا ورزقا حسنا واسعا، وقد بلغ خديجة ذلك فارسلت إليه، فاقبل إليها وهو نادم على ما كان منه، فقالت له: يا عم لا تتهمني في نفسك، ما زوجته أنت، بل الله زوجه، فهو ممن عرفت شرفه وكرمه وأمانته، فقال لها: نعم، صدقت هو كما تقولين وأفضل، ولكن ليس له مال، قالت له: يا عم اني ما قدمت الا على بصيرة، وقد رأيت بعيني ما رأيت، ورأى ذلك نساء قريش معي، قال: ما الذي رأيت ورأين ؟ قالت: قد أقبل من تجارتي التي انفذته بها مبشرا بالارباح التي رزقني الله عليه يده وانا جالسة، في المنظرة فرأيته مقبلا فردا وعلى رأسه غمامة تسير بمسيرة، وتقف بموقفه، وتظله من الحر والبرد، ورأينا رجالا باجنحة لا بايد من حوله ومن فوقه يسيرون بمسيره ويكنفونه ويرفون عليه باجنحتهم ولهم زجل بالتسبيح والتهليل والتمجيد والتقديس لله عز وجل، فهذا ما رأيت ونساء قومي، وقلت لهن: ترين هذا الرجل الكريم على الله عز وجل العظيم المنزلة عند الله، الذي أظله بالغمام وحفه بالملائكة ؟ الى أن أن قرب مني فتبينته فرأيته


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 54 ]

محمدا بن عبد الله، ورأى نساء قومي، فمن أجل ذلك يا عم رغبت فيه، وعلمت أن له شانا عظيما، ويؤول الى نبوة ورسالة فسر عمها وخرج وقال: يا خديجة اكتمي هذا الامر، ولا تظهريه، ولا تذكري شيئا من الغمام والملائكة فتسمع به قريش فتقتله، وخرج من عندها، وقالت: اكتم أنت ذلك يا عم فانه قد بات عندي ودخل باهله، فعند ذلك شكره العم وعرف فضله فكانت هذه من دلائله (عليه السلام). 8 - وعنه عن أبيه حمدان بن الخصيب، عن أحمد بن الخصيب، قال: كنا بالعسكر ونحن مرابطون لمولانا أبي الحسن وسيدنا أبي محمد (عليما السلام) قال: لما اظهر الله دينه، ودعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) الى الله، كانت بقرة في نخل بني سالم، فدلت عليه البقرة وآذنت باسمه، وأفصحت بلسان عربي مبين - في جميع آل ذريح - فقالت: يا آل ذريح، صائح يصيح بان لا اله الا الله وحده لا شريك له وأن محمدا رسوله حقا. فاقبل آل ذريح الى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فآمنوا به وكانوا أول العرب إسلاما وايمانا وطاعة لله (عز وجل) ولرسوله. 9 - وعنه، عن أبيه، عن عمه، بهذا الاسناد، عن الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام) قال: تكلمت في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقرة، وهي كانت في نخل آل بني سلام فصاحت لال ذريح: الذئب، وهو الذي أقبل الى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فشكا إليه الجوع فدعا النبي بالرعاة، فقال: افترضوا له شيئا، فخشوا، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للذئب: أختلس ما تجد، فصار الذئب يختلس ما يجد لانه مسلط. قال أبو عبد الله جعفر بن محمد (عليه السلام): وايم الله لو كانوا فرضوا للذئب ما زاد عليه الى يوم القيامة. وأما الجمل فان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، كان جالسا


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 55 ]

في اصحابه، إذ نظر الى بعير ناد، حتى اقبل إليه وهو جالس بين اصحابه فضرب في اخفافه ورغا، فقال القوم: يا رسول الله يسجد لك هذا البعير، فنحن احق ان نسجد لك، قال لهم: اسجدوا لله رب العالمين. إن الجمل يشكو الي اربابه ولو أمرت أحدا أن يسجد لاحد لامرت المرأت ان تسجد لزوجها. فوقع في قلب رجل منهم ما شاء الله ان يقع في قلبه من كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فما لبث إلا قليلا حتى أتى صاحب البعير، فقال له: يا اعرابي هلم إلي، فما بال هذا البعير يشكو من أربابه ؟ فقال: يا رسول الله ما يقول ؟ قال: يقول: انكم أنختموه صغيرا وأعنفتموه كبيرا، ثم انكم أردتم نحره. قال الاعرابي: والذي بعثك بالحق نبيا واصطفاك بالرسالة نجيا، ما كذب هذا البعير، ولقد قال بالحق. فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): يا أعرابي اختر واحدة من ثلاث إما ان تهبه لي، وإما ان تبيعني إياه، وإما أن تجعله سائبا لوجه الله. فقال: يا رسول الله أهبه لك. فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اللهم أشهدكم علي أني جعلته سائبا لوجه الله، كان البعير ياتي المعالف فيعتلف منها، ولا يمنعوه حياء من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، حتى هلك الجمل فكان هذا من دلائله (عليه السلام) والتحية. 10 - وعنه بهذا الاسناد عن أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليه السلام) قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) جالسا والناس حوله، فقال لهم: انه ياتيني غدا تسعة نفر من حضرموت يسلم منهم ستة، وثلاثة لا يسلمون، فوقع في قلوب الناس من كلامه ما شاء الله أن يقع، فلما أصبحوا وجلس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في مجلسه، أقبلت التسعة رهط من حضرموت، حتى دنوا من النبي (صلى الله عليه وآله) وقالوا له: يا محمد اعرض علينا الاسلام فعرض رسول الله عليهم


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 56 ]

الاسلام فاسلم منهم ستة، وثلاثة لم يسلموا فوقع في قلوب الناس مرض وانصرفوا. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) يموت منهم واحد، وهو هذا الاول، وأما هذا الآخر فانه يخرج في طلب ابل له فيستلبه قوم فيقتلونه، وأما الثالث فيموت بالداء والدبيلة. فوقع في قلوب الذين كانوا في المجلس اعظم ما وقع في الكرة الاولى، فلما كان من قابل أقبل الستة الرهط الذين اسلموا حتى وقفوا على النبي (صلى الله عليه وآله) فقال لهم: ما فعل الثلاثة أصحابكم الذين كانوا معكم ولم يسلموا ؟ فاخبروه بموتهم - والناس يسمعون - والتفت الى أصحابه فقال لهم: ما قلت لكم في العام الماضي في هؤلاء القوم ؟ فقالوا: سمعنا مقالتك يا رسول الله، وقد ماتوا جميعا في الموتات التي أخبرتنا بها، فكان قولك الحق عند الله، فانت الامين على الاحياء والاموات. فكان هذا من دلائله (عليه السلام). 11 - وعنه، عن أبي بكر القصار، عن سيف بن عميرة، عن بكر بن محمد، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام) قال: لما دعا النبي قريشا الى الله وخلع الانداد، اشتد ذلك على قريش، وغمهم غما شديدا، وتداخلهم أمر عظيم، وقالوا: إن ابن أبي كبشة ليدعي أمرا عظيما، ويزعم أنه نبي ورسول فاتاه منهم أبو جهل لعنه الله - عمرو بن هشام بن المغيرة - وأبو سفيان، وسفيان بن حوشبة، وعتبة بن ربيعة، وهشام، والوليد بن عتبة، وصناديد قريش المنظور إليهم، وقالوا: يا محمد تزعم انك نبي ورسول، وقد ادعيت أمرا عظيما لم يدعه آباؤك، ولا أحد من أهل بيتك، ونحن نسالك أمرا ان جئتنا به وأريتنا إياه علمنا أنك نبي ورسول، وان أنت لم تفعل ذلك علمنا أنك تدعي الباطل وتقول السحر والكهانة. فقال لهم: ما حاجتكم ؟ فقالوا: نريد أن تدعو لنا هذه


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 57 ]

الشجرة تنقلع بعروقها وتقف بين يديك، فقال لهم: إن أفعل هذا تؤمنون ؟ قالوا: نعم نؤمن، قال لهم: ساريكم ما تطلبون، وأعلم انكم ما تجيبون ولا تؤمنون ؟ ولا تؤولون الى خير. فقال للشجرة يا أيتها الشجرة، إن كنت تؤمنين بالله واليوم الآخر، وتعلمين أني رسول الله حقا فانقلعي بعروقك حتى تقفي بين يدي. قال: ما استتم كلامه حتى اقتلعت الشجرة ووقفت بين يديه، فلما نظروا إليها اغتموا غما شديدا، وقالوا له: مرها أن ترجع الى مكانها ولياتك قسما سويا فأمرها بذلك فاقبل نصفها وبقي نصفها قالوا: مر هذا النصف يرجع الى الذي كان فيه فأمره فرجع الى موضعه كما كان. فلما رأوه قالوا باجمعهم: تالله ما رأينا مثل هذا السحر، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): قد أخبرتكم انكم لا تؤمنون بما أريكم وقد علمتم أني لست ساحرا ولا كذابا ولا مجنونا. قالوا: يا محمد ما رأينا أعظم من هذا السحر ولم يكن فيهم أشد تكذيبا من أبي لهب، فقال له بعضهم: يا محمد ما وجد ربك من يبعثه غيرك ؟ فغضب من كلامهم وقال لهم: والله يا معاشر قريش قد علمتم انه ما منكم احد يتقدمني في شرف، وأني الى خير مكرمة، وان آبائي قد علمتم من هم، فسكت القوم وانصرفوا وفي قلوبهم عليه أحر من الجمر مما سمعوا من الكلام وأراهم من العجائب التي لم يقدروا أن ياتوا بمثلها، فكان هذا من دلائله (عليه السلام). 12 - وعنه بهذا الاسناد عن سيف بن عميرة عن اسحاق بن عمار، قال قال الصادق (عليه السلام): لما اسري برسول الله (صلى الله عليه وآله) في طريق مر على عير في مكان من الطريق، فقال لقريش - حين اصبح - يا معاشر قريش ان الله (تبارك وتعالى) قد أسرى بي في هذه الليلة


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 58 ]

من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى - يعني بيت المقدس - حتى ركبت على البراق، وإن العنان بيد جبريل (عليه السلام) وهي دابة اكبر من الحمار، وأصغر من البغل، خطوتها مد البصر، ركبت عليه وصعدت الى السماء، وصليت بالمسلمين وبالنبيين أجمعين وبالملائكة كلهم، ورأيت الجنة وما فيها، والنار وما فيها، واطلعت على الملك كله. فقالوا: يا محمد كذب بعد كذب، ياتينا منك مرة بعد مرة، لئن لم تنته عما تقول وتدعيه، لنقتلنك شر قتلة، أتريد أن تافكنا عن آلهتنا وتصدنا عما يعبد آباؤنا الشم الغطاريف ؟ فقال يا قوم انما اتيتكم بالخير، ان قبلتموه، فان لم تقبلوه فارجعوا وتربصوا اني متربص بكم أعظم مما تتربصون بي وأرجو أن أرى فيكم ما أؤمله من الله فسوف تعلمون. فقال أبو سفيان: يا محمد إن كنت صادقا فانا قد دخلنا الشام ومررنا في طريقنا، فخبرنا عن طريق الشام وما رأينا فيه. فانا قد رأينا جميع ما ثم ونحن نعلم انك لم تدخل الشام، فان أنت أعطيتنا علامة علمنا أنك رسول حق ونبي صدق. فقال: والله لاخبرنكم بما رأت عيناي الساعة، رأيت عيرا لك يا أبا سفيان وهي ثلاثة وعشرون جملا يقدمها ارمك عليه عباءتان قطوانيتان، وفيهما غلامان، احدهما صبيح والاخر رياح في موضع كذا وكذا، ورأيت عيرك يا ابا هشام بن المغيرة في موضع كذا وكذا، وهي ثلاثون بعيرا يقدمها جمل أحمر فيها مماليك أحدهم ميسرة، والآخر سالم، والثالث يزيد، وقد وقع بهم بعير بمحمله فمررت بهم وهم يحملون عليه حمله، والعير تأتيكم في يوم كذا وكذا وهي ساعة كذا وكذا، ووصف لهم جميع ما رأوه في بيت المقدس. فقال أبو سفيان: أما ما كان في بيت المقدس فقد وصفت جميع ما


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 59 ]

رأينا، وأما العير فقد ادعيت أمرا، فان وافق قولك ما قلت لنا، وإلا علمنا انك كذاب، وأن ما تدعيه الباطل. فلما كان ذلك اليوم الذي أخبرهم أن العير تأتيهم خرج أبو سفيان وهشام بن المغيرة حتى ركبا ناقتيهما وتوجها يستقبلان العير فرأوها في الموضع الذي وصفه لهما النبي (صلى الله عليه وآله) فسالا غلمانهما عن جميع ما كانوا فيه، فاخبروهما بمثل ما اخبرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلما أقبلا قالا لهما: ما صنعتما ؟ قالوا جميعا: لقد رأينا جميع ما قلت، وما يعلم أحد السحر الا اياك وإنك لشيطان عالم، ولو رأينا ملائكة من السماء تنزل عليك لما صدقناك، ولا قبلنا قولك، ولا قلنا: انك رسول ولا نبي ولا آمنا بما تقول أبدا، افعل ما شئت فهو سواء علينا أو عظت أم لم تكن من الواعظين، أو عدتنا ام لم توعدنا. فكان هذا من دلائله (عليه السلام). 13 - وعنه عن أبيه، عن عبد الرحمن بن سنان، عن جعفر بن محمد الانباطي، عن الحسين بن العلاء، عن أبي بصير الاسدي، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام) قال: مطر الناس مطرا شديدا، فلما أصبحوا خرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومعه أبو بكر وعمر يمشيان فتبعهما أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) وقد برز الى الصحراء، فقال له رسول الله: ما سرني تخلفك، ولقد سررت بمجيئك يا علي، فإذا هم برماية قد انقضت من السماء اليهما اشد بياضا من الثلج وأحلى من الشهد فاخذها رسول الله (صلى الله عليه وآله) فمصها ثم دفعها الى امير المؤمنين (عليه السلام) فمصها حتى أتى على ما أراد، قال النبي: يا ابا بكر لولا هذا طعام من طعام الجنة لا ياكله احد في الدنيا الا نبي أو وصي نبي لاطعمتك، ثم كسرها النبي (صلى الله عليه وآله) نصفين فاخذ النبي نصفها واعطى عليا نصفها فاكل النبي (صلى الله عليه


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 60 ]

واله) ما كان في يده، وأكل امير المؤمنين ما كان في يده، وانصرف أبو بكر خائبا فكان هذا من دلائله (عليه السلام). 14 - وعنه عن أبيه، عن محمد بن المفضل، عن بياع السابري عن سيف بن عميرة عن أبي بكر أحمد بن محمد الحضرمي عن ابي عبد الله جعفر بن محمد (عليه السلام) قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جالسا إذ أقبل إليه نفر من قريش فقالوا: يا محمد إنك تنحل نفسك بامر عظيم، وتزعم أنك نبي وأنه يوحى إليك والملائكة تنزل الوحي عليك، فان كنت صادقا فاخبرنا عن جميع ما نسالك به، فقال اسالوني عما بدا لكم، فان يكن عندي منه علم وخبر أنبئكم به، وإن لم يكن عندي منه علم استاجلتكم أجلا حتى ياتيني رسول ربي جبريل عن الله (عز وجل) فاخبركم به. وقال أبو جهل - لعنه الله - اخبرني عما صنعت في منزلي، فان عيسى بن مريم (عليه السلام) كان يخبر بني اسرائيل بما كانوا ياكلون وما يدخرون في بيوتهم، فان كنت نبيا كما تزعم فاخبرنا عما نعمل في بيوتنا وما ندخر فيها. فقال النبي (صلى الله عليه وآله): يا أبا جهل لو كنت رأيت الملائكة نزلت علي وكلمتني الموتى ما كنت تؤمن أنت ولا أصحابك ابدا، وساخبرك بجميع ما سألتني عنه، أما أنت يا أبا جهل فانك دفنت ذهبا في منزلك في موضع كذا وكذا، ونكحت خادمتك السوداء سرا من اهلك لما فرغت من دفن المال. واما أنت يا هشام بن المغيرة فانك جهزت جهازا وأمرت المغيرة ليخرج في ذلك الجهاز، فان أنت أتممت ما نويت في نفسك عطب ابنك في ذلك الطريق ولم تلق ما تحب فاخرج هشام ابنه المغيرة معاندا كلام رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلما توجه لم يسر الا قليلا حتى قطع عليه الطريق وقتل ابنه ورأى جميع ما قاله رسول الله (صلى الله عليه وآله


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 61 ]

وسلم) وكتم هشام ما أصابه في ابنه. فجاءه النبي (صلى الله عليه وآله) وجماعة من قريش، فقال النبي: ما منعك يا هشام ان تخبرنا ما أصبت به في مالك وولدك لئن لم تخبرهم لاخبرتهم انا، فقالت قريش: يا ابا المغيرة ما الذي أصبت به ؟ قال: ما اصبت بشئ ولم يمنعه ان يخبرهم الا بصدق رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال رسول الله: اخبرني جبريل (عليه السلام) عن الله (عز وجل) ان اللصوص قطعوا على ابنك الطريق واخذوا جميع مالك واصبت بابنك في موضع كذا وكذا، فاغتم لذلك هشام، وقال: لئن لم تكفف قتلناك عنوة فانك لم تزل تؤذينا وتخبرنا بما نكره. فقال النبي (صلى الله عليه وآله): تسألونني حتى إذا أنباتكم تجزعون ليس لكم عندي بقول الحق عن الله. فسكت هشام فقام مغتما بشماتته، وقال لابي جهل: ما تقول في الذهب الذي دفنته في بيتك في موضع كذا وكذا ونكاحك السوداء ؟ قال ما دفنت ذهبا ولا نكحت سوداء، ولا كان مما ذكرت شيئا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لئن لم تقر عليه، دعوت الله ان يذهب مالك الذي دفنته، ولارسلن الى السوداء حتى اسالها فتخبر بالحق. فقال أبو جهل - لعنه الله - نحن نعلم ان معك رجالا من الجن يخبرونك بجميع ما تريد وأما أنك تريد أن نقول فيك نبي ورسول فلست هناك فقال: ولم يا لكع ؟ ألست اكرمكم حسبا، وأطولكم قصبا، وأفضلكم نسبا، وخيركم أما وأبا، وقبيلتي خير قبيلة ؟ أتجزع ان تقول اني نبي والله لاقتلنك وأقتلن شيبة، ولاقتلن الوليد، ولاقتلن جبابرتكم وأشراركم ولاوطين دياركم بالخيل، وآخذ مكة عنوة، ولا تمنعوني شيئا، شئتم أم أبيتم. قال أبو عبد الله: فوالله ما ذهبت الايام والليالي حتى قتل رسول الله


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 62 ]

(صلى الله عليه وآله) قريشا بيده شر قتلة، وجميع من سماه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سبعون رجلا من اكابرهم وخيارهم فصح جميع ما قاله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما غادر منه حرفا فكان هذا من دلائله (عليه السلام). 15 - وعنه عن أبي الحسين محمد بن يحيى الفارسي عن عبد الله بن جعفر بن خالد الجلاب، عن عبد الله بن ايوب، قال: حدثني أبو أيوب وصفوان الجمال عن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) قال: لما رمي رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالسيف، وكان الذي رماه به عتبة بن ابي معيط ووضع رجله على عنقه وهو ساجد فغمزه في الارض غمزة شديدة، حتى بلغ منه فرفع رأسه فقال: والله الذي لا يحلف باعظم منه لئن مكنني الله منك يا عقبة لاقتلنك، فقلته يوم بدر وقد جئ به أسيرا فضرب عنقه، وصدق ما قال فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فكان هذا من دلائله (عليه السلام). 16 - وعنه عن الخضر بن أبان، عن عبد الله بن جرير النخعي عن أحمد بن عنان، عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر محمد بن علي (عليهما السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يا معاشر اصحابي ياتيكم الساعة تسعة نفر من وراء هذا الجبل من آل غسان فيسلم سبعة ويرجع رجلان كافران، ولا يصلان الى منازلهم حتى يبليان ببلية، أحدهما ياكله السبع والآخر يعضه بعيره فيورثه حمرة وبعد الحمرة اكلة، فيموت ويلحق بصاحبه في النار. فلما اصبح اقبل النفر الى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال أهل مكة: ان محمدا له من يخدمه من الجن هؤلاء كانوا أحسنهم قولا، وقال بعضهم: ساحر كذاب مجنون، فاسلم من القوم سبعة، ورجع اثنان كفارا


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 63 ]

بما قاله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فكان هذا من دلائله (عليه السلام). 17 - وعنه عن أبي بكر محمد بن جبلة التمار، عن حامد بن يزيد، عن خليل بن أحمد الزيات، عن صندل، عن داود بن فرزدق عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: لما ظهر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالرسالة جاء ذئب الى الاشعث بن قيس الخزاعي، وهو في غنم له يطرده عنها كرة بعد كرة فقال في الكرة الرابعة: ما رأيت أصفق وجها منك ذئبا، قال الذئب: بل أدلك على من هو أصفق مني وجها، فقال له الاشعث بن قيس: من هو يا ذئب ؟ قال له: أنت قال: كيف ذلك ؟ قال الذئب: هذا النبي ظهر بينكم يدعوكم الى الله وأنتم لا تجيبونه. قال له الاشعث: ما تقول ؟ قال الذئب: أقول الحق. قال له: وأين هو ؟ قال: بيثرب قال له الاشعث: ومن يحفظ غنمي ؟ قال الذئب: أنا أحفظها حتى تذهب إليه فتؤمن به، قال الذئب: الله لك بذلك قال: فلم يزل في غنمه يحفظها حتى وصل الاشعث الى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقص عليه قصته مع الذئب وآمن برسول الله (صلى الله عليه وآله) وعاد إلى غنمه والذئب يحفظها، فدفع للذئب سخلة من غنمه، فاكلها الذئب وخرج من عنده فكان هذا من دلائله (عليه السلام). 18 - وعنه عن يعقوب بن حازم عن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام) قال: خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الى غزاة تبوك وخلف أمير المؤمنين (عليه السلام) وسائر من بها، فتكلم الناس فيه، وقالوا ما بال علي مقدم في كل غزوات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد أخره عن هذه الغزوة بالمدينة وما هذا الا اجتزاء عن علي، وبغضا له لئلا يشهد فضل هذه الوقعة فخرج إليه امير المؤمنين حتى وافى معسكر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال:


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 64 ]

فداك أبي وأمي يا علي ما الذي جاء بك ؟ قال: ان الناس يقولون إنك ما خلفتني بالمدينة الا من بغضك لي قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ليس الامر كما يقولون يا علي كيف وقد أمرني الله يخبرني مشافهة - حيث أسري بي إليه - أمرني أن أو أخيك وأزوجك بفاطمة بنتي سيدة نساء العالمين في الارض بعد أن زوجك الله في السماء، وأمرني أن أعلمك جميع علمي ولا أتركك، وأن اقربك ولا أجفوك، وأدنيك ولا أقصيك، وأن أصلك ولا أقطعك وإن أرضيك ولا أسخطك، وأنت أخي وانا أخوك في الدنيا والآخرة، ولا يعطى أحد الشفاعة غيري وسالت ربي أن يشركك فيها معي ففعل، فمن له مثل ما لك، ومن اعطي مثلما اعطيت. يا علي اما ترضى ان تكون مني بمنزلة هارون من موسى حين خلفه في قومه. فلما قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك رجع علي (صلوات الله عليه) الى المدينة مستبشرا مسرورا، وسار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والناس معه، فشكوا العطش فقال للناس: اطلبوا الماء فلم يصيبوا قليلا ولا كثيرا، حتى خافوا على أنفسهم، ومات بعضهم وبعض دوابهم فلما رأوا ما نزل بهم، قالوا: يا رسول الله ادع لنا ربك يسقينا ريا من الماء فنزل جبريل (عليه السلام) فقال: يا رسول الله ابحث بيدك هذا الصعيد، وضع قدميك واصبيعك المسبحتين فينفجر اثنتا عشرة عينا كما انفجرت لموسى (عليه السلام) فوضع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عشر أصابع رجليه وسبابتيه، وسمى باسم الله (عز وجل) ودعا فتفجرت من بين اصابعه اثنتا عشرة عينا، للاثنتي عشرة اصبعا، وفاض الماء حتى ملا الوادي والبقعة وشرب الناس وسقوا دوابهم، وحملوا من الماء ما كفاهم الى الماء الآخر واعطي رسول الله (صلى الله عليه وآله) مثل الذي اعطي موسى (عليه السلام) وموضع الماء معروف مشهور في طريق الحديثة الى وقتنا هذا فكان هذا من دلائله (عليه السلام).


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 65 ]

19 - وعنه عن ابي الحواري عن جعفر بن يزيد الطريقي عن محمد بن مسلم، عن عمر بن سهم، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال سمعته يقول: لما ظهر محمد (صلى الله عليه وآله) ودعا الناس الى دين الله ابت ذلك قريش وكذبته وجميع العرب فبقي النبي (صلى الله عليه وآله) مستجيرا في البلاد لا يدري ما يصنع، وكان يخرج وأمير المؤمنين (صلوات الله عليهما) في كل ليلة الى الشعاب فيصليان فيها سرا من قريش، ومن الناس، وكانت خديجة (عليها السلام) تخاف عليهما ان تقتلهما قريش، فجاءت الى أبي طالب فقالت له: إني لست آمن على رسول الله وعلى علي من قريش أن يقتلوهما، فاني أراهما يذهبان في بعض تلك الشعاب يصليان فأتاهما أبو طالب، وقال لهما: إني أعلم أن هذا الامر سيكون له آخر، وان هذا الذي أنتما عليه لدين الله، وإني أعلم أنكما على بينة من ربكما، فاتقيا قريشا، فوالله ما أخاف عليكما الا من قريش خاصة، وما أنتما بكاذبين، ولكن القوم يحسدونكما، والذي دعوتما إليه عظيم عندهم، وإنما تريدان أن تقلباهم عن دينهم ودين آبائهم إلى دين لا يعرفونه ويستعظمون ما تدعوانهم إليه. فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لاملكن رقابهم، ولاطان بلادهم بالخيل، ولتسلمن قريش والعرب طوعا أو كرها ولاقطعن اكابرهم جهرا ولآخذنهم بالسيف عنوة، وهكذا اخبرني جبريل (عليه السلام) عن الله (عز وجل). فرجع أبو طالب من تلك الشعاب من عندهما وهو من اسر الناس بما اخبره النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأتى أبو طالب خديجة (عليها السلام) وأخبرها بذلك ففرحت فرحا شديدا وسرت بما قال لها أبو طالب، وعلمت انهما في حفظ الله (عز وجل) فكان هذا من دلائله (عليه السلام).


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 66 ]

20 - وعنه عن محمد بن نجيح بن سليمان بن ابراهيم الخزاز، عن عبيد الله بن سعيد الخزاعي، عن عمر بن بنشط عن ابي بكر الحضرمي عن ابي حمزة الثمالي عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال لما ظهر رسول الله (صلى الله عليه وآله) ودعا قريشا الى الله تعالى فنفرت قريش من ذلك وقالوا يا ابن ابي كبشة، لقد ادعيت امرا عظيما اتزعم انك نبي وان الملائكة تنزل عليك، فقد كذبت على الله وملائكته، ودخلت فيما دخل فيه السحرة والكهنة. فقال لهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): لم تجزعون يا معاشر قريش ان ادعوكم إلى الله والى عبادته ؟ والله ما دعوتكم حتى أمرني بذلك، وما أدعوكم ان تعبدوا حجرا من دون الله، ولا وثنا ولا صنما ولا نارا، وانما دعوتكم أن تعبدوا من خلق هذه الاشياء كلها وخلق الخق جميعا، وهو ينفعكم ويضركم، ويميتكم ويحييكم ويرزقكم. ثم قال: والله لتستجيبن الى هذا الذي أدعوكم إليه شئتم أم أبيتم، طائعين أو كارهين صغيركم وكبيركم، فبهذا اخبرني جبريل (عليه السلام) عن رب العالمين، وانكم لتعلمون ما انا بكاذب وما بي من جنون ولا سحر ولا كهانة، فقد أخبرتكم بما أخبرني به ربي، فاسمعوا واطيعوا فكان هذا من دلائله (عليه السلام). 21 - وعنه، عن علي بن الحسين المقري، عن جابر بن خالد الآبي، عن سعيد بن قيس العبدي الحلبي، عن عبد الله بن بكر، عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: لما ظهر رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لعمه حمزة بن عبد المطلب ولاهل بيته: ابشروا فوالله لاسوقن قريشا وجميع العرب بعصاي هذه، طائعين أم كارهين، وليظهرن الله امره ان شاء، أنبئوهم يا بني عبد المطلب بما يسوءهم، فهو نعمة من الله وتفضل عليكم فخذوا ما اعطاكم واشكروه واحمدوه، ولا تكونوا مثل هذه


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 67 ]

الاعراب الجفاة، وقريش الحسدة الظلمة المفترين، فكان هذا من عجائبه ودلائله (عليه السلام). 22 - وعنه عن أبيه حمدان بن الخصيب عن ابراهيم بن الخصيب - وكان مرابطا لسيدنا أبي الحسن علي بن محمد العسكري (عليه السلام) - قال: حدثني زيد بن شهاب، عن محمد بن راشد الصيدناني عن الحسن بن محمد السكني عن ابي بصير عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، قال: جاء قوم من المنافقين الى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقالوا: زعمت يا محمد أن الله تبارك وتعالى اتخذ ابراهيم خليلا فما الذي صنع بك ؟ قال: اتخذني حبيبا، والحبيب أقرب من الخليل الى خليله. قالوا: فانك زعمت ان الله كلم موسى تكليما فما صنع بك ؟ قال: صنع بي ما صنع بموسى، وزادني عليه أن الله كلمه فوق الارض، وكلمني في حجب النور فوق السماوات. قالوا: انك زعمت أن الله ألان الحديد لداود حتى عجنه بيده بلا نار وقدره في السرد، وعمل منه الدروع والخوذ، فما الذي صنع بك ؟ قال: صنع بي ما صنع بداود وزادني عليه أني علوت على جبل أبي قبيس على ناقتي العضباء مشرفا على جميعكم وانتم تريدون اخراجي من مكة فركبت ناقتي في الحجر الصلد في رأس ابي قبيس، ولين لي الحجر حتى غاصت وهي باركة وانقلبت مستلقيا على قفاي فلان لي الحجر حتى تبين فيه صورة ظهرى وقفاي وتخطيط شعري في الحجر، وها أنتم تنظرون إليه، ولن يخفى ذلك الاثر ما دامت السماوات والارض. قال الحسين بن حمدان الخصيبي: أنا رأيت مبرك الناقة وأثر رداء رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الحجر فوق الجبل في سنة اثنين وثمانين ومائتين قبل أن حججت، ومعي جمع كثير من الحجاج، وتمسحنا بالموضع


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 68 ]

وصلينا عنده. ويرجع الحديث الى رسول الله (صلى الله عليه وآله): وهذا سيف من أسيافكم فاعطونيه حتى أجعله ما شئتم بيدي، فقالوا: هذا سيف من اسيافنا فقطعه لنا ابرا مثقبة الى الاسفل بلا نار، فاخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) سيفا من أسيافهم فلم يزل يقطعه بيده ابرا مثقبة الى الاسفل بلا نار حتى على آخره، وقال: أتحبون أن أقطع لكم حمائله إبرا ؟ قالوا: هو من أديم يا محمد، قال يجعلها الله حديدا. وضرب بيده المباركة الى حصى رضراض كان جالسا عليه فقبض منه قبضة وقال يا حصى سبح الله بكل لغة في كفي فنطق ذلك الحصى بثلاث وسبعين لغة يثبتها من عرفها بتسبيح الله وتقديسه وتمجيده، والشهادة لرسول الله بالرسالة ولعلي بالامامة. قالوا: يا محمد فقد زعمت ان داود كانت تسبح معه الجبال بالعشي والاشراق، والطير محشورة كل له أواب قال النبي: (صلى الله عليه وآله وسلم): انظروا باعينكم واسمعوا باذانكم ماذا تجيب الجبال ثم صاح رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا جبال مكة ومن حولها والريح والتلاع أجيبيني باذن الله ويا أيها الطير آوي الي باذن الله. قال فصاحت جبال مكة وما حولها والريح والتلاع، وكل شعب بمكة لبيك لبيك يا رسول الله إجابة لدعوتك وطاعة لامرك، وأقبلت الطيور من كل جانب صغارا وكبارا، بري وبحري وجبلي وسهلي، حتى انفرشت بمكة وسطوحاتها وطرقاتها وحجبت الطير السماء باجنحتها عنهم. فقال المنافقون: فقد زعمت أن الله اعطى لعيسى احياء الميت وابراء الاكمه والابرص وأن يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا باذن الله، ونبا بني اسرائيل بما ياكلون وما يدخرون في بيوتهم ونحن


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 69 ]

نسالك أن تحيي لنا ميتا، فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا بن أبي طالب (عليه السلام) وقال له: ائتني ببردتي السحاب وقضيبي الممشوق ثم كلمه بكلام خفي لا يفهم، ثم قال: انطلق يا علي معهم الى بلاطة من بلاطهم فاحي لهم من ارادوا من الموتى فلما انتهوا الى البلاطة بظهر شعب بني سعد قالوا: يا علي هذا قبر سيد من ساداتنا من اكابر قريش، وقد مات قريبا وقد دفناه بالامس، وهو قريب العهد بالحياة، أحيه لنا حتى نساله، فدنا أمير المؤمنين من القبر، وتكلم بكلام خفي ثم ركل القبر برجله فارتجت الارض وزلزلت حتى خافوا على انفسهم، فقالوا يا علي أقلنا أقالك الله فقال علي ليس الامر لي، بل الامر الى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهذا ميتكم فكلموه، فإذا هم بالقبر قد انشق، وخرج الرجل من اكفانه بعينه واسمه ونسبه فقال: يا ويلكم يا منافقي قريش، ما اجرأكم على ما أنا فيه من العذاب، أو لم أؤمن بمحمد حتى شهر تموني في الدنيا فولوا هاربين الى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالوا: يا رسول الله اقلنا أقالك الله، فقال رسول الله انكم لا تتمردون علي وانما تمردكم على الله، اللهم لا تقلهم فاني لا اقيلهم فارسل النبي الى امير المؤمنين (عليه السلام) بعد أن رد الميت في قبره، فكان هذا من دلائله (عليه السلام). 23 - وعنه عن ابيه عن محمد بن موسى القمي عن زيد بن شهاب القمي عن طلحة بن جعفر الاشعري عن الحسين بن العلاء، عن يونس بن ظبيان، عن المفضل بن عمر الجعفي عن ابي عبد الله (صلوات الله عليه) قال: لما ارضعت حليمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) اقبل إليها زوجها فقال: يا حليمة من هذا الصبي ؟ فقالت: ابن اخي ابي طالب وهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب. فقال لها: ويحك سنتنا سنة مجدبة كما ترين فإذا ارضعت هذا الصبي مع ابنك اضررتنا به، فقالت:


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 70 ]

والله لقد وقع لهذا الصبي في قلبي من المحبة شئ لا أحسن اصفه لك، فلما كانت صلاة الفجر سرحت غنمها وحميرها مع غنم الناس وحميرهم، فلما أمسوا وراحت الاغنام الى منازلهم راحت غنم حليمة حفلة يكاد يبدر ما في ضرعها من اللبن ودوابها بطينة تكاد ان تفزر، وراحت الاغنام على ما كانت تروح قبل ذلك فتكلم الناس في ذلك فقالوا: كيف هذا صار ان اغنامنا هلكت من الجوع، واغنام حليمة ودوابها تروح بطينة تكاد تتفزر، وضروعها حفلة، فقالت حليمة لزوجها يا فلان أتسمع الناس ما يقولون ؟ قال: يا حليمة قد رمى الناس غنمك ودوابك بابصارهم فاني خائف على أموالنا أن تهلك من أعين الناس، فقالت له حليمة: كلا - وكانت موفقة - والله يا فلان إنا لاكرم على الله من هؤلاء الناس، وإلهنا رزقنا ما ترى حتى يكون لدينا عظيما فلما انتشى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وصار يخرج مع الرعاة الى البرية كان يتجلى له جبريل (عليه السلام) فيفزع ففطنت به حليمة فكانت تكتم ذلك زمانا حتى أتاها صبي من الصبيان فاخبرها بخبره فلم تدر حليمة ما تصنع، فاغتمت لذلك غما شديدا، وكان رسول الله من اسرع الناس شبابا حتى أوحى الله إليه، فامنت به حليمة وزوجها وعلما انه نبي مرسل مما كانا يرياه في منازلهما من الخير والبركة فكان هذا من دلائله (عليه السلام). 24 - وعنه عن جعفر بن محمد بن مالك وكان جعفر بن مالك راويا علوم آل محمد (عليهم السلام) قال: - وكان الحسن عمه من فقهاء شيعة آل محمد - (عليهم السلام): حدثنا محمد بن احمد عن حمران بن اعين عن جابر بن يزيد الجعفي عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: لما أظهر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الرسالة والوحي بمكة واراهم الآيات العظيمة والبراهين المبهرة تحيرت قبائل قريش من بني امية وبني تيم وعدي فيما اتى به النبي


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 71 ]

(عليه السلام) اجتمع بعضهم الى بعض وقالوا لذي الرأي منهم ماذا ترون من الرأي في ما ياتي به محمد مما لا يقدر عليه احد من السحرة والكهنة والجن واتى بشئ لا يقدر ان ياتي به ممن ذكرناه احد حتى نسال محمدا من اين اتى به فلم يدع بدينه الى الانبياء والرسل ولا الكهنة والسحرة ولا الجن المسخرة لسليمان بن داود ولا معجزة الا وقد أتاهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بمثلها واعظم منها فقال بعضهم لبعض: اجمعوا على ان نساله أن يشق لنا القمر في السماء وينزله الى الارض شعبتين فان القمر ما سمعنا من سائر النبيين أحدا يقدر عليه كما قدر على الشمس فانها رجعت ليوشع بن نون (عليه السلام) وصي موسى بن عمران (صلوات الله عليه) وكانوا يظنون ان الشمس لا ترد من مغربها، فمن ذلك ابراهيم (عليه السلام) قال: (ان الله ياتي بالشمس من المشرق فات بها من المغرب فبهت الذي كفر) وهو النمرود ثم ردت على يوشع بن نون على عهد موسى (عليه السلام) فاجمعوا امرهم وجاؤوا الى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا له: يا محمد قد جعلنا بينك وبيننا آية ان اتيت بها آمنا بك وصدقناك، قال لهم رسول الله اسالوني فاني أنبئكم بكل آية لو كنتم تؤمنون بالله ورسوله. فقالوا: يا محمد الوعد بيننا وبينك سواد الليل وطلوع القمر، تقف على المشعرين فتسال ربك الذي تقول انه ارسلك رسولا ان يشق لك القمر شعبتين، وينزله من السماء حتى ينقسم قسمين، ويقع القسم الواحد على المشعرين، والقسم الثاني على الصفا. فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): فهل انتم مؤمنون بما قلتم انكم تؤمنون بالله ورسوله. قالوا: نعم يا محمد، وتسامع الناس وأتوا الى سواد الليل فاقبل الناس يهرعون الى البيت وحوله حتى اقبل الليل واسود وطلع القمر وأنار،


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 72 ]

والنبي (صلى الله عليه وآله) وامير المؤمنين (عليه السلام) ومن آمن بالله ورسوله يصلون على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويطوفون حول البيت، فاقبل أبو جهل وابو سفيان على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقالوا له: الآن بطل سحرك وكهانتك، هذا القمر فاوف بعهدك، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): قم يا ابا الحسن قف بجانب الصفا، وهرول الى المشعرين وناد بهذا اظهارا وقل في ندائك: " اللهم رب هذا البيت الحرام والبلد الحرام وزمزم والمقام ومرسل هذا الرسول التهامي أئذن للقمر أن ينشق وينزل الى الارض فيقع نصفه على الصفا ونصفه على المشعرين فقد سمعت سرنا ونجوانا وانت بكل شئ عليم ". فتضاحكت قريش وقالوا ان محمدا استشفع بعلي لانه لم يبلغ الحلم، ولا ذنب له فقال أبو لهب (لعنه الله) لقد اشمتنا الله بك يا ابن اخي في هذه الليلة. فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اخس يا من أتب الله يديه، ولم ينفعه ماله ولا بنوه، وتبين مقعده في النار. فقال أبو لهب: لافضحنك في هذه الليلة بالقمر وشقه وانزاله الى الارض ولافلت كلامك هذا الذي إذا كان غدا جعلته سورة، وقلت هذا اوحى الى ابي لهب. قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) امض يا علي فيما أمرتك واستعذ بالله من الجاهلين، ثم هرول امير المؤمنين من الصفا الى المشعرين، ونادى واسمع بالدعاء فما استتم كلامه حتى كادت الارض ان تسيخ باهلها والسماء ان تقع فقالوا: يا محمد لقد اعجزك شق القمر اتيتنا بسحرك لتفتنا فيه، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هان عليكم بما دعوت به فان السماء والارض لا يهون عليهما بذلك ولا يطيقان سماعه، فقوموا باجمعكم وانظروا الى القمر قال: ثم ان القمر انشق


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 73 ]

نصفين نصفا وقع على الصفا ونصفا وقع على المشعرين، فاضاءت داخل مكة وأوديتها وصاح المنافقون: اهلكنا محمد بسحره يا محمد افعل ما شئت فلن نؤمن بك ولا بما جئتنا به. ثم رجع القمر الى منزله من الفلك واصبح الناس يلوم بعضهم بعضا ويقولون برأيهم: والله لنؤمنن بمحمد ولنقاتلنكم معه مؤمنين فقد سقطت الحجة وتبين الاعذار وانزل في ذلك اليوم سورة ابي لهب واتصلت به فقال: ان محمد فعل ما قلته له في تأليفه له في هذا الكلام ليشنعني به، والله اني لاعلم ان محمدا يعاديني لكفري به وتكذيبي له من بين بني عبد المطلب وخاصة لسبب العباس فانه انكره اولاد عبد المطلب لما اتت امه بتلك الفاحشة واحرقها ابونا عبد المطلب على الصفا وكان اشدهم له جحدا الحارث والزبير وابو طالب وعبد الله فحلفت باللات والعزى انه من ابناء عبد المطلب حتى الحقت العباس بالنسب فمن اجل ذلك الف هذا ويزعم انها سورة انزلها الله عليه، فوحق اللات والعزى لو اتى محمد بما يملا الافق من المدح ما آمنت به ولا فيما جاء به ولو عذبني رب الكعبة بالنار. فامن في ذلك اليوم ستمائة واثنا عشر رجلا واكثرهم اسر ايمانه وكتمه الى ان جاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الى المدينة ومات أبو لهب (لعنه الله) وقتل أبو جهل وأسر أبو سفيان ومعاوية يوم فتح مكة والعباس وزيد بن الخطاب وعقيل بن ابي طالب واسر كثير منهم مقدار ثمانين رجلا تحت القدم فكانوا طلقاء لم ينفعهم ايمانهم وهم لا ينظرون فكان هذا من دلائله (عليه السلام). 25 - وعنه عن ابي بصير عن ابي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: لما ظهرت نبوة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بمكة عظم على قريش امره ونزول الوحي عليه وما كان يخبرهم به قال بعضهم لبعض: ليس لنا إلا قتل محمد، وقال أبو سفيان: انا اقتله لكم قالوا: وكيف


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 74 ]

تصنع ذلك قال: انه بلغنا انه يظل في كل ليلة في مغارة الجبل أو في الوادي وقد عرفت انه في هذه الليلة يمضي الى جبل حراء فيظل فيه قالوا: ويحك يا ابا سفيان انه لا يمشي عليه احد الا قذفه حتى يقطعه قطعا وكيف يمضي محمد إليه فبعثوا الى رصادهم على النبي فقالوا: تجسسوا لنا عليه اين يظل في هذه الليلة ودوروا من حول حراء فلعل تلقون محمدا فتقتلوه فنكفى مؤونته فلما جن عليه الليل أخذ بيد امير المؤمنين وخرج واصحابه لا يشعرون وابو سفيان وجميع الرصدة مقنعون من حول الجبل فما شعروا حتى وافى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وامير المؤمنين (عليه السلام) بين يديه وصعدا جبل حراء فلما دارا في دورة الجبل اهتز الجبل وماج ففزع أبو سفيان ومن معه وتباعدوا من الجبل وقالوا: قد كفينا مؤونة محمد وقد قذفه حراء وقد قطعه، فاطلبوا من حول الجبل فسمعوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يقول اسكن يا حراء فما عليك الا نبي ووصي فقال أبو سفيان: سمعت محمدا يقول يا حراء ان قرب منك أبو سفيان ومن معه فارمهم بهوامك حتى تنهشهم فتجعلهم حصيدا خامدين. قال أبو سفيان: ويلبيه من حول جوانبه ويقول سمعا وطاعة يا رسول الله لك ولوصيك علي فسعينا على وجوهنا خوفا ان نهلك بما قاله محمد وأصبحوا واجتمعت قريش فقصوا قصتهم وما كان من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وما خاطبه به حراء فقال: أبو جهل (لعنه الله): فماذا انتم صانعون ؟ قالوا: انك سيدنا وكبيرنا، فقال لهم: لو نكافح محمدا بالسيف غلبناه ام غلبنا وفي أحدى القتلتين راحة. فقال أبو سفيان: قد بقي لي كيد اكيده فقالوا له: وما هو يا ابا سفيان ؟ فقال خبرت انه سيتظل من حر الشمس تحت حجر عال وفي يومنا هذا قد اتى الحجر واستظل به فنهده عليه بجمع ذي قوة فلعلنا نكفى مؤنته فقالوا: افعل يا ابا سفيان، فبعث يرصد النبي (صلى الله عليه وآله


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 75 ]

وسلم) حتى عرف انه قد خرج وعلي (عليهما السلام) حتى أتيا الحجر فاستظلا به وجعل رأسه في حجر علي (عليه السلام) وقال: يا علي اني قد ارقد وابو سفيان ياتيك من وراء هذا الجبل بجمع ذي قوة فإذا صار في الحجر استصعب عليهم وامتنع ان تعمل فيه ايديهم فامر الحجر ان ينقلب عليهم فينقلب فيقتل القوم جميعا ويفلت أبو سفيان وحده. فقال أبو سفيان: لا تفزعوا من قول محمد فما قال هذا القول الا ليسمعنا فلا نمضي الى الحجر ومحمد راقد في حجر علي فراموا ان يهدوا الحجر ويقتلعوه فيقلبوه على رسول الله فاستصعب عليهم وامتنع منهم فقال اصحاب ابي سفيان: انا لنظن ان محمدا قد قال حقا نحن نعهد ان هذا الحجر يقلعه بعض عددنا فما باله اليوم مع كثرتنا لا يهتز فقال أبو سفيان: اصبروا عليه. ثم احس بهم امير المؤمنين فصاح بالحجر: انقلب على القوم فاتى عليهم غير صخر بن حرب فما استتم من كلامه، حتى انقلب الحجر عليهم فتفرقوا فامتد عليهم الحجر وطال حتى كسر القوم جميعا تحته غير ابي سفيان فانه اقبل يضحك ويقول: يا محمد، لو احييت لنا الموتى وسيرت الجبال واعطاك الله كل شئ لعصيتك وحدي فسمع كلامه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال له ويلك يا ابا سفيان والله لتؤمنن بي وتطيعني مكرها مغلوبا إذا فتح الله مكة. فقال أبو سفيان وقد اخبرت يا محمد بفتح مكة وايماني بك وطاعتي إياك فهذا ما لا يكون ففتح الله على رسول الله مكة واسر أبو سفيان وأمن كرها وأطاع صاغرا مغلوبا. قال أبو عبد الله الصادق (عليه السلام): ولقد والله دخل أبو سفيان بعد فتح مكة على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو على المنبر يوم الجمعة بالمدينة فنظر أبو سفيان الى اكابر ربيعة واليمن ومصر وساداتهم في المسجد يزاحم بعضهم بعضا فوقف أبو سفيان متحيرا وقال: يا


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 76 ]

محمد قدرت ان هذه الجماعة تذل لك حتى تعلو دعواك هذه وتقول ما تقول فقطع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خطبته وقال له: على رغمك يا ابا سفيان فسكت أبو سفيان خجلا وقال في نفسه: والله يا محمد لئن امكنني الله منك لاملان يثرب خيلا ورجالا ولاخمدن نارك ولاعفرن اثارك فقطع النبي خطبته وقال: يا ويلك يا ابا سفيان اما بعدي فيتقدمك من هو اشقى منك وأما بعهدي فلا وبعدي يكون منك ومن اهل بيتك ما تقول في نفسك الا انك لا تطفي نوري ولا تقطع ذكري ولا يدوم لكم ذلك وليسلبنكم الله اياه ويخلدكم النار وليجعلنكم شجرتها التي هي وقودها الناس فمن اجل ذلك قال الله سبحانه وتعالى: (الشجرة الملعونة في القرآن) الى تمام الآية والشجرة هي بنو أمية وهم اهل النار فكان هذا من دلائله (عليه السلام). 26 - وعنه عن الحسن بن محمد بن جمهور عن ابيه محمد بن جمهور عن محمد بن عبد الله بن مهران عن محمد بن صدقة العنبري التميمي عن ابي المطلب جعفر بن محمد بن المفضل بن عمر، عن الصادق (صلوات الله عليه) قال: لما سال عبد الله بن سلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن تلك المسائل وأجابه عنها فقال عبد الله بن سلام وقد اسلم يا رسول الله هذا علم قد جاءك من الله على ألسن البشر أو على ألسن الملائكة ؟ فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويحك يا عبد الله البشر كيف آخذ عنهم ؟ والله ما أتاني به الا جبريل عن الله. قال: وكيف تسمعه يا رسول الله قال: يا ابن سلام سماعا باذني ومنزلا على قلبي قال ابن سلام تعلم الغيب سماعا يا رسول الله بسمعك ومنزلا على قلبك ؟ قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الغيب درجات منها سماع، ومنها نبت في القلب. قال: يا رسول الله فمن لك بذلك نسمعه ونعلمه قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما في نفسك يا ابن سلام من قولك أو من فلعل


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 77 ]

ما جاء به محمد حق قال ابن سلام: ومتى قلت هذا يا رسول الله في نفسي ؟ قال يا ابن سلام: الساعة بين قولك لي فحسن اسلامه بهذه الدلالة. 27 - وعنه قال حدثني أبو الحسين محمد بن يحيى، قال: حدثني أبو عبد الله بن زيد، عن الحسين بن موسى عن ابيه موسى بن جعفر، عن ابيه جعفر بن محمد الصادق عن محمد بن علي الباقر (عليما السلام)، قال أبو جعفر لجابر بن يزيد الجعفي: يا جابر ان نفرا من شيعتنا في الحديقة قد اجتمعوا للحديث والتذكار وقد وجدوا في حديثهم حديث أصحاب العقبة الذين هم أصحاب الدباب وشكوا في عدتهم فارسل إليهم لياتوا إلينا فنخبرهم بعددهم وأسمائهم وأنسابهم وكيدهم لجدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في ليلة العقبة، فبعث جابر بن يزيد الجعفي إليهم واحضرهم على الباب وأذن لهم أبو جعفر (عليه السلام) فدخلوا عليه فقال لهم: ما لكم تشكون ونحن بين أظهركم تلقونا صباحا ومساء ؟ فقال القوم فرج الله عنك يا سيدنا. وقال أبو جعفر (عليه السلام): تكلموا يرحمكم الله. فقالوا: بعلة خطايانا وكثرة ذنوبنا تحول بيننا وبين ما ذكرت لنا جزاك الله خيرا من إمام خبير أخبرنا يا سيدنا بقصة أصحاب العقبة. قال أبو جعفر (عليه السلام): أخبركم بقصتهم وعدد أسمائهم فقال القوم: فرج عنا فرج الله عنك يا سيدنا فقال أبو جعفر: اعلموا رحمكم الله ان الارض لم تقل والسماء لم تظل على احد من الكفار الا الاثني عشر اصحاب العقبة اشدهم لعنة وكفرا وجحدا ونفاقا لله ولرسوله منذ الذرو الاول فانهم بدو كفرهم (وإذ اخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم واشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى) فقال: ضليلهم وابليسهم الاكبر مكرها وقالوا مكرهين: نعم، وقال ابليسهم لجحده لا بغير نطق فاستحال ظلمة وكدرا واسر ما قال كما اسر عجل موسى بن عمران


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 78 ]

(عليه السلام) فسمعنا وعصينا فعلى ذلك الكفر والانكار وقول الطاغوت إبليسهم وجاؤوا معه الى علم الله الى أن ظهر وظهروا في الجان الذي خلقه الله من مارج من نار السموم فقد سمعتم ما كان منه من آدم والنداء له والنبيين والمرسلين والاوصياء والائمة الراشدين من قتل قابيل لهابيل، ونصبه لهم المنادة، الطاغية الباغية، العمالقة والفراعنة والطواغيت يكذبون الرسل والانبياء والاوصياء والائمة (عليهم السلام) ويردون عليهم ويدعون الربوبية والالهية من دون الله ويقتلونهم ومن آمن بهم وصدقهم وينظرون ممهلون الى يوم الوقت المعلوم. وقال القوم الى ابي جعفر (عليه السلام) يا سيدنا واولئك الاثنا عشر اصحاب عقبة الدباب هم ابليس ومن كان معه من الاحد عشر الاضداد ؟ قال: هو والله وهم والله خلقه، وان قلت ان هؤلاء اولئك حقا اقول. فقالوا يا سيدنا، نحب أن تعرفنا قصة اصحاب العقبة الاثني عشر. قال أبو جعفر: نعم اخبركم ان جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد سرى والليل مظلم معتم، وهو راكب ناقته العضباء، والمهاجرون والانصار من حوله فلما قرب من العقبة اجتمع الاثنا عشر المنافقون فقال ضليلهم وابليسهم زفر: يا قوم ان يكن يوم تقتلون فيه محمدا فهذا من لياليه، فقالوا: وكيف ذلك ؟ فقال لهم: اما تعلمون شر هذه العقبة وصعوبتها وهذا أوانه فانها لا يرقى فيها الناس الا واحدا بعد واحد لضيق المسلك. قالوا: ماذا نصنع وكيف نقتل محمد ؟ فقالوا ما يمكن أن نقتله ومن معه من المهاجرين والانصار فقالوا: وليس انما يصعد وحده قال لهم: لا تؤمنون ان يبدركم اصحابه فتقتلون قالوا: كيف نصنع ؟ قال نستأذنه بالتقدم والصعود في العقبة ونقول يا رسول الله فنسهل طريقها لك ونلقي من عسارة رصده بانفسنا دونك ولا تلقاه انت بنفسك فانه يحمدنا على ذلك


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 79 ]

ونتقدمه قالوا: اصنع ما ذكرت، فقا: قد فكرت في شئ عجيب نقتل به محمدا ولا يشعر بنا احد، فقالوا: صف لنا ما أنت صانع فقال لهم نكب هذه الدباب التي فيها الزيت والخل، ونلقي فيها الحصى ونقف في ذروة العقبة فإذا أحسسنا بمحمد يرقى العقبة، دحرجنا الدباب في هذه الظمة من ذروة العقبة، فتنحط على وجه الناقة في الجادة، لها دوي فتذعر الناقة في الجادة فترمي محمدا فيتقطع مع ناقته ونستريح ونريح العرب والعجم منه فقد اضلنا وجميع العالم بسحره وكذبه حتى ما لأحد معه طاقة. قالوا نعم ما رأيت ونعم ما احتلت واشرت فجاؤوا الى العقبة فقاموا بين يديه فقالوا: فديناك يا رسول الله بالآباء والأمهات قد وصلنا الى العقبة فنحن نقيك من كل سوء محذور، ائذن لنا ان نتقدم فنرقى هذه العقبة الصعبة ونستهل طريقها ونلقى رصدان المشركين في ذروتها فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) امضوا لشأنكم والله شاهد على ما تقولون، فقال أبو بكر - وقد تولى الى العقبة - ويحك يا عمر سمعت كلام محمد واني لأخشى ان يكون قد علم بما اسررنا فنهلك، فقال له عمر: لا تزال خائفا وجلا مرعوبا حتى كان ما اتينا به ليس بحق خل عن الصعود، فانا اتقدمك والجماعة. قال فتقدم عمر وتلاه أبو بكر وطلحة والزبير وتلاهم سعد بن أبي وقاص وتلاه أبو عبيد بن الجراح وخالد بن الوليد والمغيرة بن شعبة وابو موسى وصاروا في ذروة العقبة وكبوا ما كان في دبابهم من الزيت والخل وطرحوا فيها الحصى وكبروا وصاحوا يا معاشر المهاجرين والأنصار خبروا رسول الله ما في ذروة العقبة ولا في ظهر الجبل رصدة ولا غيرة من المشركين فتقدم رسول الله (صلى الله عليه وآله) على ناقته العضباء فصعدوهم يرون من ذروة العقبة ضياء وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله) كدارة القمر يجلو ذلك الليل فقال أبو بكر: ويحك يا عمر، مع محمد مصباح ؟ قال: لا، قال: ما هذا الضياء الذي قد اضاء بين يديه وحوله ؟ فقال: شئ من سحره الذي نعرفه فاقبل أبو بكر يتوارى فلما


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 80 ]

احسوا بالناقة في ثلثي العقبة دحرجوا الدباب في وجهها فنزلت ولها دوي كدوي الرعد فنفرت الناقة، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ان الله معنا فاسرع امير المؤمنين (صلوات الله عليه) وكان يتلوه من ورائه في الطريق وقال: لبيك لبيك يا رسول الله وتلقته الدباب فاقبل يأخذها برجله فيطحنها واحدة بعد واحدة وضج المهاجرون والانصار فصاح بهم امير المؤمنين (عليه السلام): لا تخافوا ولا تحزنوا فقد مكروا ومكر الله والله خير الماكرين. وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد نزل عن الناقة في وقت نفورها واخذ جبريل (عليه السلام) زمام الناقة في العقبة في اغصان دوحة كانت بجانب المسلك في العقبة وسمع للناقة صريخ والشجرة تنادي يا رسول الله قد عقد خطام ناقتك في اغصاني. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يا اخي جبريل ما هذه الدوحة التي تكلمني فقال: يا حبيب الله ورسوله هذه الدوحة، اثلة من نبات الأرض التي تحتها ولد ابوك ابراهيم الخليل (عليه السلام) وهي لك يا رسول الله محبة، والله أذن لها ان تكلمك فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): اللهم بارك في الأثل كما باركت في السدر وقدم جبريل (عليه السلام) الناقة من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى ركبها وسار وهي تمر كمر السحاب وقرب ما كان بعيدا من مسلك هذه العقبة حتى صار كالأرض البسيطة قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فديتك يا ابا الحسن ناد بالمهاجرين والانصار فلما صاروا على ذروة العقبة مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) اجتمعوا من حوله وقالوا فديناك بالآباء والأمهات يا رسول الله ما هذا الكيد ؟ ومن اكادك ؟ فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله): سيروا على أسم الله وعونه، وانزلوا الى الأرض فاني مخبركم بهذا الكيد ومن هو اكادني، والمهاجرون والانصار يظنون ذلك من مشركي قريش ورصادهم زيادة الاثني عشر


--------------------------------------------------------------------------------

 [ 81 ]
اصحاب الدباب فنزلوا اكثر الناس واختار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سبعين رجلا فقال لهم: قفوا معنا في ذروة العقبة، فانكم تعلمون ما انا صانع فلما لم يبق غير رسول الله (صلى الله عليه وآله) وامير المؤمنين والسبعون رجلا قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): هل رأيتم ما صنع هؤلاء الاشقياء الضالون المضلون من كبهم ما كان في الدباب من زادهم وطرحهم فيها الحصا وارسالها في وجه الناقة - ناقتي - مقدرين نفورها بي وسقوطي عنها من ذروة العقبة، فأهلك وتقطعني الناقة، وقص عليهم ما قاله الاثني عشر اصحاب الدباب وما تشاوروا فيه من اول امرهم الى آخره. ثم قال: اني مختار منكم اثني عشر نقيبا يكونوا سعداء في الدنيا والآخرة كما الاثني عشر اصحاب الدباب اشقياء في الدنيا والآخرة فلباه السبعون رجلا وقال كل واحد منهم: اللهم اجعلني من الاثني عشر نقيبا واختار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من السبعين رجلا اثني عشر نقيبا: اولهم أبو الهيثم مالك بن التيهان الاشهلي الانصاري، والبراء بن مغرور الانصاري، والمنذر بن لوذان، ورافع بن مالك الانصاري، واسيد بن حضير، والعباس بن عبادة (بن نضلة الانصاري)، وعبادة بن الصامت النوفلي، وعبد الله بن عمر بن حزام الانصاري، وسالم بن عمير الخزرجي، وابي بن كعب، ورافع بن ورقا، وبلال رياح الشنوي. فقال حذيفة بن اليمان: والله ما حسدت احدا ولا خلقني الله حاسدا ولكني سألت الله (عز وجل) وتمنيت ان اكون من هؤلاء الاثني عشر نقيبا فان لله ما يشاء، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أذن مني يا ابا عبد الله، فمسح يده على ظهره وقال ما يكفيك يا ابا عبد الله يا حذيفة ان يعطيك الله علم المنايا والبلايا الى يوم القيامة ؟ فقال: بلى يا رسول الله ولله الحمد، ولك يا رسول الله ثم خص رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كلا من السبعة وخمسين رجلا الباقين من السبعين رجلا


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 82 ]

شيئا من فضله. قال الحسين بن حمدان: انما لم اذكر ما خصهم به رسول الله فقال حذيفة بن اليمان: اتأذن لي يا رسول الله ان أؤذن في العسكر فأجمع جميعهم مصرحا بأسمائهم اصحاب الدباب وألعنهم رجلا رجلا ؟ فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) افعل إذا شئت فصاح حذيفة في ذروة العقبة مسمعا جميع العسكر الذي نزل الى الأرض من جانب العقبة الى الآخر وهو يقول: الله اكبر، الله اكبر، اشهد أن لا اله الا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، أمرني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن أفضح من دحرجوا الدباب منكم، ايها المنافقون الفاسقون المفترون على الله ورسوله، اسمعوا يا معاشر المهاجرين والأنصار ان عدد اصحاب الدباب اثنا عشر رجلا، وسماهم ونسبهم رجلا رجلا، ثم قال هذا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد لعنهم ولعنهم امير المؤمنين ولعنهم السبعون رجلا وأمرني أن ألعنهم ولعنهم حذيفة بن اليمان وهو ينادي ملء صوته: يا فلان يا فلان الفلاني: ان الله ورسوله لعنك لعنا كثيرا بقيا عليك في الدنيا والآخرة ولا يزول ثبوته ولا يعفو ولا يصفح من الله حتى اتى على آخرهم عدد ا لاثني عشر رجلا أصحاب الدباب باسمائهم وانسابهم في صعودهم العقبة واحدا بعد واحد بعد واحد فكان هذا من حديث اصحاب العقبة واصحاب الدباب. قال الحسين بن حمدان الخصيبي، حدثني جعفر بن مالك، عن يحيى بن زيد الحسيني، عن أبيه زيد عن عبد الله، عن الحسين بن موسى بن جعفر عن أبيه جعفر بن محمد الصادق عن أبيه محمد الباقر عن أبيه علي بن الحسين (صلوات الله عليهم) قال لما لقيه جابر بن عبد الله الانصاري برسالة جده رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) الى ابنه محمد الباقر قال له علي بن الحسين: يا جابر كنت شاهدت جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم الغار ؟ قال جابر لا يا ابن بنت


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 83 ]

رسول الله، قال: اذن احدثك يا جابر، قال جابر: حدثني فداك أبي وأمي، فقد سمعته من جدك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لما هرب الى الغار من مشركي قريش حين كبسوا داره لقتله قال: اقصدوا فراشه حتى نقتله فيه، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لأمير المؤمنين علي بن ابي طالب (صلوات الله عليه): يا اخي ان مشركي قريش يكبسوني في داري هذه الليلة في فراشي فما أنت صانع يا علي. قال له امير المؤمنين أنا أضطجع يا رسول الله في فراشك وتكون خديجة في موضع من الدار، واخرج واصحب الله حيث تأمن على نفسك فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): فديتك يا ابا الحسن اخرج لي ناقتي العضباء حتى أركب عليها واخرج الى الله تعالى هاربا من مشركي قريش و افعل بنفسك ما تشاء، والله خليفتي عليك وعلى خديجة فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) راكبا ناقته العضباء وسار وتلقاه جبرئيل (عليه السلام) فقال له: يا رسول الله ان الله أمرني أن أصبحك في مسيرك وفي الغار الذي تدخله وارجع معك إلى المدينة إلى أن تنيخ ناقتك بباب أبى ايوب الأنصاري (رضي الله عنه). فتلقاه أبو بكر، فقال له يا رسول الله أصبحك، فقال: ويلك يا ابا بكر أريد أن لا يشعر بي احد، فقال يا رسول الله اخشى أن يستحلفني المشركون على لقائي إياك ولا أجد بدا، من صدقهم، فقال له (عليه السلام): ويحك يا ابا بكر، وكنت فاعلا ذلك ؟ فقال له: كنت افعل لئلا اكذب واقتل، فقال له (عليه السلام): فما صحبتك إياي بنافعتك، فقال له أبو بكر ولكنك تستغشني وتخشى أن أنذر بك المشركين، فقال له (عليه السلام) سر إذا شئت فتلقاه الغار فنزل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن ناقته وأبركها بباب الغار ودخل ومعه جبريل (عليه السلام) وأبو بكر، وقامت خديجة في جانب الدار باكية على رسول الله (صلى الله عليه وآله) واضطجع علي على فراش رسول الله يقيه


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 84 ]

بنفسه، ووافى المشركون الدار ليلا فتساوروا عليها ودخلوها وقصدوا الى الفراش فوجدوا امير المؤمنين (عليه السلام) مضطجعا فيه، فضربوا بأيديهم إليه وقالوا: يا ابن ابي كبشة لم ينفعك سحرك ولا خدمة الجن لك اليوم نسقي اسلحتنا من دمك. فنهض امير المؤمنين (عليه السلام) ليريهم انهم لم يصلوا إليه، وجلس في الدار وقال: يا مشركي قريش انا علي بن أبي طالب، قالوا له: واين محمد يا علي ؟ قال: حيث يشاء الله، قالوا: فمن في الدار ؟ قال ما فيها الا خديجة، قالوا: الحسيبة النسيبة لولا تبعلها بمحمد يا علي واللات والعزى لولا حرمة ابيك وعظم محله في قريش لاعملنا اسيافنا فيك فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): يا مشركي قريش اعجبتكم كثرتكم، وفالق الحبة وبارئ النسمة ما يكون الا ما يريد الله تعالى، ولو شئت ان افني جمعكم لكنتم اهون علي من فراش السراج فلا شئ اضعف منه. فتضاحك المشركون وقال بعضهم لبعض: خلوا عليا لحرمة ابيه واقصدوا الطلب الى محمد، ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في الغار وهو وجبريل (عليه السلام) وابو بكر معه فحزن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على خديجة فقال جبريل (عليه السلام): (لا تحزن ان الله معنا) ثم كشف له (عليه السلام) فرأى عليا وخديجة (عليهما السلام) ورأى سفينة جعفر بن ابي طالب (عليه السلام) ومن معه تعوم في البحر، فانزل الله سكينته على رسوله وهو الأمان مما خشيه على علي وخديجة، فانزل الله (تاتي اثنين) يريد جبريل (عليه السلام) ورسول الله (إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن ان الله معنا فانزل الله سكينته عليه) ولو كان الذي حزن أبو بكر لكان أحق بالأمن من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم يحزن. ثم ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لأبي بكر: يا أبا بكر اني


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 85 ]

أرى عليا وخديجة ومشركي قريش وخطابهم له وسفينة جعفر بن ابي طالب ومن معه تعوم في البحر وراى الرهط من الانصار مجلبين في المدينة، قال أبو بكر: وتراهم يا رسول الله في هذه الليلة، وفي هذه الساعة، وأنت في الغار، وفي هذه الظلمة، وما بيننا وبينهم من بعد المدينة ؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآ له) إني أريك يا ابا بكر ما رأيت حتى تصدقني ومسح يده على بصره فقال له: انظر الى سفينة جعفر، كيف تعوم في البحر، فنظر أبو بكر الى الكل من مشركي قريش وعلي على الفراش وخطابه لهم، وخديجة في جانب الدار، ففزع ورعب وقال يا رسول الله لا طاقة لي بالنظر الى ما رأيته فرد علي غطائي فمسح يده على بصره فحجب عما رآه واخذته رهقة، شديدة حتى أحدث اثني عشرة حفيرة. وروي أنه كان في الغار صدع وثلمة يدخل منها ضياء النهار، فوضع أبو بكر كعبه فيه لسده فنهشته افعى في عقبه ولم تسمه ففزع وأحدث في الحفرة، وليس هذا صحيحا بل الاول اصح في الاحداث. وقصد المشركون في الطلب لقفوا اثره حتى جاؤوا الى باب الغار ونظروا الى مبرك الناقة ولم يروها، وقالوا: هذا اثر ناقة محمد ومبركها في باب الغار فدخلوا فوجدوا على باب الغار نسج العنكبوت قد اظله، فقالوا: يا ويلكم ما ترون الى نسج هذا العنكبوت على باب الغار فكيف دخله محمد ؟ فصدهم الله عنه ورجعوا وخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من الغار وهاجر الى المدينة وخرج أبو بكر فحدث المشركين بخبره مع رسول الله وقال لهم لا طاقة لكم بسحر محمد وقصص يطول شرحها. قال جابر ابن عبد الله الانصاري هكذا والله يا ابن رسول الله حدثني جدك ما زاد حرفا ولا نقص حرفا. 28 - وعنه عن أبي الفوارس محمد بن موسى بن حمدون العدوي، قال: حدثني العباس بن عبد اله قال: حدثنا موسى بن مهران البصري،


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 86 ]

عن أبي داود القدوسي عن عروة عن عائشة قالت: لما فتح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خيبر أصابوا أواني من ذهب وفضة وازواجا من خفاف ونعالا وحمارا اقمر فلما ركبه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال له: يا حمار ما اسمك ؟ قال: عتيق ابن شهاب ابن حنيفه، قال: لمن كنت ؟ قال: لرجل يهودي، يقال له مرحب وكنت إذا ذكرت يسبك، وكنت إذا ركبني كبوت به على وجهه، وكان يسئ الي، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): هل لك من إرب وحاجة تريد أن أعطيك من الاناث شيئا ؟ قال: لا، قال: ولم ذلك ؟ قال حدثني ابي عن ابيه وعن اجداده أنه ركب نسلنا سبعون نبيا وان آخر نسلنا يركبه نبي يقال له محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) واحب ان اكون آخر نسل فمكث عند رسول الله الى ان توفي رسول الله (عليه السلام) ومكث الحمار ثلاثة ايام بعده وتوحل في بئر فمات. 29 - وعنه قال حدثني جعفر بن القصير، عن اسماعيل القمي عن شاذان بن يحيى الفارسي، عن ماهان الابلي عن محمد بن سنان الزاهري قال: حججنا فلما اتينا المدينة وبها سيدنا جعفر الصادق (صلوات الله عليه) دخلنا عليه فوجدنا بين يديه صحف فيها تمر من تمر المدينة وهو يأكل منه ويطعم من بحضرته فقال لي هاك يا محمد بن سنان هذا التمر الصيحاني، كله وتبرك به فانه يشفي شيعتنا من كل داء إذا عرفوه، قلت: مولاي عرفوه بماذا ؟ يدعى صيحانيا، قال: عند العامة هفوة وينبغي ان يسمى التمر باسم غير هذا الكلام والله اعلم، قلت: لا والله يا مولاي ما نعلم هذا الا منك، قال: نعم، يا ابن سنان هو من دلائل جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وامير المؤمنين قلت: مولاي انعم علينا بمعرفته انعم الله عليك. قال خرج جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قابضا على يد امير المؤمنين متوجها نحو حدائق ظهر المدينة فكل من لقيه استأذنه في


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 87 ]

صحبته، ولم يؤدن له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى انتهى الى اول نخلة فصاحت الى التي تليها هذا آدم وشيث قد اقبلا، وصاحت الاخرى الى التي تليها: يا اختي هذا نوح وسام قد اقبلا، وصاحت الاخرى التي تليها: يا اختي هذا يعقوب ويوسف قد اقبلا، وصاحت الاخرى إلى التي تليها: يا اختي هذا موسى ويوشع قد اقبلا، وصاحت الاخرى الى التي تليها: يا اختي هذا سليمان وآصف قد اقبلا، وصاحت الاخرى الى التي تليها: يا اختي هذا عيسى وشمعون الصفا قد اقبلا وصاحت الاخرى الى التي تليها: يا اختي هذا محمد رسول الله وامير المؤمنين علي بن ابي طالب قد اقبلا، وصاح سائر النخل في الحدائق بعضه الى بعض بهذا. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأمير المؤمنين (عليه السلام) فديتك بابي وأمي يا أبا الحسن هذا ذكرى لنا فاجلس بنا عند أول نخلة ننتهي إليها فلما انتهيا جلسا وما كان أوان حمل النخل فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): يا ابا الحسن مر هذه النخلة تنثني إليك وكانت النخلة باسقة فدعاها أمير المؤمنين (عليه السلام) وقال: يا ايتها النخلة هذا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول لك أن تنثني إلى الأرض فانثنت إلى الأرض وهي مملوءة حملا رطبا جنيا، فقال له يا ابا الحسن: التقط وكل واطعمني فالتقط امير المؤمنين (عليه السلام) من رطبها واكل منها فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يا ابا الحسن ان هذا النخل ينبغي ان نسميه صيحانيا لتصايحه وتشبيهه لي ولك بالنبيين والمرسلين وهذا اخي جبريل (عليه السلام) يقول ان الله (عز وجل) جعله شفاء الى شيعتنا خاصة فأمرهم يا ابا الحسن بمعرفته ان يستضيئوا ويتبركوا بأكله ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يا نخلة اظهري لنا من اجناس ثمر الأرض فقالت: لبيك يا رسول الله حبا وكرامة فاظهرت النخلة من كل الاجناس، فاقبل جبريل (عليه السلام) يقول:


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 88 ]

ها يا نخلة، ان الله قد امرك ان تخرجي من كل جنس لرسول الله وحبيبه محمد واخيه ووصيه من اجناس الثمر، فاقبل جبريل (عليه السلام) يلقطه ويضعه بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام) فاكلا من كل جنس، فمرة يأكل امير المؤمنين نصفها ورسول الله نصفها وجبريل (عليه السلام) يقول يا رسول الله لوددت اني ممن يأكل الطعام فاستشفي الله واتبرك بفضل سؤرك، وسؤر امير المؤمنين وقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يا حبيبي جبريل فإن الله قد فضلك علينا فقال جبريل (عليه السلام) والله يا رسول الله ما فضلي الا بكما، انكما احب خلقه إليه واقربهم منه وازلفهم لديه. قال الصادق جعفر بن محمد (صلوات الله عليهما) فارتفعت النخلة وحدث رسول الله وامير المؤمنين شيعتنا بخبرها وقصة تلك النخلة من دلائله وعجائبه (عليه السلام والتحية والاكرام).


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 89 ]

الباب الثاني باب أمير المؤمنين (عليه السلام)


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 91 ]

مضى علي أمير المؤمنين وله ثلاث وخمسون سنة، في عام الأربعين من اول سني الهجرة، وكان مقامه بمكة مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثلاثا وعشرين سنة، منها ثلاث عشرة سنة في ظهور الرسالة، وأقام معه بالمدينة عشر سنين، ثم قبض النبي (صلى الله عليه وآله) وأقام بعده أيام ابي بكر سنتين وشهور، وأيام عمر تسع سنين وشهور، وأيام عثمان اثنتي عشرة سنة، وأيامه (عليه السلام) ست سنين، الجميع ثلاثون سنة. ومضى بضربة عبد الرحمن بن ملجم المرادي في ليلة الجمعة لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان. وكان اسمه عليا وفي القرآن مبينا، قوله في قصة ابراهيم (عليه السلام)، (واجعل لي لسان صدق في الآخرين) وقوله تعالى اجابة لإبراهيم (عليه السلام): (ووهبنا له اسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا) وقوله: (وانه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم) وله في القرآن ثلثمائة اسما. ورويت الاسانيد الصحيحة ووجدت في قراءة عبد الله بن مسعود


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 92 ]

(رضي الله عنه) الذي قال النبي (صلى الله عليه وآله) من اراد أن يسمع القرآن غضا طريا كما انزله الله تعالى فليسمعه من فم عبد الله بن مسعود، وبهذا كان يدعوه رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأبيه، ففي قراءته: (ان علينا جمعه وقرآنه، فإذا قرأناه فاتبع قرآنه، ثم ان علينا بيانه) (1)، وقوله تعالى: (انما أنت منذر ولكل قوم هاد) والمنذر رسول الله (صلى الله عليه وآله) والهادي علي (عليه السلام). وقوله تعالى: (أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه) والشاهد منه علي (عليه السلام). وقوله عز وجل: (عم يتساءلون عن النبإ العظيم الذي هم فيه مختلفون) وقول أمير المؤمنين (عليه السلام) لعلي بن دراع الاسدي وقد دخل عليه وهو محتب في جامع الكوفة فوقف بين يديه، فقال: قد أرقت مدى ليلتك، فقال له: ما اعلمك يا امير المؤمنين بأرقي ؟ فقال: ذكرتني والله في ارقك، فإن شئت ذكرتك وأخبرتك به فقال علي بن دراع: أنعم علي يا أمير المؤمنين بذلك، فقال له: ذكرت في ليلتك هذه قول الله (عز وجل): (عم يتساءلون، عن النبإ العظيم الذي هم فيه مختلفون) فأرقك وفكرك فيه وتالله يا علي ما اختلف الملأ إلى بي وما لله نبأ هو أعظم مني، ولي ثلاثمائة اسم، لا يمكن التصريح بها لئلا يكبر على قوم لا يؤمنون بفضل الله (عز وجل) على رسوله وأمير المؤمنين والأئمة الراشدين. اسمه في صحف شيث وادريس ونوح وابراهيم وبالسرياني: مبين،


--------------------------------------------------------------------------------

 

(1) لا يخفى ان المتفق عليه بين المسلمين ان القرآن هو هذا الذي بين الدفتين لم يزد فيه ولم يغير شئ، وإن اختلاف القراءات في بعض الموارد، ووجود قراءة خاصة لاحد القراء لا يعني اختلاف نسخ القرآن، فالقرآن واحد.


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 93 ]

وباللسان العبراني الهيولى، والأمين، والثبات، والبيان، واليقين، والايمان، وفي التوراة: إليا، وفي الزبور: اريا، وبلغة الزنج: جينا، وبلسان الحبشة: تبريك، وسمي يوم القليب - وقد سقط عثمان في البدء من دابته الهلالية فعلق أمير المؤمنين برجله وأخرجه فسمته - ميمونا، وبلسان الأرمن: افريقا، وباللسان العربي: حيدرة. وسماه ابوه أبو طالب - وهو صغير وكان يصرع اكابر اخوته - ظهيرا. وكناه: أبو الحسن والحسين وابو شبر وابو شبير، وابو تراب، وابو النور، وابو السبطين، وابو الأئمة. وألقابه أمير المؤمنين، وهو اللقب الأعظم الذي خصه الله به وحده ولم يسم به احد قبله ولا يسمى به احد بعده إلا كان مأفونا في عقله ومأبونا في ذاته، وأمير النحل والنحل هم المؤمنون، والوصي، والامام، والخليفة، وسيد الوصيين، والصديق الأعظم، والفاروق الاكبر، وقسيم الجنة والنار، وقاضي الدين، ومنجز الوعد، والمحنة الكبرى، وصاحب اللواء، والذائد عن الحوض، ومهلك الجان، الأنزع البطين، والاصلع الأمين، وكاشف الكرب، ويعسوب الدين، وباب حطة، وباب المقام، وحجة الخصام، ودابة الأرض، وصاحب القضايا، وفاصل القضاء، وسفينة النجاة، والمنهج الواضح، والمحجة البيضاء، وقصد السبيل، وجزارة قريش، ومفتي القرون، ومكر الكرات، ومديل الدولات، وراجع الرجعات، والقوم الحديد، الذي هو في الله ابدا جديد. وامه فاطمة بنت اسد بن هاشم بن عبد مناف، ولم يكن في زمانه هاشمي ابن هاشمية غيره وغير اخوته جعفر وطالب وعقيل، وابنيه الحسن والحسين وابنتيه زينب وام كلثوم (عليهم السلام)، ومشهده في الذكوات البيض بالغريين غربي الكوفة. وفي مشهده خبر قال الحسين بن حمدان الخصيبي: حدثني احمد بن


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 94 ]

صالح، عن ابي هاشم داود بن القاسم الجعفري، عن ابي جعفر الإمام التاسع (عليه السلام) عن أبيه علي الرضا وموسى الكاظم وجعفر الصادق (عليهم السلام) ان الصادق (عليه السلام) قال لشيعته بالكوفة، وقد سألوه عن فضل الغريين والبقعة التي دفن فيها امير المؤمنين (عليه السلام) ولم سمي الغريان غريين فقال: ان الجبار المعروف بالنعمان بن المنذر، كان يقتل اكابر العرب ومن ناوأه من جبابرتهم وكبرائهم وكان الغريان على يمين الجادة فإذا قتل رجلا امر بحمل دمه الى جادة العلمين حتى يغريانه يريد بذلك يشهده المقتول إذا رأى دمه على العلمين من اجل ذلك سمي الغريان. واما البقعة التي فيها قبر أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) فإن نوحا (صلوات الله عليه) لما طافت السفينة وهبط جبريل (عليه السلام) على نوح فقال: ان الله يأمرك أن تنزيل ما بين السفينة والركن اليماني فإذا استقرت قدماك على الأرض فابحث بيدك هناك فانه يخرج تابوت آدم فاحمله معك في السفينة فإذا غاص فابحث بيدك الماء فادفنه بظهر النجف بين الذكوات البيض والكوفة فانها بقعة اخترتها له ولك يا نوح ولعلي بن ابي طالب (صلوات الله عليه) وصي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ففعل نوح ذلك ووصى ابنه ساما ان يدفنه في البقعة مع التابوت الذي لآدم، فإذا زرتم مشهد امير المؤمنين فزوروا آدم ونوح وعلي بن ابي طالب (عليهم السلام). ولد له من فاطمة (عليها السلام) الحسن، والحسين، ومحسن - مات صغيرا - وزينب وام كلثوم (عليهم السلام). وكان له من خولة الحنفية أبو هاشم محمد بن الحنفية. وكان له عبد الله والعباس وجعفر وعثمان من ام البنين وهي جعدة ابنة خالد بن زيد الكلابية.


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 95 ]

وكان له من ام عمر التغلبية عمر ورقية وهي من سبي خالد بن الوليد. وكان له يحيى من اسماء بنت عميس الخثعمية. وكان له محمد الأصغر من ام ولد. وكان له الحسن ورملة وامهما ام شعيب المخزومية. وكان له أبو بكر وعبيد الله وامهما ليلى ابنة مسعود النهشلية والذي اعقب من ولد أمير المؤمنين: الحسن والحسين (عليهما السلام) ومحمد بن الحنفية والعباس وعمر. قال: ومضى امير المؤمنين (عليه السلام) وخلف منهن امامة ابنة زينب ابنة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وليلى التميمية وأسماء ابنة عميس الخثعمية، وام البنين الكلابية، وثمانية عشر ولدا، ولم يكن رسول الله (صلى الله عليه وآله) تزوج أو تمتع بحرة ولا أمة في حياة خديجة (عليها السلام) إلا بعد وفاتها، وكذلك امير المؤمنين لم يتزوج ولا تمتع بحرة ولا امة في حياة فاطمة (عليها السلام) إلا بعد وفاتها وكان اسم ابي طالب عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف. وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انه قال: " أنا اهل بيت نبوة ورسالة وإمامة، وإنه لا تقبلنا عند ولادتنا القوابل ". وإن الامام لا يتولى ولادته ووفاته وتغميضه وتغسيله وتكفينه ودفنه والصلاة عليه إلا الإمام. والذي تولى وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) علي (عليه السلام) غمضه وغسله و كفنه وصلى عليه وتولى امره امير المومنين (عليه السلام) وولداه الحسن والحسين (عليهما السلام) توليا وفاة امير المؤمنين (عليه السلام) وتغميضه وغسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه ولم يحضره احد غيرهما، ودفناه ليلا، ولم يظهر على مشهده احد الا بدلالة صفوان


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 96 ]

الجمال، وكان جمال الصادق (عليه السلام). ثم دلت عليه الأئمة من موسى بن جعفر وعلي الرضا ومحمد الجواد وعلي الهادي والحسن العسكري ورواه شيعتهم وكان دلالة صفوان على مشهد أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) دلالة ظهرت للناس. قال الحسين بن حمدان: حدثني محمد بن يحيى الفارسي عن محمد بن جمهور القمي عن عبد الله الكرخي عن علي بن مهران الاهوازي عن محمد بن صدقة عن محمد بن سنان الزاهري عن المفضل بن عمر الجعفي عن مولانا الصادق (عليه السلام) قال المفضل: دعاني سيدي الصادق في جنح الليل وهو مقتم اسود فحضرت داره وهي تزهر نورا بلا ظلمة فلما امتثلت بين يديه قال يا مفضل: مر صفوانا يصلح لي على ناقتي السعداء رحلها واقم في الباب الى وقت رجوعي اليك قال ثم خرج مولاي الصادق (عليه السلام) وقد احضر صفوان الناقة واصلح رحلها فاستوى عليها واثارها ثم قال يا صفوان: خذ بحقاب الناقة وارتدف، قال: ففعل صفوان ذلك ومرت الناقة كالبرق الخاطف أو كاللحظ السريع وجلست بالباب حتى مضى من الليل سبع ساعات من وقت ركوب سيدي الصادق منه السلام. قال المفضل: فرأيت الناقة وهي كجناح الطير وقد انقضت الى الباب، ونزل عنها مولاي منه السلام فانقلب صفوان الى الأرض خافتا فأمهلته واقبلت انظر الى الناقة، وهي تخفق والعرق يجري منها حتى ثاب صفوان فقلت: خذ ناقتك إليك وعدل إلى أن خرج مغيث خادم مولاي الصادق، فقال سل يا مفضل صفوانا عما رأى، ويا صفوان حدثه ولا تكتمه. قال: فجلس صفوان بين يدي، وقال: يا مفضل اخبرك بالذي رأيت الليلة فقد اذن لي مولاي، قلت: نعم، قال: أمرني سيدي (عليه السلام) فارتدفت على الناقة، ولم أعلم انا في سماء أم في أرض غير اني احس في الناقة وهي كأنها الكوكب المنقض حتى أناخت ونزل مولاي (عليه السلام) ونزلت وصلى ركعتين وقال: يا صفوان صل واعلم انك في بيت


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 97 ]

الله الحرام، قال: فصليت ثم ركبت وارتدفت، وهبت الناقة كهبوب الريح العاصف، ثم انقضت فأناخت فنزل مولاي (عليه السلام) فقال: صل يا صفوان ركعتين واعلم إنك في المسجد الاقصى، قال: ثم ركب وارتدفت وسارت الناقة وهبطت فاناخت فنزل مولاي عنها ونزلت فصلى ركعتين. ثم قال: صل يا صفوان واعلم بانك بين قبر جدي (عليه السلام) ومنبره قال: فصليت فقال: يا صفوان ارتدف من ورائي فارتدفت فسارت مثل سيرها وانقضت فنزل مولاي (عليه السلام) وصلى وصليت فقال: يا صفوان انت على جبل طور سيناء الذي كلم الله عليه موسى بن عمران (عليه السلام) ثم ركب وارتدفت وانقضت فنزل عنها، ونزلت فإذا هو يجهش بالبكاء ويقول: جللت من مقام ما اعظمك، ومصرع ما اجلك، أنت والله البقعة المباركة والربوة ذات قرار ومعين، وفيك والله كانت الشجرة التي كلم الله منها موسى (عليه السلام) ما اطول حزننا بمصابنا فيك الى ان يأخذ الله بحقنا قال: وتكلم بكلام خفي عني ثم صلى ركعتين وصليت وأنا أبكي وأخفي بكائي ثم ركب وارتدفت فنزل عن قريب لنا وصلى وصليت قال: يا صفوان هل تعلم أين أنت ؟ قلت: يا مولاي عرفني حتى اعرف، قال: انت بالغريين في الذكوات البيض في البقعة التي دفن فيها أمير المؤمنين علي (عليه السلام). قال: فقلت يا مولاي فاجعل لي إليها دليلا، قال: ويحك بعدي أو بعدي، قال فقلت يا مولاي بعهدك وبعدك قال على انك لا تدل عليها ولا تزورها الا بأمري قال: فقلت يا مولاي إني لا ادل عليها ولا ازورها الا بأمرك، قال خذ يا صفوان من الشعير الذي تزودته الناقة فانثر منه حبا الى مسجد السهلة وبكر عليه تستدل وتعرف البقعة بعينها وزرها إذا شئت، ولا تظهرها لأحد إلا من تثق به ومن يتلوني من الأئمة (عليهم السلام) إلى وقت ظهور مهدينا أهل البيت (صلوات الله عليه) ثم يكون


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 98 ]

الأمر الى الله ويظهر فيها ما يشاء حتى تكون معقلا لشيعتنا وتضرعا الى الله ووسيلة للمؤمنين. قال المفضل: فظلت باقي ليلتي راكعا وساجدا أسأل الله بقائي إلى صباح ذلك اليوم فلما اصبحت دخلت على مولاي منه السلام فقلت أريد الفوز العظيم والسعي الى البقعة المباركة التي بين الذكوات البيض في الغريين قال: امض وفقك الله يا مفضل وصفوان معك قال المفضل: فأخذ بيدي وقصدت مسجد السهلة، ثم استدللنا بالحبات الشعير المنثورة حتى وردنا البقعة فلذنا بها وزرنا وصلينا ورجعنا وانفسنا مريضة خوفا من أن لا نكون وردنا البقعة بعينها، قال: ودخلنا من مزارنا منها الى مولانا الصادق (عليه السلام) فوقفنا بين يديه فقال: والله يا مفضل ويا صفوان ما خرجتما عن البقعة عقدا واحدا ولا نقصتما عنها قدما فقلنا: الحمد لله ولك يا مولاي وشكرا لهذه النعمة وقرأ: (وكل شئ أحصيناه كتابا) وقوله: (وكل شئ احصيناه في إمام مبين). وروي بهذه الاسناد عن الصادق (عليه السلام) عن ابيه الباقر (عليه السلام) قال: دخل سلمان الفارسي (عليه السلام)، والمقداد بن الأسود الكندي، وأبو ذر جندب الغفاري، وعمار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان، وأبو الهيثم مالك بن التيهان، وخزيمة بن ثابت، وابو الطفيل عامر على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فجلسوا بين يديه والحزن ظاهر في وجوههم فقالوا له فديناك بالآباء والأمهات يا رسول الله انا نسمع في اخيك علي (عليه السلام) ما يحزننا سماعه وإنا نستأذنك في الرد عليهم، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): وما عساهم يقولون في اخي علي ؟ فقالوا: يا رسول الله انهم يقولون: اي فضيلة له في سبقه إلى الإسلام، وإنما ادركه الإسلام طفلا، ونحن يحزننا هذا فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): هذا يحزنكم ؟ قالوا: نعم يا رسول الله، فقال اسألكم بالله هل علمتم من الكتب الأولى ان ابراهيم (عليه السلام) هربت به امه وهو


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 99 ]

طفل صغير من عدو الله وعدوه النمرود في عهده فوضعته امه بين ثلاث اشجار شاطئ نهر يدفق يقال له حوران وهو بين غروب الشمس وإقبال الليل فلما وضعته امه واستقر على وجه الأرض فقام من تحتها فمسح رأسه ووجهه وسائر بدنه وهو يكثر من الشهادة لله بالوحدانية ثم اخذ ثوبا فاتشح به وامه ترى ما يفعل فرعبت منه رعبا شديدا فهرول من بين يديها مادا عينه الى السماء فكان منه ما قال الله (عز وجل): (فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي) وقصة الشمس والقمر إلى قوله: وما انا من المشركين). وعلمتم ان موسى بن عمران (عليه السلام) كان فرعون في طلبه يبقر بطون النساء الحوامل ويذبح الأطفال لقتل موسى (عليه السلام) فلما ولدته امه اوحى إليها أن يأخذوه من تحتها فتقذفه وتلقيه في التابوت وتقذفه في اليم فبقيت حيرانة حتى كلمها موسى وقال لها يا أم اقذفيني في التابوت فقالت له هي من كلامه يا بني اني اخاف عليك من الغرق فقال لها: لا تخافي ان الله رادي اليك ففعلت ذلك فبقي التابوت في اليم الى ان القاه الى الساحل ورد الى امه وهو برهة لا يطعم طعاما ولا يشرب شرابا معصوما وروي ان المدة كانت سبعين يوما وروي انها كانت تسعة اشهر وقال الله تعالى في حال طفوليته: (ولتصنع على عيني إذ تمشي اختك فتقول هل ادلكم على اهل بيت يكفلونه) الآية. وهذا عيسى بن مريم (عليه السلام) قال الله تعالى: (فناديها من تحتها الا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا) إلى آخر الآية. فكلم امه وقت مولده فقال لها: (كلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر احدا فقولي اني نذرت للرحمن صوما فلن اكلم اليوم انسيا). وقال: (فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا قال اني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا اينما كنت واوصاني


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 100 ]

بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا). فتكلم عيسى بن مريم (عليه السلام) في وقت ولادته واعطي الكتاب والنبوة واوصي بالصلاة والزكاة في ساعة مولده وكلمه الناس في اليوم الثالث وقد علمتم جميعا خلقتي وان عليا من نوري ونوري ونوره نور واحد وكنا كذلك نسبح الله ونقدسه ونمجده ونهلله ونكبره قبل ان يخلق الملائكة والسماوات والأرضين والهواء ثم عرش العرش وكتب أسماءنا بالنور عليه ثم اسكننا صلب آدم ولم نزل ننتقل في اصلاب الرجال المؤمنين وفي أرحام النساء الصالحات يسمع تسبيحنا في الظهور والبطون في كل عهد وعصر وزمان إلى أبي عبد المطلب فانه كان يظهر نورنا في بلجات وجوه آبائنا وامهاتنا حتى ثبتت اسماؤنا مخطوطة بالنور على جبهاتهم. فلما افترقنا نصفين: في عبد الله نصف، وفي أبي طالب عمي نصف كان تسبيحنا في ظهورهما، فكان عمي وأبي إذا جلسا في ملأ من الناس ناجى نوري من صلب أبي نور علي من صلب أبيه إلى أن خرجنا من صلبي أبوينا وبطني أمينا ولقد علم جبريل (عليه السلام) في وقت ولادة علي وهو يقول: هذا اول ظهور نبوتك واعلان وحيك وكشف رسالتك إذ أيدك الله بأخيك ووزيرك وصنوك وخليفتك ومن شددت به ازرك وأعليت به ذكرك علي بن أبي طالب فقمت مبادرا فوجدت فاطمة ابنة اسد ام علي بن ابي طالب وقد جاءها المخاض فوجدتها بين النساء والقوابل من حولها فقال حبيبي جبرائيل: سجف بينها وبين النساء سجافا، فإذا وضعت عليا فتلقه بيدك اليمنى ففعلت ما امرني به ومددت يدي اليمنى نحو امه فإذا بعلي ماثلا على يدي واضعا يده اليمنى في اذنه يؤذن ويقيم بالحنفية ويشهد بوحدانية الله (عز وجل) وبرسالتي. ثم اشار الي فقال: يا رسول الله إقرأ، قلت: اقرأ والذي نفس محمد بيده لقد ابتدأ بالصحف التي انزلها الله على آدم وابنه شيث فتلاها من


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 101 ]

أول حرف الى آخر حرف حتى لو حضر شيث لأقر بانه أقرأ لها منه، ثم تلا صحف نوح حتى لو حضر نوح لاقر أنه اقرأ لها منه، ثم تلا صحف ابراهيم حتى لو حضر ابراهيم لأقر انه اقرأ لها منه، ثم تلا زبور داود حتى لو حضر داود لأقر أنه أقرأ لها منه، ثم تلا توراة موسى حتى لو حضر موسى لأقر انه أقرأ، ثم قرأ انجيل عيسى حتى لو حضر عيسى لأقر بأنه اقرأ لها منه، ثم خاطبني وخاظبته بما يخاطب به الأنبياء ثم عاد الى طفولتيه. وهكذا سبيل الاثني عشر إماما من ولده يفعلون في ولادتهم مثله. فماذا تحدثون وماذا عليكم من قول اهل المشك والشرك بالله هل تعلمون إني افضل النبيين، ووصيي علي افضل الوصيين، وان ابي آدم تمام اسمي واسم أخي علي وابنتي فاطمة وابني الحسن والحسين (عليهم السلام) مكتوبة على سرادق العرش بالنور، منذ قال آدم: " الهى هل خلقت خلقا قبلي هو اكرم عليك مني " قال يا آدم: لولا هذه الاسماء ما خلقت سماء مبنية ولا ارضا مدحية ولا ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا ولا خلقتك يا آدم " فقال: الهي وسيدي بحقهم الا غفرت لي خطيئتي. فكنا نحن الكلمات التي تلقى آدم من ربه، فغفر له وقال: ابشر يا آدم فإن هذه الأسماء من ذريتك وولدك فحمد الله وافتخر على الملائكة بنا فإذا كان هذا من فضلنا عند الله وفضل الله علينا ولا يعطى ابراهيم وموسى وعيسى شيئا من الفضل الا ويعطيه بنا فماذا يضرنا ويحزنكم قول أهل الافك والمسرفين. فقام سلمان ومن كان معه على اقدامهم وهم يقولون: يا رسول الله نحن الفائزون ؟ قال: نعم. انتم الفائزون، والله لكم خلقت الجنة، ولاعدائنا واعدائكم خلقت النار. فكان هذا من دلائله وبراهينه ومعاجزه قبل وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). وأما بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فمن دلائله


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 102 ]

و معجزاته. روي بالاسناد ان أبا بكر لقيه في سكة بني النجار في المدينة، وكان قد استخلف الناس أبا بكر فسلم أبو بكر عليه وصافحه وقال له: يا ابا الحسن عسى في نفسك شئ من استخلاف الناس إياي وما كان في السقيفة واكراهك على البيعة، والله ما كان ذلك بإرادتي إلا أن المسلمين اجتمعوا على أمر لم اكن اخالف عليه وفيه، لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (لن تجتمع امتي على ضلال) فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): منهم الذين اطاعوا الله واطاعوا رسوله بعهده وبعده واخذوا بهديه وأوفوا بما عادهوا الله عليه، ولم يغيروا ولا بدلوا ؟ قال أبو بكر: والله يا علي لو شهد عندي من اثق به أنك احق بهذا الأمر مني لسلمته اليك، رضي من رضي، وسخط من سخط، فقال له أمير المؤمنين منه السلام: بالله يا أبا بكر هل أنت بأحد أوثق منك برسول الله ؟ قال أبو بكر: لا والله، قال له: فقد أخذ عليك بيعتي في اربع مواطن، وعلى جماعة معك فيهم عمر وعثمان: في يوم الدار، وفي بيعة الرضوان، وتحت الشجرة ويوم جلوسه في بيت أم سلمة وأنا عن يمينه أحضرك وعمر وعثمان وسلمان والمقداد وجندب وعمار وحذيفة وابو الهيثم مالك بن التيهان وابو الطفيل عامر بن واثلة حتى امتلأ منهم البيت وحضر بريدة الاسلمي فجلس على عتبة الباب فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): قم يا أبا بكر فسلم على علي بإمرة المؤمنين وبايع له فما أجزاك إلا أن القول مني فقلت أقوم يا رسول الله عن امر الله وأمرك وأبايع عليا وأسلم عليه بإمرة المؤمنين ؟ فقال: نعم، قم يا ابا بكر، فقمت فبايعتني وسلمت علي بإمرة المؤمنين كما أمرك، وجلست، ثم قال: قم يا عمر، فأعاد القول كما أعدته انت فقال: يا رسول الله أسلم على علي بإمرة المؤمنين قال: نعم، قم فبايعه، وسلم عليه بإمرة المؤمنين فقام و بايعني وسلم علي بإمرة المؤمنين وجلس.


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 103 ]

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قم يا عثمان إلى أخي علي وسلم عليه بإمرة المؤمنين، فما قام حتى قال مثلما قلتما فأعاد عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثالثة فقام فبايعني وسلم علي بإمرة المؤمنين وجلس. فقال النبي (صلى الله عليه وآله): قم يا سلمان، قم يا مقداد، قم يا جندب، قم يا عمار، قم يا حذيفة، قم يا خزيمة، قم يا ابا الهيثم، قم يا عامر، قم يا بريدة، فبايعوا لأخي علي وسلموا عليه بإمرة المؤمنين فقاموا بأجمعهم بلا مراجعة، فبايعوا لي وسلموا علي بإمرة المؤمنين. وفي يوم غدير خم بعد رجوعه من حجة الوداع فقد نزل بغدير خم وقد علمت أنه كان يوما شديد القيظ يشيب فيه الطفل فأشار إلي جميعكم ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فاستظلوا بالدوحات التي حول الغدير، فلما قرب الزوال وقف (عليه السلام) واشار اليكم ان احتطبوا وخذوا من الدوحات ما سقط وأتوني به فكبس ما جمعتم بعضه فوق بعض فلما رأى لا يوفي الجمع امر عليه بالأقتاب، فنصب بعضا فوق بعض حتى علت العسكر ثم علاها ودعاني فعلوت معه فكان ما سمعتموه، وهو أن أخذ كفي بكفه اليمنى وقد بسطهما نحو السماء حتى رأيتم بياض إبطيه يريكم شخصي ويعلن بأمري، ويقول ما أمر به. قال الحسين بن حمدان: انما تركنا اعادة الاشهاد عند الناس جميعا، ويرجع الخبر الى قول امير المؤمنين (عليه السلام): فقلتم بأجمعكم سمعا وطاعة لله و لرسوله فقال لكم: الله ورسوله عليكم من الشاهدين، فقال لكم: فليشهد بعضكم على بعض وليسمع من سمع مني من لم يسمع فقلتم: نعم يا رسول الله فنزل وصلى صلاة الزوال، وارتفع صوت الاذان والاقامة في العسكر، فصلى بهم صلاة الظهر والعصر، فلما فرغنا من الصلاة قمتم انتم بأجمعكم تهنئون رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتهنؤني


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 104 ]

بكرامة الله لنا، فدنا مني عمر فضرب على كفي وقال بحضرتكم: بخ بخ يا ابن أبي طالب اصبحت مولانا ومولى المؤمنين، قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): ويحك يا أبا حفص ألا دعوته بما امرك الله ان تدعوه بإمرة المؤمنين، فتقول: أصبحت يا أمير المؤمنين مولانا ومولى المؤمنين ؟ فقال: نعم، فقال أبو بكر: يا ابا الحسن والله لقد ذكرتني امرا لم اكن أعلم ولو يكون رسول الله شاهدا فاسمعه، فقال له امير المؤمنين (عليه السلام): يا ابا بكر، الله ورسوله عليك من الشاهدين، ان رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حيا ويقول لك: انك ظالم في اخذ حقي الذي جعله الله لي ولرسوله دونك ودون المسلمين انك تسلم هذا الأمر الي وتخلع نفسك منه ؟ قال أبو بكر: هذا ما لا يكون إلا أن أرى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد موته حيا يقول لي ويأمرني بذلك قال له امير المؤمنين (عليه السلام): نعم يا أبا بكر، قال: فأرني ذلك إن يكن حقا قال أمير المؤمنين (عليه السلام): الله ورسوله عليك من الشاهدين إنك تفي بما قلت، قال أبو بكر: نعم فضرب أمير المؤمنين على يده ومال يسعى به إلى مسجد قبا فلما ورداه تقدم أمير المؤمنين (عليه السلام) فدخل المسجد وأبو بكر من ورائه فإذا هما برسول الله (صلى الله عليه وآله) جالس في قبلة المسجد، فلما رآه أبو بكر سقط لوجهه كالمغشي عليه فبادره رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ارفع ايها الضليل المفتون ارفع رأسك فرفع رأسه وقال لبيك يا رسول الله أحياة بعد الموت ؟ قال: نعم، ويحك يا أبا بكر ان الذي احياها لمحيى الموتى قال: فسكت أبو بكر وشخصت عيناه نحو رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: ويحك يا أبا بكر انسيت ما عاهدت الله ورسوله عليك في المواطن الأربع لعلي فما بالك تناشد عليا فيها ويذكرك فتنساها، وقص عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما جرى بينه وبين امير المؤمنين فلم ينقص منه كلمة ولا زاد فيه كلمة، الى أن انتهى فقال أبو بكر يا رسول الله: فهل من توبة ؟


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 105 ]

وهل يعفو الله عني إذا سلمت هذا الأمر الى امير المؤمنين ؟ فقال: نعم يا أبا بكر وأنا الضامن لك على الله ذلك إن وفيت. قال: وغاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فثبت أبو بكر إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) وقال الله الله سر معي حتى اعلو المنبر فأقص على الناس ما شاهدت وما رأيت من أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وما قال لي، وما قلت له، وما امرني وأخلع نفسي من هذا الأمر، وأسلمه إليك. قال أمير المؤمنين: أنا معك يا أبا بكر إن تركك شيطانك، قال أبو بكر: إن لم يتركني تركته وعصيته، فقال أمير المؤمنين: تطيعه ولا تعصيه، والله ما اردت الا تأكيد الحجة عليك فأخذ بيده وخرجا من مسجد قبا يريدان مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والمنبر وابو بكر يخفق بعضه بعضا يتلون الوانا والناس ينظرون إليه ولا يدرون بالذي كان منه حتى لقيه عمر، فقال له: يا خليفة رسول الله ما شأنك ؟ وما الذي دهاك ؟ فقال: خل عني يا عمر فوالله لا سمعت لك قولا، فقال: وأين تريد يا خليفة رسول الله ؟ فقال أبو بكر: أريد المنبر، فقال له عمر: انه ليس وقت صلاة ولا منبر، فقال: خل عني فلا حاجة لي في كلامك، فقال له عمر: يا خليفة رسول الله، فما تدخل قبل المسجد منزلك فتسبغ الوضوء ؟ فقال له أبو بكر: بلى، ثم التفت إلى أمير المؤمنين فقال: يا ابا الحسن اجلس إلى جانب المنبر حتى أخرج اليك فتبسم أمير المؤمنين، ثم قال: يا أبا بكر قد قلت لك إن شيطانك لا يدعك ويردك. وسعى أمير المؤمنين (عليه السلام) وجلس بجانب المنبر ودخل أبو بكر منزله وعمر معه فقال له: يا خليفة رسول الله لم لا تعرفني امرك وتحدثني بما دهاك ؟ فقال أبو بكر: ويحك يا عمر، رجع رسول الله (صلى الله عليه وآله


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 106 ]

وسلم) بعد موته وخاطبني وخاطبته في ظلمي لعلي، ويأمرني أن أرد حقه عليه وأخلع نفسي منه، فقال عمر: يا خليفة رسول الله قص على قصتك من أولها الى آخرها، فقال له: ويحك يا عمر إن عليا قال لي: إنك لا تدعني أخرج هذه المظلمة من عنقي، وإنك شيطاني فلم يزل عمر يحدثه بحديثه كله فقال له بالله يا أبا بكر أنسيت في أول شهر رمضان الذي فرض علينا صيامه، حيث جاءك خذيفة بن اليمان، ومعه سهل بن حنيف وعثمان اخوه ونعيمان الأنصاري وخزيمة بن ثابت في الجمعة الى دارك ليقضيك دينا له عليك فلما انتهوا إلى باب الدار سمعوا صلصلة في الدار فوقفوا على باب الدار ولم يستأذنوا عليك فسمعوا ام بكر زوجتك تناشدك، وتقول لك: قد عمل حر الشمس بين كتفيك، فقم من سوآء الدار إلى داخل الجدار وكن بنفسك من الشمس، وابعد من الباب ليسمعك بعض اصحاب محمد فيهدر دمك فقد علمت ان محمدا قد أهدر دم من أفطر يوما من شهر رمضان من غير سفر ولا مرض خلافا على الله ورسوله فقلت لها هاك لا أم لك فضل طعامي في الليل واترعي لي الكأس قرقفا فوقف حذيفة بن اليمان ومن معه يسمعون محاورتك فجاءت بصحيفة فيها ثريد وأخذت القعب فكرعت منه في ضحى النهار وجعلت تقول لزوجتك: ذريني اصطبح يا أم بكر * فإن الموت نقب عن هشام ونقب عن أخيك وكان صفوا * من الفتيان في شرب المدام تلبي بالتحية أم بكر * وهل لك بعد قومك من سلام فكم لك بالقليب قليب بدر * من الاجسام تكلم بالسهام وكم لك بالطوي طوي احد * من الحركات والدسع العظام من انصار الكريم الى علي * حيا الكأس الكريمة والمدام يقول لنا ابن كبشة سوف نحي * وكيف حياة أشلاء وهام يود ابن المغيرة لو فداه * بألف من سنام أو سوام أاترك ان يكف الموت عني * ويحييني إذا بليت عظامي


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 107 ]

أتزعم باطلا ما قال هذا * وافكا من زخاريف الكلام الا من مبلغ الرحمن عني * بأني تارك شهر الصيام إذا ما الرأس فارق منكبيه * وليس بذاك يقطع للطعام فقل لله يمنعني شرابي * وقل لله يمنعني طعامي فسمعوك تهجو محمدا في دارك، فهجموا عليك في دارك، فوجدوك وقعب الخمر في يدك وأنت تكرعها، فقالوا لك: يا عدو الله خالفت الله وخالفت رسوله وحملوك كهيئتك الى مجمع الناس، بباب رسول الله وقصوا قصتك، وأعادوا شعرك، فدنوت منك وقلت في صحيح الناس، عليك قل: انك شربتها ليلا فثملتها نهارا، فزال عقلك فأتيت ما اتيته زيادا، ولا علم لك بذلك فعسى أن يدرأ عنك الحد. وخرج محمد فنظر اليك فقال: استنطقوه فقالوا: رأيناه ثملا يا رسول الله لا يعقل، فقال: ويحك، والخمر تزيل العقول تعلمون هذا من انفسكم، وأنتم تشربونها، فقلنا: نعم يا رسول الله وقد قال فيها قائد الشعراء امرؤ القيس ابن حجر الكندي: شربت الإثم حتى زال عقلي * كذاك الإثم تذهب بالعقول فقال: والإثم من اسماء الخمرة، فقلنا: نعم يا رسول الله، فقال: أنظروه الى افاقته من سكرته، فأمهلك حتى أريتهم أنك قد صحوت فسألك محمدا فأخبرته بما اوعزته إليك من شربك لها بالليل وكانت حلالا في سائر الشرائع والملل وفي شريعة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فجاء تحريمها من أجلك من سبب سكرتك فما بالك اليوم تؤمن بمحمد وما جاء به، وهو عندنا ساحر كذاب. فقال: ويحك يا ابا حفص لا شك عندي فيما قصصته علي فاخرج الى علي، فاصرفه عن المنبر.


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 108 ]

فخرج عمر وأمير المؤمنين (عليه السلام) بجانب المنبر جالس فقال: مالك يا علي قد تصديت لها هيهات هيهات، دون والله ما تروم من علو هذا المنبر خرط القتاد. فتبسم امير المؤمنين (عليه السلام) حتى بدت نواجذه، ثم قال: ويلك منها كل الويل يا عمر إذا أفضت إليك، والويل للأمة من بلائك. وانصرف أمير المؤمنين إلى منزله فكان هذا من دلائله (عليه السلام). قال الحسين بن حمدان: حدثني جعفر بن مالك، عن محمد بن خلف عن المخول بن ابراهيم، عن زيد الشحام عن ابي حمزة الثمالي، عن أبي خالد بن عبد الله بن حزام الأنصاري، عن حذيفة بن اليمان ونعيمان وسهل بن حنيف وخزيمة بن ثابت بالحديث الذي كان لحذيفة بن اليمان مع أبي بكر وقصد داره بهؤلاء الثلاثة نفر في يوم الجمعة في أول يوم من شهر رمضان فرض على المسلمين صيامه، وأكل أبي بكر الطعام، وشربه الخمرة، وشعره على ما تضمنه منه عمر بتذكيره لأبي بكر في نقضه الصيام وأكله الطعام وشربه الخمرة وقوله الشعر الذي لزمه الكفر بالله عز وجل وبرسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)، اجتمعت تيم - وهي قبيلة أبي بكر - وعدي - وهي قبيلة عمر - وأمية - وهي قبيلة عثمان - وزهرة - وهي قبيلة عبد الرحمن بن عوف الزهري - والكل من قريش فقالوا: يا رسول الله ما لأبي بكر ذنب فلا تحرم علينا الخمرة فهب لنا ذنبه وأقبل منا الكفارة فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لا حكم إلا حكم الله، وأنا منتظر ما يأتي به جبريل (عليه السلام) عن الله (عز وجل) فأنزل الله تبارك وتعالى: (والذي خبث لا يخرج إلا نكدا) ونهى بذلك وكثر سؤال الناس عن الخمرة إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن شرب الخمر، ونادى في المدينة وكتب إلى أهل الإسلام بذلك.


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 109 ]

واحتجوا بأنه مطلق حلال، ولم ينزل تحريمها في كتاب من كتب الله (عز وجل)، وذكروا خبر نوح (عليه السلام) وانه شرب وسكر من الخمرة حتى رقد وخرج ابنه حام وقد حملت الريح ثوب أبيه نوح (عليه السلام) حتى كشف عورته، فوقف ينظر إليه ويتضاحك في وجهه، ويعجب من أبيه فقام سام اخوه ونظر إليه ورأى ما يصنع فقال له: ويحك يا حام بمن تهزأ ؟ فلم يخبره بشئ فنظر سام منظر حام وإذا بالريح قد كشف ثوب أبيهما، وهو سكران نائم، فدنا منه ومد عليه ثوبه وألقى عليه ملاءته وقعد يحرسه إلى أن أفاق، وأنتبه من رقدته فنظر الى سام فقال: يا بني ما لك جالسا وملاءتك على لونك متفكرا لا يكون أحد جنى عليك جناية، فعدت تحرسني منها فقال له الله ورسوله اعلم فهبط جبريل (عليه السلام، وقال له: يا نوح ربك يقرئك السلام ويقول لك ان حاما فعل بك كيت وكيت، وسام ابنك انكر ذلك من فعله وسترك وطرح ملاءته عليك، وحرسك من اخيه حام ومن الريح، فقال نوح: بدل الله ما بحام من جمال قبحا، ومن خير شرا، ومن ايمان كفرا، ولعنه لعنا وبيلا كما صنع بأبيه رسولك ولم يشكر لولادته ولا لهدايته. فاستجاب الله دعاء نبيه نوح (عليه السلام) في ولده حام واستحال جماله سوادا مخبا منخلقا مجددا مقطحا طمطمانيا فوثب على أبيه نوح يريد قتله فوثب عليه سام فعلا هامته بيده وصده عنه، فدعا نوح (عليه السلام) ان ينزل عليه الأمان من ذريته وان يجعل بين حام وذريته العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة. واحتجوا بأن القرابين لها منذ قرب هابيل كانوا يشربون الخمر ويسقون القرابين منها وشرباها ووقفا يقربا منها، وان شبر وشبير ابني هارون (عليه السلام) قربا قربانا ثم سقياه الخمر وشراباها ووقفا يقربان، فنزلت النار عليهما وأحرقتهما لأن الخمر في بطونهما فقتلا بذلك. واحتجوا بقول الله عز وجل في الزبور على لسان داود (عليه السلام) خمرا مريئا، دلنا تريا مفصحا أثر فسمي لحما لنا قلب ترياشا حسر خمرا


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 110 ]

حسرا حرابا. قال داود (عليه السلام: معنى خمرة هي الخمر، هي شقيق لنا قلب ترياشا ابن آدم، ويسقون القرابين منها وإنها شربت بعهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فاتخذوا الزي والمزفت الى سكرة ابي بكر فقال المسلمون لم تنهانا عن شربها يا رسول الله أنزل فيها أمر من عند الله فنعمل به ؟ فانزل الله (عز وجل): (إنما الخمر والميسر والأنصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون) فقال المسلمون إنما امرنا بالاجتناب عنها ولم تحرم علينا فانزل الله تبارك وتعالى: (إنما يريد الشيطان ان يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل انتم منتهون). فقالوا: أمرنا أن ننتهي ولم تحرم علينا فانزل الله عز وجل: (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما اكبر من نفعهما) فقال المسلمون: فيه منافع للناس وان كان الإثم اكبر من المنافع ولم يحرم شربها علينا فانزل الله تعالى: (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق) فصح تحريم الخمر من قولهم ان الإثم اسم م اسماء الخمر ويستشهد بما تقدم من قول امرئ القيس ابن حجر الكندي حيث يقول: شربت الإثم حتى زال عقلي * كذاك الإثم يذهب بالعقول ومما عني به السيد ابن محمد الحميري في الخمرة يقول: لولا عتيق وشؤم سكرته * كانت حلالا كسائغ العسل وفي قصيدة اخرى يقول: كانت حلالا لساكن الزمن. وله في لقاء امير المؤمنين (عليه السلام) وحمله له إلى مسجد قبا وخبره مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وخطابه له يقول: لما لقاه أبو الفصيل بمشهد * فخلا به وقرينه لم يعلم


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 111 ]

فتناشدوا في نقضه العهد الذي * اخذ النبي عليه غير تكتم لتسلمن الى الوصي امامة * وامارة صارت له من آدم قال الغوي فأين لي ذو خبرة * ادري ويشهد بالذي قد تزعم قال الوصي هل لك عني مخبر * عن النبي فقال آه حرم اين النبي وكيف لي بمغيب * بين الجنادل في ضريح مظلم قال الوصي علي ان تلقاه في * نادي قبا في مسجد لم يهدم قال الغوي له أبعد مماته * قال الوصي نعم برغم مرغم فأتى به فإذا النبي بمحضر * حي يحاوره بغير تجمجم أنسيت ويلك يا عتيق وكبه * لجبينه للأرض صفة النادم قال النبي له عتيق ردها * ويلك تنجو من جريرة ظالم قال الشقي نعم ارد ظلامة * لعلي ذي الهادي بغير تذمم وله في هذا المعنى قصيدة اخرى: حتى لقاه أبو الفصيل بجانب * فخلا به وقرينه لم يشعر وعنه بهذا الاسناد عن جابر بن عبد الله الانصاري عن سلمان الفارسي (عليهما السلام) قال: دخل أبو بكر وعمر وعثمان على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا يا رسول الله ما لك تفضل عليا علينا في كل الأفعال والأشياء ولا يرى لنا معه فضلا قال لهم: ما أنا فضلته بل الله فضله، فقالوا: وما الدليل على ذلك ؟ فقال (عليه السلام): إذا لم تقبلوا مني فليس شئ عندكم أصدق من أهل الكهف حتى تسلموا عليهم وانا احملكم وعليا واجعل سلمانا شاهدا عليكم فمن احيى الله اصحاب الكهف له واجابوه كان الأفضل. قالوا رضينا يا رسول الله، فأمر رسول الله أن يبسط بساطا له، ودعا بعلي فأجلسه في البساط وأجلس كل واحد منهم قرن قال سلمان: وأجلسني القرنة الرابعة وقال: يا ريح احمليهم الى الصحاب الكهف ورديهم


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 112 ]

إلي فدخلت الريح وسارت بنا فإذا نحن في كهف عظيم فحطت عليه. قال أمير المؤمنين يا سلمان هذا الكهف والرقيم فقل للقوم: يتقدمون أو اتقدم ؟ فقالوا: نحن نتقدم فقام كل واحد منهم صلى ودعى وقال: السلام عليكم يا أصحاب الكهف فلم يجبهم أحد، فقام بعدهم امير المؤمنين صلى ركعتين ودعا بدعوات خفيات فصاح الكهف وصاح القوم من داخله بالتلبية فقال امير المؤمنين (عليه السلام): السلام عليكم ايها الفتية الذين آمنوا بربهم وزادهم هدى. فقالوا: وعليك السلام يا أخا رسول الله ووصيه، لقد اخذ الله العهد علينا بعد ايماننا بالله وبرسوله محمد، ولك يا أمير المؤمنين بالولاية الى يوم الدين، قال فسقط القوم لوجوههم وقالوا يا ابا عبد الله ردنا، فقلت: وما ذلك الي، فقالوا: يا ابا الحسن ردنا فقال (عليه السلام): يا ريح رديهم الى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فحملتنا فإذا نحن بين يديه، فقص عليهم رسول الله القصة كما جرت فقال: حبيبي جبريل اخبرني ان عليا فضله الله عليكم. وعنه عن يعقوب بن بشر عن زيد بن عامر الطاطري عن زيد بن شهاب الازدي عن زيد بن كثير اللخمي عن ابي سمينة محمد بن علي عن ابي بصير عن مولانا الصادق (عليه السلام) قال: لما اظهر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فضل امير المؤمنين كان المنافقون يتخافتون بذلك ويسترونه خوفا من رسول الله الى ان خطب اكابر قريش فاطمة، وبذلوا في تزويجها الرغائب، فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يزوج احدا منهم حتى خطبها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا علي ما خطبتها إلا والله زوجك إياها في السماء لأن الله وعد ذلك فيك وفي ابنتي فاطمة فقام إليه أبو أيوب خالد بن زيد الانصاري وقال: يا رسول الله وقد زوج الله عليا في السماء بفاطمة (عليها


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 113 ]

السلام) ؟ فقال له (عليه السلام): نعم يا ابن أيوب أمر الله الجنة ان تتزخرف وشجرة طوبى أن تنشر أغصانها في السبع سماوات الى حملة العرش وان تحمل بأغصانها درا وياقوتا ولؤلؤا ومرجانا وزبرجدا وزمردا أصكاكا مخطوطة بالنور، هذا ما كان من الله للملائكة وحملة عرشه وسكان السماوات كرامة لحبيبة وابنته فاطمة ووصيه علي وأمر لجبريل وميكائيل واسرافيل وعزرائيل واللوح المحفوظ والقلم ونون، وهي مخازن وحي الله وتنزيله على انبيائه ورسله وان يقفوا في السماء الرابعة وان يخطب جبريل بأمر الله، ويزوج ميكائيل عن الله، ويشهد جميع الملائكة وانتثرت طوبى من تحت العرش الى السماء الدنيا فالتقط الملائكة ذلك النثارة الصكاك فهو عندهم مذخور. قال أبو أيوب: يا رسول الله ما كان نحلتها ؟ قال يا أبا أيوب شطر الجنة وخمس الدنيا وما فيها والنيل والفرات وسيحان وجيحان والخمس من الغنائم كل ذلك لفاطمة (عليها السلام) نحلة من الله وحبا لا يحل لأحد أن يظلمها فيه بورقة. قال أبو أيوب: بخ بخ يا رسول الله هذا من الشرف العظيم أقر الله بها عينيك وعيوننا يا رسول الله فقام حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قائما على قديمه وقال: يا رسول الله تزوجها في يوم الأربعين من تزويجها في السماء، قال حذيفة بن اليمان: ما نحلتها في الأرض يا رسول الله ؟ قال: يا ابا عبد الله نحلتها ما تكون سنة من نساء امتي من آمن منهن واتقى قال: وكم هو يا رسول الله ؟ قال خمسمائة درهم، قال حذيفة: يا رسول الله لا يزيد عليها في نساء الأمة فإن بيوتات العرب تعظم النحلة وتتنافس فيها تأديبا من الله ورحمة منه في ابنتي واخي. قال حذيفة بن اليمان يا رسول الله فمن لم يبلغ الخمسمائة درهم ؟ قال له (عليه السلام) تكون النحلة ما تراضيا عليه قال حذيفة: يا رسول الله


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 114 ]

فإن احب احد من الأمة الزيادة على الخمسمائة درهم ؟ فقال له (عليه السلام) يجعل ما يعطيها من عرض الدنيا برا ولا يزيد على الخمسمائة درهم، فقال حذيفة: صدقت يا رسول الله فيما بلغتنا اياه عن الله عز وجل في قوله عز من قائل: (وان آتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا وكيف تأخذونه وقد افضى بعضكم الى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا). قال النبي (صلى الله عليه وآله): ما وجب لهن ذلك الا عند الإفضاء اليهن، ألا ترى يا أبا عبد الله حذيفة، وتسمع قوله عز وجل: (وان طلقتموهن من قبل ان تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفو أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم ان الله كان بما تعلمون بصير) فأعلم عز ذكره انه إذا لم يفض اليهن ولم يمسسن أن لا تأخذوا شيئا. قال فلما تمت الأربعون يوما أمر الله رسوله (صلى الله عليه وآله) أن يزوجها من علي (عليه السلام) فزوجت في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحضر جميع المسلمين، وفيهم حاسد لعلي وشامت بفاطمة، وانها تزوجت من فقير ورضا مسرورا رضاء الله ورسوله، فلما اجتمع الناس وتكاتفوا قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): قد اخبرتكم معاشر الناس ما اكرمني به الله واكرم به اخي عليا وابنتي فاطمة (عليهما السلام)، وتزويجها في السماء وقد أمرني الله أن ازوجه في الأرض وأن اجعل له نحلتها خمسمائة درهم ثم تكون سنة في امتي من أغناهم، والمقل منهم ما تراضيا عليه. ثم قال: قم يا علي فديتك فاخطب لنفسك فان هذا يوم كرامتك عند الله وعند رسوله. فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): الحمد لله حمدا لأنعمه وأياديه،


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 115 ]

ولا إله إلا الله شهادة تبلغه وترضيه، وصلى الله على محمد صلاة تزلفه وتحظيه، الا وان النكاح مما امر الله به ورضيه، ومجلسنا هذا مما قدره الله وقضى فيه، هذا رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد زوجني ابنته فاطمة وصداقها علي خمسمائة درهم فاسألوا رسول الله، واشهدوا علي. فقال رسول الله: ما زوجتك حتى زوجك الله في السماء منذ أربعين يوما، فاشهدوا رحمكم الله فخرج مولى لأم سلمة - زوجة رسول الله (صلى الله عليه وآله) - فنثر سكرا ولوزا ونثر الناس من كل جانب، وانصرف رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويده في يد أمير المؤمنين (عليهما السلام) حتى دخل الى مشرفة ام سلمة، وهي مشرفة عالية البناء كثيرة الأبواب والطاقات وانصرف الناس إلى منازلهم، وارتفع في دور الأنصار نقر الدفوف من مشارف رسول الله (صلى الله عليه وآله) والأصوات بحمد الله وشكره والثناء عليه، فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بتمرات كانت له في قعب وفضلة سمن عربي فطرحه في قصعة كانت له وفتها بيده اليمنى وقال: قدموا يا أنصار الصحاف والقصاع، واحملوا الى سائر اهل المدينة وأبواب المهاجرين والانصار، ثم سائر المسلمين واسرعوا في المدينة للسابلة ما يأكلون ويتزودون فلم تزل يده المباركة فيه تنقل من قصعة الى الصحاف من ذلك الخبز وهي تمتلئ وتفيض حتى امتلأ منهما منازل المسلمين في المدينة وأسرعت في الطرقات فأكلت وتزودت السابلة وسائر الناس وقصعته (عليه السلام) كهيئتها بحالها. وتكلم المنافقون والحساد لأمير المؤمنين (عليه السلام) وقالوا لنسائهم: ألقين الى فاطمة ما تسمعن منا فبلغنها وقلن لها خطبك اكابر الناس أغنياءهم وبذلوا لك الرغائب، فزوجك رسول الله (صلى الله عليه وآله) من فقير قريش وليس له خمسمائة درهم الا ثمن درعه التي وهبها له رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومن لا يقدر يملك من الدنيا اكثر من فراش أديم، ومضوغة محشوة ليف النخيل، وأصواف الغنم.


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 116 ]

فألقت نساؤهم إلى فاطمة (عليها السلام) هذا القول وزدن منه وحكت ام سلمة لرسول الله (صلى الله عليه وآله) فخرج الى مسجده واجتمع الناس من حوله فقال (عليه السلام): ما بال قوم منكم يؤذون الله ورسوله وعليا وفاطمة ؟ فقال الناس: لعن الله من يؤذيك يا رسول الله، ومن لم يرضى ما رضيت، ويسخط ما سخطت. فقال لهم: ليبلغني عن قوم منكم انهم يقولون اني زوجت فاطمة من أفقر قريش وقد علم كثير من الناس ان الله تعالى أمر جبريل (عليه السلام) ان يعرض علي خزائن الأرض وكنوزها وما فيها من تبر ولجين وجوهر، واتاني مفاتيح الدنيا وكشف لي عن ذلك حتى رأيت من خزائن الأرض وكنوزها وجبالها وبحارها وانهارها، فقلت له وأخى علي، يرى ما رأيت ويشهد ما شهدت، فقال حبيبي جبريل: نعم، فقلت: ما عند الله من الملك الذي لا يحول ولا يزول في الآخرة التي هي دار القرار أحب الي من هذه الدنيا الفانية فكيف اكون واخي عليا وابنتي فاطمة ؟ الله بيني وبين المنافقين من امتى، فانزل الله عز وجل: (لقد كفر الذين قالوا ان الله فقير ونحن أغنياء) الى آخر القصص. وعنه بهذا الإسناد عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لما كثر قول المنافقين وحساد أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) في ما يظهره رسول الله (صلى الله عليه وآله) من فضل أمير المؤمنين (عليه السلام) ويبصر الناس ويدلهم ويأمرهم بطاعته ويأخذ البيعة له من كبرائهم ومن لا يؤمن غدره، ويأمرهم بالتسليم عليه بإمرة المؤمنين، ويقول لهم: انه وصيي، وخليفتي، وقاضي ديني، ومنجز وعدي، والحجة على خلقه من بعدي، من اطاعه سعد ومن خالفه ضل وشقي، قال المنافقون: لقد ضل محمد في ابن عمه علي وغوى وجن، والله ما فتنه فيه ولا حببه إليه إلا قتل الشجعان والفرسان يوم بدر وغيره من قريش وسائر العرب واليهود، وان


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 117 ]

كل ما يأتينا به ويظهره في علي من هواه وكل ذلك يبلغ رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى اجتع التسعة الرهط المفسدون في الأرض في دار الاقرع بن حابس التميمي وكان مسكنها في وقت صهيب الرومي، وهم التسعة الذين هم أعداء أمير المؤمنين علي (عليه السلام) كان عددهم عشرة، وهم أبو بكر وعمر وعثمان وطلحة وسعد وسعيد عبد الرحمن بن عوف الزهري وخالد بن الوليد وابو عبيدة بن الجراح، فقالوا: قد اكثر رسول الله في أمر علي وزاد فيه حتى لو امكنه أن يقول لنا اعبدوه لقال، قال سعد ابن أبي وقاص: ليت محمدا أتانا فيه بآية من السماء كما أتاه في نفسه من الآيات من شق القمر وغيره، فباتوا ليلتهم تلك، فنزل نجم من السماء حتى صار على ذروة المدينة حتى دخل ضوءه في البيوت وفي الآبار والمغارات وفي المواضع المظلمة من منازل الناس فذعر أهل المدينة ذعرا شديدا وخرجوا وهم لا يعلمون ذلك النجم على دار من نزل، ولا أين هو معلق الا انهم يظنونه على بعض منازل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وسمع رسول الله ذلك الضجيج والناس فخرج الى المسجد وصاح بالناس: ما الذي ازعجكم واخافكم ؟ من هذا النجم النازل على دار أخي علي بن أبي طالب ؟ فقالوا: نعم. فقال: فلا يقول منافقوكم التسعة الذين اجتمعوا في أمسكم في دار صهيب الرومي فقالوا في وفي أخي علي ما قالوا، وقال قائل: ليت محمدا، أتانا بآية من السماء في علي كما أتانا بها في نفسه من شق القمر وغيره فأنزل الله عز وجل هذا النجم على ذروة دار أخي علي آية له خصه الله بها فلم يزل ذلك النجم معلقا على مشربة امير المؤمنين (صلوات الله عليه) ومعه في المسجد الى ان غاب كل نجم من السماء وهذا النجم معلق. فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله): هذا حبيبي جبريل قد انزل علي في هذا النجم وحيا وهو ما تسمعونه، ثم قرأ (عليه السلام): (بسم الله الرحمن الرحيم والنجم إذا هوى، ما ضل صاحبكم وما


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 118 ]

غوى، وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، علمه شديد القوى) ثم ارتفع النجم وهم ينظرون إليه، والشمس قد بزغت وعاب كل نجم في السماء. فقال بعض المنافقين: لو شاء محمد لأمر هذه الشمس فنادت باسم علي فقالت: هذا ربكم فاعبدوه، فهبط جبريل (عليه السلام) فخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بما قالوا، وكان هذا في ليلة الخميس وصبيحته، فأقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله) بوجهه الكريم على الله وعلى الناس وقال: استعيدوا عليا من منزله فاستعادوا إليه (عليه السلام)، فقال: يا ابا الحسن ان قوما من منافقي امتي ما قنعوا بآية النجم حتى قالوا: لو شاء محمد لأمر الشمس ان تسلم على علي وتقول هذا ربكم فاعبدوه، فبكر يا علي بعد صلاتك الفجر الى بقيع الغرقد وقف نحو مطلع الشمس فإذا بزغت الشمس فادع بدعوات نلتفك اياها وقل للشمس: السلام عليك يا خلق الله الجديد، واسمع ما تقول وما ترد عليك، وانصرف الى البقيع، فسمع الناس قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسمع التسعة الرهط المفسدون في الأرض فقال بعضهم لبعض: لا تزالون تغرون محمدا في ابن عمه علي على كل شئ، وليس قال مثلما قاله في هذا اليوم، فقال اثنان منهما، واقسما بالله جهد ايمانهما انهما لا بد أن يحضرا الى البقيع حتى ينظرا ويسمعا ما يكون من علي والشمس، فلما صلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) صلاة الفجر وأمير المؤمنين (عليه السلام) في الصلاة معه أقبل عليه، وقال: قم يا أبا الحسن الى ما أمرك الله به ورسوله فأت البقيع حتى تقول للشمس ما قلت لك فأسر إليه سرا كان فيه الدعوات التي علمه اياها فخرج امير المؤمنين (عليه السلام) يسعى الى البقيع وتلاه الرجلان، وتلاهما آخرون معهم حتى انتهوا الى البقيع فأخفيا اشخاصهما بين تلك القبور ووقف امير المؤمنين (عليه السلام) بجانب البقيع حتى بزغت الشمس فهمهم كما علمه النبي


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 119 ]

بهمهمة لم يعرفوها فقالوا: هذه الهمهمة مما علمه محمد من سحره، وقال: السلام عليك يا أول خلق الله الجديد، فأنطقها الله بلسان عربي مبين، وقالت له: وعليك السلام يا أخا رسول الله ووصيه أشهد انك عبد الله وأخو رسول الله حقا فأرعد القوم واختلطت عقولهم ورجعوا الى رسول الله (صلى الله عليه وآله) مسودة وجوههم تفيض أنفسهم غيظا، فقالوا: يا رسول الله ما هذه العجائب التي لم تسمع من النبيين ولا من المرسلين ولا في الأمم الغابرة القديمة ليت تقول: ان عليا ليس بشرا وهو ربكم فاعبدوه، فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمحضر علي: ما رأيتم ؟ فقالوا: ما نقول ونسمع ونشهد بما قال علي للشمس وما قالت له الشمس، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا بل تقولون ما قال علي للشمس فقالوا: قال علي للشمس: السلام عليك يا اول خلق الله الجديد، بعد ان همهم همهمة تزلزل منها البقيع فأجابته الشمس: وعليك السلام يا أخا رسول الله ووصيه اشهد انك عبد الله واخو رسول الله حقا. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الحمد لله الذي خصنا بما تجهلون وأعطانا ما لا تعلمون وقد علمتم أني واخيت عليا دونكم واشهدتكم انه وصيي فما انكرتم عساكم تقولون: لم قالت له الشمس أشهد أنك أنت الأول والآخر والظاهر والباطن قالوا: يا رسول الله انك اخبرتنا أن الله هو الأول والآخرو والضاهر والباطن في كتابه العزيز المنزل عليك، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ويحكم وأني لكم بعلم ما قالت الشمس ؟ أما قولها: إنك الأول فصدقت أنه أول من أمن بالله ورسوله ممن دعوتهم من الرجال إلى الإيمان بالله وخديجة في النساء، وأما قولها له: الآخر فهو آخر الأوصياء وأنا آخر النبيين والرسل، وقولها: الظاهر فهو الذي ظهر على كل ما اعطاني الله من علمه فما علمه معي غيره ولا يعلمه بعدي سواه ومن ارتضاه الله لبشريته من صفوته، وأما قولها:


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 120 ]

الباطن فهو والله باطن علم الأولين والآخرين وسائر الكتب المنزلة على النبيين والمرسلين وما زادني الله وخصني الله من علم وما تعلمونه. واما قولها له: يا من انت بكل شئ عليم فإن عليا يعلم علم المنايا والقضايا وفصل الخطاب فماذا انكرتم، فقالوا بأجمعهم نحن نستغفر الله يا رسول الله لو علمنا ما تعلم لسقط الاعتذار، والفصل لك يا رسول الله ولعلي فاستغفر لنا، فانزل الله تبارك وتعالى: (سواء عليهم استغفرت لهم ام لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم ان الله لا يهدي القوم الفاسقين) وهذه في سورة المنافقون. فكان هذا من دلائله (عليه السلام). وعنه عن محمد بن منير القمي عن زيد بن صعصعة التميمي عن عمار بن عيسى عن علي بن ابي حمزة عن ابي بصير عن ابي جعفر محمد بن علي (عليهما السلام)، قال قلت: يا سيدي كم من مرة ردت الشمس على جدك امير المؤمنين قال: يا أبا بصير ردت له مرة عندنا بالمدينة، ومرتين عندكم بالعراق. فأما التي عندنا بالمدينة فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) صلى العصر وخرج الى منفسح في غربي المدينة، وامير المؤمنين (صلوات الله عليه) يتبعه ولم يكن صلى العصر فلحق رسول الله (صلى الله عليه وآله) النعاس فوضع رأسه في حجر أمير المؤمنين (عليه السلام) ورقد فلم ينتبه من رقدته إلا وقد تورات الشمس بالحجاب فلما انتبه رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال أمير المؤمنين: يا رسول الله ما صليت ولا ايقظتك من رقدتك اجلالا واعظاما واشفاقا عليك يا رسول الله فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): اللهم انك تعلم ان عليا عظم نبيك واشفق عليه ان يوقظه من رقدته حتى غربت الشمس ولم يصل العصر فكرم نبيك ووصيك برد الشمس عليه حتى يصلي العصر فأقبلت من مغربها راجعة لها زجل بالتسبيح والتقديس، حتى صارت في منزلة الشمس لوقت العصر فصلى امير المؤمنين (عليه السلام) ورسول الله (صلى الله عليه


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 121 ]

وآله) جميع الناس ينظرون فلما قضى صلاته هوت الى مغربها كالبرق الخاطف أو كالكوكب المنقض فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يبني في موضع صلاة العصر التي صلاها أمير المؤمنين مسجدا يصلى فيه ويزار. قال السيد الحسين بن حمدان (رضي الله عنه): انا رأيت هذا المسجد في غربي المدينة في ارض السهلة سنة ثلاث وسبعين ومأتين من الهجرة وصليت به مع جمع كثير من الناس والمسجد يجدد أبدا في كل زمان ويعرف بموضع ردة الشمس لعلي امير المؤمنين (رضي الله عنه) وهو مشهد معروف. وأما الأولى من المرتين في العراق فإن امير المؤمنين سار بعسكره من النخلية مغربا حتى اتى نهر كربلاء فمال الى بقعة يتضوع منها المسك وقد جن عليه الليل مظلما معتكرا ومعه نفر من أصحابه وهم محمد بن أبي بكر والحارث الاعور الهمداني وقيس بن عبادة ومالك الأشتر وإبراهيم بن الحسن الازدي وهاشم المري، قال ابن عبيد الله بن يزيد: فلما وقف في البقعة وترجل النفر معه وصلى، وقال لهم: صلوا كما صليت، ولكم علي علم هذه البقعة فقالوا: يا أمير المؤمنين لك منن علينا بمعرفتها، فقال (عليه السلام) هذه والله الربوة ذات قرار ومعين، التي ولد فيها عيسى (عليه السلام)، وفي موضع الدالي من ضفة الفرات غسلت مريم، واغتسلت وهي البقعة المباركة التي نادى الله موسى من الشجرة، وهي محط ركاب من هنأ الله به جده رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعزاه، فبكوا وقالوا: يا أمير المؤمنين هو سيدنا أبو عبد الله الحسين ؟ قال لهم أمير المؤمنين (عليه السلام): اخفضوا من أصواتكم فإنه واخوانه في هذا السواد وما أحب أن يسمعوا فيحزنوا على الحسين، على أن الحسين قد علم وفهم ذلك كله، وأخبره به جده رسول الله (صلى الله عليه وآله).


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 122 ]

ثم قبض قبضة من نثر دوحات كأنهن قضبان اللجين، فاشتمها ثم ردها في ايدينا، وقال: تحيوا بها فأخذناها فإذا هي بعر غزلان فقال لنا: لا تظنوا أنها من غزلان الدنيا، بل هي من غزلان الجنة، تعمر هذه البقعة وتؤنسها وتنثر فيها الطيب. قال قيس بن سعد بن عبادة: كيف لنا بأن نرسم هذه البقعة بأبصارنا، وهذا الليل بظلمته يمنعنا من ذلك ؟ فقال لهم: هذا عسكرنا حائر لا يهتدي مسيره، فقال له محمد ابن أبي بكر يا مولانا ومولى كل مؤمن ومؤمنة، فأين فضلك الكبير لا يدركنا ؟ فانفرد أمير المؤمنين (عليه السلام) في جانب من البقعة، وصلى ركعتين ودعا بدعوات فإذا الشمس قد رجعت من مغربها فوقفت في كبد السماء فهلل العسكر وكبروا وخر اكثرهم سجدا لله، ونظروا الى البقعة وعرفوها وعلموا أين هي من الفرات وهي كربلاء ثم سار العسكر على الجادة وغربت الشمس. وأما الثالثة فإن أمير المؤمنين (عليه السلام) انكفأ من النهروان بعد قتله الخوارج حتى قرب من أرض بابل وقد وجبت صلاة العصر في أرض بابل، فلما وجبت أقبل الناس من العسكر وهم سائرون يقولون: يا أمير المؤمنين، الصلاة ليلا، ثم يجري في ارض قد خسف الله فيها بطشه وهي ارض لا يصلي لها نبي ولا وصي، فأقبل الناس يصلون الى أن غربت الشمس وقد صلى اهل المعسكر الا أمير المؤمنين وجويرية بن مسهر يقول: والله لأقلدن صلاتي لأمير المؤمنين فإني اصلها وقد صلاها سائر العسكر، ولي بأمير المؤمنين أسوة، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): ما صليت ؟ فقال: لا يا امير المؤمنين ما صليت، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): أذن وأقم حتى نصلي العصر، فصلى أمير المؤمنين وهو منفرد من العسكر ودعا بدعوات من الانجيل لم يسمع احد منها كلمة الا جويرية فإنه سمعه يقول: اللهم اني اسألك بإسمك الأعظم ودعا بالكلمات


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 123 ]

الانجيلية، فاقبلت الشمس بعد غروبها راجعة لها ضجيج وزجل بالتسبيح والتقديس حتى صارت في درجة وقت العصر فصلى وجويرية معه وندم اهل المعسكر في صلاتهم دونه. قال جويرية: يا أمير المؤمنين لم أعلم أن الشمس ترد لصلاتك، فقال أمير المؤمنين منه السلام: لا تثريب عليك اليوم يا جويرية فقال قوم من العسكر: فقد صلينا يا أمير المؤمنين في ارض بابل، فقال لهم أمير المؤمنين: انتم المغرورون، إذ قلتم ما لا تعلمون واعلموا رحمكم الله ان لكل شئ حرما يكون اربعين ذراعا الا محرم مكة فإنه اثنا عشر ميلا على يمين الكعبة اربعة وثمانية بيسارها، وكذلك امركم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان تباشروا في القبلة وإذا صليتم تباينوا فانكم إذا باشرتم في وسط القبلة تباينتم خرجتم عنها وانما صليتم في حرم الفرات، ثم رجعت الشمس بعينها منقضة كالكوكب المنقض أو الشهاب الثاقب فلما توارت بالحجاب امر العسكر الى غربي الفرات فعبروا ثلاث ساعات من الليل وعسكروا بقرية سور العقيق وأمروا في الأذان والاقامة فصلى بالناس العشائين وسار من ليلته حتى ورد الكوفة. وروي انه لم ترد الشمس لأحد من خلق الله تعالى الا ليوشع بن نون وصي موسى (عليه السلام) ولأمير المؤمنين (عليه السلام) وكان آخر قتالهم له يوم الجمعة الى أن غربت الشمس وقد ظهر على المنافقين اصحاب يوشع (عليه السلام)، وقال قاتلوهم فقد غلبتموهم بإذن الله فقالوا: لا نقاتل وقد دخل السبت فانفرد يوشع (عليه السلام) فتلا اسفارا من صحف إبراهيم (عليه السلام) ومن التوراة، وسأل الله عز وجل برد الشمس عليهم حتى لا يحتج المارقون، فقال يوشع (عليه السلام): قاتلوا، قالوا: لا نقاتل لان السبت قد دخل، قال: هذا لا من السبت ولا من الجمعة، وإنما سألت الله عز وجل رد الشمس لتظهروا على أعدائكم ولا يظهروا فقاتلوهم فغلبوهم وملكوهم وغربت الشمس وكانت صفراء ابنة


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 124 ]

شعيب النبي (عليه السلام) زوجة موسى بن عمران (عليه السلام) تقاتل يوشع بن نون (عليه السلام) مع المارقين من بني اسرائيل على زارفة كما قاتلت عائشة ابنة أبي بكر زوجة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وصيه أمير المؤمنين (عليه السلام) مع المارقين من امته على جمل. وقد ردت ليوشع مرة، وقد ردت لأمير المؤمنين ثلاث مرات وسلمت عليه بالبقيع. وهذا نبي الله سليمان بن داود (عليهما السلام) أمر بأن تعرض عليه خيله حتى اعجب بها وفتنته الى ان غربت الشمس، وفاتته صلاة العصر، فذكر انه لم يصل صلاة العصر فأمر برد خيلة فأمر بضرب سوقها واعناقها كفارة لما فوتته صلاة العصر ولم ترد الشمس له فصلى العصر، كما ردت لامير المؤمنين (عليه السلام) الفضل لرسول الله (صلى الله عليه وآله) لأن الفضل للنبيين والمرسلين، ولأمير المؤمنين لأنه أفضل الوصيين والأئمة الراشدين. وقد قص الله خبر سليمان (عليه السلام) فقال تعالى: (إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد فقال اني احببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والاعناق) ولم يخبر الا به ولم يخبر عن نفسه (عليه السلام) ولا اخبر ان الشمس ردت عليه فكان هذا من دلائله (عليه السلام). وعنه عن محمد بن جابر بن عبد الله بن خالد الخزاعى، عن محمد بن جعفر الطوسي، عن محمد بن صدقة العنبري عن محمد بن سنان الزاهري، عن الحسن بن جهم عن ابي الصامت، عن جابر بن يزيد الجعفي عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: بينما أمير المؤمنين (عليه السلام) متجهز الى معاوية ويحرض الناس على قتاله اختصم إليه رجلان فعجل احدهما بالكلام وزاد فيه فالتفت إليه امير المؤمنين وقال له: اخسأ يا


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 125 ]

كلب فإذا رأسه رأس كلب فبهت من كان حوله، واقبل الرجل باصبعه المسبحة يتضرع الى امير المؤمنين ويسأله الاقالة فنظر إليه وحرك شفتيه فعاد خلقا سويا فوثب بعض اصحابه فقالوا له: يا أمير المؤمنين هذه القدرة لك اريتنا اياها وانت تجهزنا الى قتال معاوية، فما لك لا تكفينا ببعض ما اعطاك الله من هذه القدرة ؟ فأطرق قليلا ورفع رأسه إليهم فقال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو شئت لضربت برجلي هذه القصيرة في طول هذه الفيافي والفلوات والجبال والاودية حتى اضرب صدر معاوية على سريره فأقبله على أم رأسه لفعلت، ولو أقسمت على الله عز وجل أن آتي به قبل أن أقوم من مجلسي هذا ومن قبل ان يرتد الى احدكم طرفه لفعلت ولكنا كما وصف الله عز من قائل: (عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعلمون) فكان هذا من دلائله (عليه السلام). وعنه عن ابي الحسن بن يحيى الفارسي عن عقيل بن يحيى الحسيني عن زيد بن عمر بن كثير المدني عن جعفر بن محمد الحلبي عن حمران بن اعين عن ميثم التمار قال: خطب بنا أمير المؤمنين (عليه السلام) في جامع الكوفة فاطال خطبته وعجب الناس من طولها وحسن وعظها وترغيبها وترهيبها إذ دخل نذير من ناحية الانبار وهو مستغيث يقول: الله الله يا أمير المؤمنين في رعيتك وشيعتك، هذه خيل معاوية قد شنت علينا الغارات في سواد الفرات، ما بين هيت والانبار، فقطع أمير المؤمنين الخطبة، وقال: ويحك ان خيل معاوية قد دخلت الدسكرة التي تلي جدران الأنبار فقتلوا فيها سبع نسوة وسبعة من الاطفال ذكرانا، وشهروهم ووطئوهم بحوافر خيلهم، وقالوا هذه مراغمة لأبي تراب. فقام إبراهيم بن الحسن الازدي بين يدي المنبر فقال: " يا أمير المؤمنين هذه القدرة التي رأيت بها وأنت على منبرك وفي دارك، وخيل معاوية ابن آكلة الأكباد فعل بشيعتك ما فعل " ويعلم بها هذا النذير، ما بالها تقصر عن معاوية ؟


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 126 ]

فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): ويحك يا إبراهيم ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي عن بينة فصاح الناس في جوانب المسجد: يا أمير المؤمنين والى متى يهلك من هلك، وشيعتك تهلك ؟ فقال لهم (عليه السلام): ليقضي الله امرا كان مفعولا. فصاح زيد بن كثير المرادي، فقال يا أمير المؤمنين تقول لنا بالأمس وانت متجهز الى معاوية، وتحرضنا على قتاله ويحتكم الرجلان في البغل، فيعجل احدهما عليك في الكلام فتجعل رأسه رأس كلب، ويستجيرك فترده بشرا سويا، ونقول لك ما بال هذه القدرة لا تبلغ معاوية فتكفينا شره، فتقول لنا: وفالق الحبة وبارئ النسمة، لو شئت ان أضرب برجلي هذه القصيرة صدر معاوية فأقلبه على أم رأسه لفعلت، فما بالك اليوم لا تفعل ما تريد الا ان يضعف يقيننا فنشك فيك فندخل النار ؟ فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): لأفعلن ذلك ولأعجلن على ابن هند فمد رجله المباركة على منبره فخرجت من أبواب المسجد، وردها الى فخذه، وقال معاشر الناس افهموا تاريخ الوقت وأعلموه فلقد ضربت برجلي هذه في هذه الساعة صدر معاوية فألقيته على أم رأسه فظن أنه قد هبط به فقال: يا أمير المؤمنين أين النظرة، فرددت رجلي عنه، فتوقع الناس وورد الخبر من الشام بتاريخ تلك الساعة بعينها من ذلك اليوم بعينه ان رجلا جاءت من نحو ابواب كندة ممدودة متصلة قد دخلت من ابواب معاوية والناس ينظرون حتى ضربت صدر معاوية فاقلبته عن سريره على ام رأسه فصاح يا أمير المؤمنين حقا فكان هذا من دلائله (عليه السلام). وعنه عن أبي الحسن محمد بن يحيى الفارسي عن جعفر بن حباب عن محمد بن علي الآدمي عن الحسن بن محبوب عن مالك بن عطية عن ابي حمزة الثمالي عن ابي اسحاق القرشي قال دخلت المسجد الأعظم بالكوفة وإذا انا بشيخ أبيض الرأس واللحية يستمد بأعلى صوته ويبكي ودموعه


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 127 ]

تسيل على خديه فقلت له: يا شيخ ما يبكيك ؟ فقال: انه أتى علي نيف ومائة سنة لم ار فيها عدلا ولا حقا ولا علما ظاهرا الا ساعة من الليل وساعة من النهار، فانا ابكي لذلك فقلت: وما تلك الساعة والليلة واليوم الذي رأيت فيه العدل ؟ قال: اني كنت رجلا من اليهود وكان لي ضيعة بناحية سور، وكان لنا جار في القرية من اهل الكوفة يقال له الأعور الهمداني وكان رجلا مصابا باحدى عينيه وكان خليطا وصديقا، وإني دخلت الكوفة يوما من الايام بطعام لي على أحمرة لي أريد بيعه فبينما أنا أسوق حميري وإذا بصوت في سبخة الكوفة وذلك بعد العشاء والآخرة فافتقدت حميري فكأن الأرض ابتلعتها أو السماء تناولتها أو كأن الجن اختطفتها فمررت يمينا وشمالا فلم اجدها فأتيت منزل الحارث الهمداني من ساعتي اشكو إليه ما أصابني فلما أخبرته قال: انطلق بنا إلى منزل أمير المؤمنين حتى أخبره فانطلقنا إليه وأخبره بالخبر، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) للحارث انطلق الى منزلك وخلني واليهودي فأنا ضامن له حميره وطعامه، حتى اردها إليه، فأخذ بيدي ومضى حتى أتينا الموضع الذي فقدت فيه حميري فوجه وجهه عني وتحركت شفتاه بكلام لا أفهمه ثم رفع رأسه فسمعته يقول: والله ما بايعتموني وعاهدتموني معاشر الجن إلا بالطاعة لي والاستماع لامري وأيم الله لئن لم تردوا على هذا اليهودي حميره وطعامه لأنقضن عهدكم ولأجاهدن فيكم حق الجهاد، قال: فوالله ما فرغ امير المؤمنين من كلامه حتى رأيت حميري وطعامي بين يدي فقال لي أمير المؤمنين إختر يا يهودي احدى الخصلتين إما أن تسوق حميرك وأنا أحرسها من ورائها وإما أن أسوقها أنا وأنت تحرسها، فقلت: أنا أسوقها وتقدم أنت يا أمير المؤمنين فتقدم وأتبعته الحمير حتى انتهى بها الى الرحبة فقال: يا يهودي أحط عنها وتحفظها أنت، أو تحط وأحفظها أنا حتى يصبح الصبح ؟ فإنه عليك بقية من الليل، فقلت له: يا مولاي أنا أقوى عليها بالحط، وأنت اقوى عليها بالحفظ فقال خلني وإياها ونم، حتى يطلع الفجر فليس عليك بأس فلما طلع الفجر نبهني، ثم قال لي: قد طلع الفجر فاحفظ عليك


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 128 ]

طعامك وحميرك ولا تغفل عنها حتى اعود اليك فانطلق وصلى بالناس الصبح فلما طلعت الشمس أتاني، وقال افتح عن برك على بركة الله ففعلت ثم قال: اختر خصلة من خصلتين، إما تبيع واستوفي انا، وإما استوف أنت وابيع أنا، فقلت: انا اقوى على بيعها وأنت اقوى على استيفائها فبعت انا واستوفى لي الثمن، ودفعه إلي وقال: ألك حاجة ؟ فقلت: نعم أريد أدخل الى السوق في شراء حوائج فقال: امض حتى اعينك عليها، فانك ذمي فلم يزل معي حتى فرغت من حوائجي، ثم ودعني فقلت له عند الفراق: اشهد ان لا اله الا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وإنك وصيه وخليفته على الجن والانس فجزاك الله عن الإسلام خيرا. ثم انطلقت الى قريتي واقمت بها شهورا ونحو ذلك، فاشتقت الى رؤية أمير المؤمنين من تلك الليلة فقدمت الكوفة فقيل لي قد قتل أمير المؤمنين (عليه السلام)، فاسترجعت وصليت صلاة كثيرة وقلت عند ذلك ذهب العلم، فكان هذا اول عدل رأيته تلك الليلة وآخر عدل رأيته في ذلك اليوم فما لي لا ابكي. فكان هذا من دلائله (عليه السلام). وعنه عن علي بن محمد الصيرفي قال: حدثني علي بن محمد بن عبد الله الخياط، قال: حدثني الحسين بن علي عن ابي حمزة البطائني وهو علي بن معمر عن جابر بن يزيد الجعفي، عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: خرج أمير المؤمنين الى اصحابه فقال: يا قوم أرأيتم أن لا تذهب الايام والليالي حتى يجري ها هنا نهر تجري فيه السفن، فما انتم قائلون ؟ أفأنتم مصدقون فيما قلت أم لا ؟ قالوا يا أمير المؤمنين: ويكون هذا ؟ قال: والله كأنني انظر الى نهر في هذا الموضع يزخر فيه الماء وتجري فيه السفن يحرفه طاغوت ينسب إلينا وليس هو منا يكون على أهل هذه العترة اولا عذابا، ورحمة عليهم اخرا فلم تذهب الايام والليالي حتى حفر الخندق بالكوفة حفره المنصور فكان عذابا على اهلها اولا ورحمة عليهم آخرا، ثم


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 129 ]

جرى فيه الماء والسفن وانتفع الناس به فكان هذا من دلائله (عليه السلام). وعنه عن الحسن عن أبي حمزة عن أبيه قال: حدثني مسعود المدائني، وحسين بن محمد بن فرقد جميعا عن فضل الرسول عن أبي جعفر (عليه السلام) ان أمير المؤمنين قال له أصحابه: لو أريتنا ما تطمئن به قلوبنا مما في يدك مما أنهى اليك رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: لو أريتكم عجيبة من عجائبي لكفرتم، وقلتم: ساحر أو كاهن ولكان هذا من أحسن قولكم فقالوا: يا أمير المؤمنين ما منا أحد إلا وهو يعلم إنك ورثت علم رسول الله وصار إليك فقال: علم العالم صعب مستصعب، لا يحمله الا ملك مقرب، أو نبي مرسل، أو مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان، وأيده بروح منه، فإذا أبيتم إلا أن أريكم بعض عجائبي وما أتاني من العلم فاتبعوا اثري، إذا صليت العشاء الآخرة فلما صلى اخذ طريقه الى ظهر الكوفة واتبعوه وهم سبعون رجلا ممن كانوا عند انفسهم من خيار الناس وكانوا شيعة له له فقال: إني لست أريكم شيئا حتى آخذ عليكم عهد الله وميثاقه ألا تكفروني ولا ترموني بالمعطلات، والله ما اريكم الا بعض ما اعطيت من ميراث النبي المرسل والحجة علي وعليكم (صلوات الله عليه) فأخذ عليهم عهد الله وميثاقه ثم قال: حولوا وجوهكم حتى أدعو بما أريد فسمعوه جميعا يدعو بالدعوات التي يعرفونها ويعلمونها من أسماء الله، ثم قال حولوا وجوهكم فإذا هم بالقيامة قد قامت، والجنة والنار قد حضرت، وحشر جميعهم فما شكوا في القيامة وإنهم بعثوا وحشروا فقالوا يا أمير المؤمنين ما هذا فقال هكذا يوم القيامة فقال احسنهم قولا: ان هذا الا سحر عظيم، ورجعوا من فورهم كفارا الا رجلان فلما صار مع الرجلين، قال سمعتما مقالة اصحابكما واخذي عليهم العهود والمواثيق ورجوعهم يكفرونني اما والله انهم لفي حجتي، وهكذا كان اصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) يقولون: ساحر كاهن كذاب، وقد علمت قريش ما خلق الله


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 130 ]

خلقا كان خيرا منه، وبالله الذي لا يحلف بأعظم منه وبرسوله ورسله وكتبه كلها إني لست ساحرا ولا كذابا، ولا يعرف هذا الا لي ولرسوله (صلى الله عليه وآله) انهاه الله الى رسوله، وانهاه رسوله الي، وانهيته اليكم فصدق رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وكذبتموني وكذبتم رسله وننبئ عن الله، فإذا رددتم على رسول الله فقد رددتم على الله، ثم قال: وانتما راجعان معي وفي قلوبكما مرض وسيرجع احدكما كافرا قالا يا أمير المؤمنين نرجو ان لا نكفر بعد الايمان، قال: هيهات المؤمن قليل، كما قال الله (وما آمن معه إلا قليل) حتى إذا صار إلى مسجد الكوفة، ودعا بدعوات فسمعناها فإذا حصى المسجد درا وياقوتا ولؤلؤا، فقلنا: يا أمير المؤمنين هذا در وياقوت ولؤلؤ فقال لو أقسمت على الله فيما هو أعظم من هذا لابر قسمي، فرجع احدهما كافرا والآخر مثبتا، واخذ درة من ذلك الدر بيضاء لم ينظر مثلها وقال يا أمير المؤمنين قد اخذت من ذلك الدر درة واحدة وهي معي، قال فما دعاك الى هذا قال: أحببت اعلم احق هو أم باطل ؟ قال له أمير المؤمنين: إنك ان رددتها الى موضعها الذي اخذتها منه عوضك الله ان لم تردها عوضك منها النار، فقام الرجل فردها الى موضعها فتحولت حصاة كما كانت، فاخبره فقال أحسنت. وكان مما روى عمر ابن الحمق وابو الحارث الاعور وميثم التمار، فكان هذا من دلائله (عليه السلام). وعنه عن علي بن الحسين عن اسماعيل بن دينار، عن عمر بن ثابت، عن حبيب عن الحارث الاعور انه كان يوما مع امير المؤمنين (عليه السلام) في مجلس القضايا، إذ اقبلت امرأة مستعدية على زوجها فتكلمت بحجتها وتكلم زوجها بحجته، فأوجب بحجته القضاء عليها فغضبت غضبا شديدا ثم قالت: يا أمير المؤمنين حكمت علي بالجدر وما بهذا امرك الله، قال أمير المؤمنين: يا سلفع يا مهيع يا فردع بل حكمت عليك بالحق الذي تعلمينه فلما سمعت هذا الكلام قامت من بين يديه منسحبة ولم ترد


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 131 ]

عليه جوابا فاتبعها عمر بن حريش، فقال لها: يا أمة الله لقد سمعت منك اليوم عجبا، سمعت أمير المؤمنين قد قال لك كلاما فقمت من بين يديه منهزمة وما رددت عليه حرفا، فاخبريني ما الذي قال لك حتى لم تقدري تردين عليه جوابا ؟ قالت: يا عبد الله لقد اخبرني بما لا يطلع عليه احد غيري، وانا ما قمت من بين يديه الا مخافة ان يخبرني بما هو اعظم مما رماني به فصبرت على واحدة كانت اجمل من صبر على واحدة بعدها. قال لها: فأخبريني ما الذي قال لك ؟ قالت له: يا عبد الله انه قال لي ما اكره ذكره وبعد فانه قبيح أن يعلم الرجل ما في النساء من العيوب، فقال: والله إلا تعرفيني ولا أعرفك ولعلك لا تريني ولا أراك بعد يومي هذا، فلما رأته قد ألح عليها أخبرته بما قال أمير المؤمنين (عليه السلام)، أما قوله لي: يا سلفع، والله ما كذب اي لا تحيض من حيث تحيض النساء، واما قوله: يا مهيع فإني والله امرأة صاحبة نساء وما أنا صاحبة رجال، وأما قوله: يا فردع أي إني لمخربة بيت زوجي، وما ابقي عليه شيئا، فقال: ويحك أو ما علمت بهذا انه ساحر، وكاهن ومجنون أخبرك بما فيك، وهذا علم كثير ؟ فقالت: هو والله غير ما قلت يا عدو الله انه ليس ذا ولكنه من أهل بيت الله ورسوله محمد (صلى الله عليه وآله) علمه إياه لأنه حجة الله على خلقه بعد النبي (عليهما السلام) فكانت أحسن قولا في أمير المؤمنين من عمر بن حريش (لعنه الله) وفارقته، واقبل عمر الى مجلسه، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): يا عمر بن حريش بم استحللت أن ترميني بما رميتني به ؟ وأيم الله لقد كانت المرأة أحسن قولا في منك ولأقفن انا وانت موقفا من الله فانظر كيف تخلص من الله ؟ فقال يا أمير المؤمنين أنا تائب الى الله واليك مما كان فاغفر لي يغفر الله لك، قال: والله لا غفرت لك هذا الذنب حتى اقف انا وانت بين يدي الله فكان هذا من دلائله (عليه السلام).


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 132 ]

وعنه عن محمد بن علي الصيرفي عن علي بن محمد عن وهب بن حفص الجزائري عن بن حسان العجلي، عن فتوى ابنة رشيد الهجري، قال: قلت لها: اخبريني بما سمعت من ابيك، قالت سمعته يقول اخبرني أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال: يا رشيد كيف صبرك إذا أرسل اليك دعي بني أمية فقطع يديك ورجليك ولسانك ؟ فقلت: يا أمير المؤمنين أليس خيرا من ذلك الجنة ؟ فقال: بلى يا رشيد أنت معي في الدنيا والآخرة، قالت فتوى فوالله ما ذهبت الايام والليالي حتى أرسل إليه عبيد الله بن زياد - لعنه الله - فدعاه الى البراءة من أمير المؤمنين (عليه السلام) فأبى أن يتبرأ منه، فقال له الدعي فبأي موتة قال لك تموت ؟ قال أخبرني أمير المؤمنين أنك تدعوني الى البراءة فلا أبرأ منه فتقطع يداي ورجلاي ولساني، فقال: والله لأكذبن قوله فيك فقطع يديه ورجليه وترك لسانه فقلت يا ابت هل أصابك ألم ؟ فقال: لا يا بنتي إلا كالزحام بين النساء والناس، فلما احتملناه من داره بالكوفة اجتمع الناس من حوله فقال: أئتوني بصحيفة ودواة وكتب الناس عنه وذهب اللعين فأخبره انه يحدث والناس يأخذون منه علم ما هو كائن الى يوم القيامة فارسل إليه عبيد الله بن زياد لعنه الله، فقطع لسانه في تلك الليلة. وكان أمير المؤمنين يقول له: انت رشيد البلايا، وكان قد ألقى إليه علم البلايا والمنايا في حياته، إذا لقي الرجل يقول يا فلان تموت ميتة كذا وكذا، وتقتل انت يا فلان قتلة كذا وكذا فيكون كما قال رشيد. وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: رشيد البلايا أي تقتل بهذه القتلة. فكان هذا من دلائله (عليه السلام). وعنه عن علي بن ياسين عن محمد بن علي الرازي عن علي بن محمد بن ميهوب عن يوسف ابن عمران قال: سمعت ميثم التمار يقول: دعاني أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: كيف أنت يا ميثم إذا دعاك


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 133 ]

دعي بني أمية عبيد الله بن زياد - لعنه الله - الى براءة مني ؟ فقلت إذا والله لا أبرأ منك يا مولاي، قال: والله ليقتلنك ويصلبنك. قلت: إذا أصبر وذلك والله قليل في حبك قال: يا ميثم إذا تكون معي في درجتي. قال: وكان ميثم التمار يمر بعريف عبيد الله بن زياد فيقول له يا فلان كأني بك وقد دعاك دعي بني امية وابن دعيها يطلبني منك فتقول هو بمكة، فيقول ما أدري ما تقول، ولا بد لك أن تأتي به فتخرج الى القادسية فتقيم بها أياما، فإذا قدمت إليك ذهبت بي إليه حتى يقتلني وأصلب على باب دار عمرو بن حريث فإذا كان اليوم الرابع ابتدر من منخري دم عبيط. وكان ميثم يمر ينخلة في السبخة فيضرب بيده عليها فيقول: يا نخلة ما غرست إلا لي ولا خلقت الا لك، وكان يمر بعمرو بن حريث فيقول يا عمر إذا جاورتك فأحسن مجاورتي، وكان عمرو يروي عنه ويظن أنه يشتري دارا أو ضيعة ويجاوره لذلك فيقول: ليتك قد فعلت ذلك. ثم خرج ميثم الى مكة فأرسل الطاغوت عبيد الله بن زياد لعنه الله عريف ميثم يطلبه منه فأخبره انه بمكة، فقال: لئن لم تأتني به لأقتلنك فأجله اجلا، وخرج العريف الى القادسية ينظر ميثم فلما قدم ميثم اخذ بيده فاتى به الى ابن زياد (لعنه الله) فلما ادخله علي، قال: يا ميثم قال: نعم، قال: تبرأ من أبي تراب، قال: لا اعرف أنا ابا تراب، قال: تبرأ من علي بن أبي طالب قال: فإن لم أفعل ؟ قال: إذا والله اقتلك، قال: وايم الله انه قد كان يقول لي انك تقتلني وتصلبني على باب دار عمرو بن حريث فإذا كان اليوم الرابع ابتدر من منخري دم عبيط، فأمر ابن زياد (لعنه الله) بصلبه على باب دار عمرو بن حريث، فقال للناس: اسألوني وهو مصلوب قبل أن أقتل فوالله لأخبرنكم بعلم ما كان وما يكون الى يوم القيامة وبما يكون من الفتن، فلما سأله الناس حدثهم حديثا واحدا


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 134 ]

فأتى رسول من قبل عبيد الله بن زياد (لعنه الله) فألجمه بلجام شريط من نحاس، فهو أول من ألجم بلجام وهو مصلوب حيا فمنعه الكلام فأقبل يشير الى الناس بيده ويوحي بعينه وحاجبيه ففهم اكثرهم ما يقوله فامر عبيد الله بن زياد (لعنه الله) بقتله وهو مصلوب على جذع تلك النخلة التي كان يخاطبها إذا مر بها في سبخة الكوفة وكان في جوار عمرو بن حريث فكان هذا من دلائله (عليه السلام). وعنه عن محمد بن علي الرازي عن علي بن محمد بن ميمون الخراساني عن علي بن ابي حمزة عن عاصم الخياط عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: لما اراد امير المؤمنين (عليه السلام) ان يسير الى الخوارج الى النهروان، واستنفر اهل الكوفة وامرهم ان يعسكروا بالمدائن فتخلف عنه شبت بن ربعي والأشعث بن قيس الكندي، وجرير بن عبد الله النخعي، وعمر بن حريش، وقالوا، يا أمير المؤمنين إئذن لنا أياما حتى نقضي حوائجنا ونصنع ما نريد، ثم نلحق بك فقال لهم: خدعتموني بشغلكم، سوءا لكم من مشائخ، والله ما كان لكم من حاجة تتخلفون عليها ولكنكم تتخذون سفرة وتخرجون الى البرية، وتجلسون تنتظرون متنكبون عن الجادة، وتبنطون سفرتكم بين ايديكم وتأكلون من طعامكم، ويمر بكم ضب، فتأمرون غلمانكم، فيصطادونه لكم ويأتونكم به فتخلعون انفسكم عن مبايعتي، وتبايعون الضب وتجعلونه امامكم دوني، واعلموا اني سمعت اخي رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: ما في الدنيا أقبح وجها منكم لانكم تجعلون اخا رسول الله امامكم وتنقضون عهده الذي يأخذه عليكم وتبايعون ضبا وسوف تحشرون يوم القيامة وامامكم ضب، وهو كما قال الله تعالى: (يوم ندعو كل اناس بامامهم) قالوا: والله يا أمير المؤمنين ما نريد الا ان نقضي حوائجنا ونلحق بك ونوفي بعهدك، وهو يقول: عليكم الدمار وسوء الديار والله ما يكون الا ما قلت لكم وما قلت لكم الا الحق.


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 135 ]

ومضى أمير المؤمنين حتى إذا صار بالمدائن وخرج القوم الى الخندق وذهبوا ومعهم سفرة وبسطوا في الموضع وجلسوا يشربون الخمر فمر بهم ضب فامروا غلمانهم فصادوه لهم وأتوهم به فخلعوا امير المؤمنين وبايعوا الضب وبسطوا يده، وقالوا له: أنت والله إمامنا ما بيعتنا لك ولعلي بن ابي طالب الا واحدة، وإنك لاحب إلينا منه، فكان ما قال أمير المؤمنين (عليه السلام)، وكانوا كما قال الله عز وجل (بئس للظالمين بدلا) ثم لحقوا به فقال لهم لما وردوا عليه: فعلتم يا اعداء الله واعداء رسوله وأمير المؤمنين ما اخبرتكم به، فقالوا: يا أمير المؤمنين ما فعلنا، فقال: والله ان بيعتكم مع امامكم، قالوا قد افلحنا إذ بايعنا الله معك، قال: وكيف تكونون معي، وقد خلعتموني وبايعتم الضب ؟ والله لكأني انظر إليكم يوم القيامة والضب يسوقكم الى النار، فحلفوا بالله إنا ما فعلنا، ولا خلعناك ولا بايعنا الضب فلما رأوه كذبهم ولم يقبل منهم، فأقروا له وقالوا اغفر لنا ذنوبنا قال لهم والله لاغفرت لكم ذنوبكم واخترتم مسخا مسخه الله، وجعله آية للعالمين، فكذبتم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد حدثني رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال: ويل لمن كان رسول الله خصمه وفاطمة بنت محمد (عليها السلام). ولما قتل الحسين (عليه السلام) كان شبث بن ربعي وعمرو بن حريث ومحمد بن الأشعث فيمن سار إليه من الكوفة وقاتلوا بكربلاء فقتلوه فكان هذا من دلائله (عليه السلام). وعنه عن عبد الله بن زيد الطبرستاني عن محمد بن علي عن الحسين بن علي بن ابي حمزة عن أبي بصير عن ابي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: لما انقضت الهدنة التي كانت بين امير المؤمنين (عليه السلام) وبين معاوية (لعنه الله) أمر أمير المؤمنين بالنداء بالكوفة وبالبصرة وهما العراقان: انكم معاشر شيعتنا طالبتمونا بالمراجعة عن قتال معاوية والهدنة التي كنتم سببها وأعوان معاوية عليها انقضت ولم يمكن نقض العهد الى أن ينقضي


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 136 ]

الأجل، وعهد الهدنة، وها انا مطيعكم في المسير إليه فانهضوا بنيات صحيحة وقلوب مطمئنة، ووفاء لله ولرسوله عليكم طائعين لا مكرهين فاجتمع من شيعة الكوفة والبصرة زهاء ثلاثين ألفا محققون سوى من لحق بالعسكر، فلما برزوا وصاروا بالنخيلة وساروا الى القطقطانيات ورد عليه كتاب من عامله بالنهروان أن أربعة آلاف رجل من الخوارج حكموا بالنهروان ورفعوا راياتهم وأشهروا اسلحتهم وردوا بالمعبرة فأخرجوا عبد الله بن خباب من الحكم، وأتوا إليه وكبروا وقالوا الحمد لله الذي اظفرنا بك أيها الخائن الكافر بكفر علي بن أبي طالب، والمقيم معه على ردته، والله لنقتلنك وزوجتك تقربا الى الله بدمائكم، وأتوا بخنزير فذبحوه على شط النهروان وذبحوا عبد الله بن خباب فوقه، وقالوا: والله ما ذبحنا لك ولهذا الخنزير الا واحدا. وكان عبد الله بن خباب من اعبد شيعة أمير المؤمنين وافضلهم وأخيرهم، وذبحوا زوجته وطفله فوقه، وقالوا: هذا فعلنا بشيعة علي وانصاره نقتلهم ولا نبقي منهم احدا. فقرأ أمير المؤمنين الكتاب وبكى رحمة لعبد الله وزوجته وطفله وقال: آه يا عبد الله لئن فجع الله بك الدين لقد صرت وزوجتك وطفلك الى جنات رب العالمين، وسمع من في العسكر ما ورد عليه وصاح الناس من العسكر: فماذا ترى يا أمير المؤمنين ؟ قال: اعتدوا بنا الى هؤلاء المارقين، فهذا وأيم الله أرى بوارهم ولحوقهم بالنار. فرجع الى النهروان حتى نزل بالقرب من القنطرة وكان في أصحابه رجل يقال له جندب الازدي قد داخله شك في أمير المؤمنين (عليه السلام) فلحق بالخوارج (لعنهم الله)، فقال له أمير المؤمنين: الزمني وكن معي حيث كنت، وحقق أمير المؤمنين فحققه الى أن زالت الشمس، فأتاه قنبر فقال له يا أمير المؤمنين: الصلاة يرحمك الله، فقال له: ائتني بماء


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 137 ]

فأتاه فأسبغ وضوءه وصلى فأتاه فارس يركض، فقال له: يا أمير المؤمنين قد عبر القوم القنطرة فقال له (عليه السلام): انهم ما عبروها، فقال: والله لقد عبروها، فقال: والله لقد كذبت ما عبروها ولن يعبروها ولا يقتلون منا الا تسعة ولا يبقى منهم الا تسعة. قال جندب الازدي الله اكبر هذه دلالة قد اعطاني إياها فيهم فاتاه فارس آخر يركض فرسه فقال يا أمير المؤمنين: عبروا القنطرة فقال: والله لقد كذبت ما عبروها ولا يعبرونها، ولا يبقى منهم الا تسعة ولا يفقد منا الا تسعة. قال جندب: الحمد لله وهذه دلالة اخرى، فاتاه فارس آخر فقال: يا أمير المؤمنين قد اراد القوم ان يعبروها وما عبروها، قال: صدقت. وكان لجندب فرس جواد فقال: والله لا سبقني احد ولا تقدمني فيهم برمح وضرب فيهم بسيف، وخرج امير المؤمنين (عليه السلام) من العسكر وفي رجليه نعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) المخصوف، وعلى منكبيه ملاءة وعن يمينه عبد الله بن العباس، وعن يساره أبو ايوب خالد بن زيد الانصاري، يمشي نحو الخوارج فوثب اصحابه عليه من معسكره بالسلاح وقاموا بين يديه وقالوا: يا أمير المؤمنين تخرج إلى اعداء الله واعداء رسوله واعدائك، حاسرا بغير سلاح، وهم مقنعون بالحديد يريدون نفسك لا غيرها ؟ فقال: ارجعوا رحمكم الله فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لا يكون الا ما يريد الله عز وجل. فلما دنا منهم واشرف على القنطرة التي كانت من ورائها الواقعة هاجوا نحوه فصاح بهم: معاشر الخوارج اني جئتكم لأقدم الاعذار والانذار اليكم وأسألكم ما تريدون وما تطلبون وتسمعون ما اقول واسمع ما تقولون، فاخزى الله الظالمين فزجرهم. ثم قال ويلكم ايها الخوارج انا اعلم ما تقولون ولا تعلمون ما اقول،


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 138 ]

فاخفضوا من اصواتكم وصلصلتكم وضجيجكم وليبرز إلي ذو الحكم والرأي منكم، فيفهم عني وافهم عنه فهدوا وبرز إليه ذو الرأي منهم، فقال امير المؤمنين (عليه السلام): يا معاشر الخوارج ما الذي أحكم بينكم ان مرقتم من دين الله كما يمرق السهم من الرمية ؟ وماذا انكرتم علي ؟ وعلى هذا الأمر الذي تطلبونه بالقتال ان ادفعه اليكم بغير قتال تقبلونه، وتقومون حتى لا تعطل شريعة الله ولا رسوله (صلى الله عليه وآله) ولا تطيش مسلمة في حكم الله، ولا يقولوا على الله الا الحق. فقالوا: لا. فقال واعجباه لقوم يطلبون امرا بقتال ادفع إليهم بغير قتال لم يقبلوه، قالوا: وكيف نقبله ونحن نريد قتلكم ؟ قال: اخبروني ما الذي اردتم للقتال بغير سؤال ولا جواب، فقالوا: انكرنا اشياء يحل لنا قتلك بواحدة منها. فقال لهم (عليه السلام): فاذكروها فقالوا: اولها: انك كنت اخا رسول الله ووصيه، والخليفة من بعده، وقاضي دينه، ومنجز عداته، واخذ لك رسول الله البيعة في أربع مواطن على المسلمين: في يوم الدار، وفي بيعة الرضوان، وتحت الشجرة، في بيت ام سلمة، وفي يوم غدير خم، وسماك امير المؤمنين فلما قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) تشاغلت بوفاته، وتركت قريشا والمهاجرين وانصار يتداولون الخلافة، والمهاجرون يقولون: الخلافة لمن استخلفه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأخذ له البيعة منها، وسماه أمير المؤمنين، وهو علي بن ابي طالب وقريش تقول لهم لا نرضى ولا نعلم ما تقولون، فقال لهم الانصار: إذا منع علي حقه فنحن وأنتم أحق بها فتعالوا ننصب منا اميرا ومنكم اميرا فجاءت قريش فقامت قسامة اربعون شاهدا يشهدون على رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: الأئمة من قريش فاطيعوهم ما اطاعوا الله، فان


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 139 ]

عصوه فالحوهم لحي هذا القضيب، ورمى القضيب من يده، وكانت هذه اول قسامة، اقسمت بهتانا وزورا وأشهرت في الإسلام فاجتمع الناس في سقيفة بني ساعدة وعقدوا الامر باختيارهم لأبي بكر ودعوك الى بيعته، فخرجت مكرها مسحوبا بعد ان هيأت يقيم لك فيها عذرا، وتقول للناس: انك مشغول بجمع رسول الله وأهل بيته وذريته وتعزيتهن وتأليف القرآن، وما كان لك في ذلك عذر فلما تركت ما جعله الله ورسوله لك واخرجت نفسك منه اخرناك نحن أيضا وشككنا بك. قال: هيه، وماذا تنكرون ؟ قالوا: والثانية انك حكمت يوم الجمل فيهم بحكم خالفته بصفين، قلت لنا يوم الجمل: لا تقاتلوهم مولين ولا مدبرين، ولا نياما ولا ايقاظا، ولا تجهزوا على جريح، ومن ألقى سلاحه فهو كمن أغلق بابه فلا سبيل عليه، وأحللت لنا في محاربتك لمعاوية سبي الكراع واخذ السلاح وسبي الذراري فما العلة فيما اختلفوا فيه الى ان هذا حلال وهذا حرام ؟ قال: هيه، ثم ماذا انكرتم ؟ قالوا: والثالثة انك الامام والحاكم والوصي والخليفة وانك اجبتنا الى أن حكمنا دونك في دين الله الرجال فكان ينبغي لك ان لا تفعل ولا تجيبنا الى ذلك وتقاتلنا بنفسك ونطيعك، أو تقتل ولا تجيبهم عند رفع المصاحف الى ان يحكم في دين الله عز وجل الرجال وانت الحاكم. قال: هيه، ثم ماذا ؟ قالوا: والرابعة انك كتبت كتابا الى معاوية تقول فيه بسم الله الرحمن الرحيم من أمير المؤمنين الى معاوية بن صخر، فرد الكتاب اليك وكتب فيه يقول: إني لو اقررت انك امير المؤمنين وقاتلتك فأكون قد ظلمتك، بل


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 140 ]

اكتب باسمك واسم ابيك فكتبت إليه: بسم الله الرحمن الرحيم من علي بن ابي طالب الى معاوية بن صخر، فلما اجبت معاوية الى اخراج نفسك من امرة المؤمنين كنا نحن في اخراجكم، عن الآمرية اولى. قال: هيه ثم ماذا ؟ قالوا: والخامسة انك قلت: هذا كتاب الله فاحكموا به واتلوه من فاتحته الى خاتمته فان وجدتم معاوية اثبت مني فاثبتوه وان وجدتموني اثبت منه فاثبتوني فشككت في نفسك فنحن فيك اعظم شكا. قال لهم: بقي لكم شئ تقولونه ؟ قالوا: لا. فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) في الجواب: 1 - أما ما ذكرتم وأقررتم مني من الأمر فيما اخذه الله لي ورسوله على المسلمين من البيعة في اربعة مواطن الى ان تشاغلت فيما ذكرتموه وفعلتم وفعلت قريش والمهاجرون والانصار ما فعلوا الى ان عقدوا الأمر لأبي بكر، فما تقولون معاشر الخوارج هل توجبون على آدم إذا امر الله بالسجود له فعصى الله ابليس وخالفه ولم يسجد لآدم ان يدعو ابليس الى السجود له ثانية، فقالوا: لا، قال: ولم ؟ قالوا: لأن الله أمر ابليس بالسجود فعصى الله وخالفه ولم يفعل فلم يجب لآدم ان يدعوه بعدها. قال: فهذا بيت الله الحرام أرأيتم ان امر الله الناس بالحج من استطاع إليه سبيلا فان ترك الناس الحج ولم يحجوا للبيت كفر البيت أو كفر الناس بتركهم ما فرض الله عليهم من الحج إليه ؟ قالوا: بل كفر الناس، قال: ويحكم معاشر الخوارج أتعذرون آدم وتقولون لا يجب عليه ان يدعو ابليس الى السجود له بعد أن أمر الله بذلك فعصى، وخالف، ولم يفعل وانما امره مرة واحدة ولا تعذرونني وتقولون: كان يجب عليك ان تدعو الناس الى البيعة وقد أقررتم ان المسلمين سموني بأمير المؤمنين ورسول الله (صلى


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 141 ]

الله عليه وآله) اخذ لي البيعة عليهم في اربعة مواطن، وهذا بيت الله فريضة، والإمام فريضة، كسائر الفرائض التي تؤتى ولا تأتي فتعذرون البيت وتعذرون آدم (عليه السلام)، ولا تعذرونني ؟ فقال الخوارج: صدقت وكذبنا، والحق والحجة معك. ثم قال: 2 - وأما في يوم الجمل بما خالفته في صفين فإن أهل الجمل اخذوا عليهم بيعتي فنكثوا وخرجوا عن حرم رسول الله (صلى الله عليه وآله) الى البصرة ولا إمام لهم ولا دار حرب تجمعهم، وإنما خرجوا مع عائشة زوجة رسول الله (صلى الله عليه وآله) معهم لإكراهها لبيعتي وقد أخبرها رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأن خروجها خروج بغي وعدوان من أجل قوله عز وجل: (يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين) وما من ازواج النبي واحدة اتت بفاحشة غيرها فإن فاحشتها كانت عظيمة، أولها خلاف لله فيما أمرها في قوله: (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى) فأي تبرج أعظم من خروجها وطلحة والزبير وخمسة وعشرين ألفا من المسلمين الى الحج، والله ما ارادوا حجا ولا عمرة، ومسيرها من مكة الى البصرة واشعالها حربا قتل فيه طلحة والزبير وخمسة وعشرون الفا من المسلمين، وقد علمتم ان الله جل ذكره يقول: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه واعد له عذابا عظيما) فقلت لكم عندما اظهرنا الله عليهم ما قلته لكم لأنه لم يكن لهم دار حرب تجمعهم ولا امام يداوي جراحهم، ولا يعيدهم الى قتالهم مرة اخرى، ولو كنت احللت لكم سبي الذراري ايكم كان يأخذ عائشة زوجة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في سهمه ؟ فقالوا: صدقت والله في جوابك وأصبت وأخطأنا، والحق والحجة لك.


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 142 ]

فقال لهم: 3 - وأما قولكم: اجبتكم عند رفع المصاحف الى ان حكمتم في دين الله الرجال وكنت الحاكم، فماذا تقولون ايها الخوارج في ألف رجل من المسلمين قاتلهم ألفا رجل من المشركين فولوهم الأدبار فما هم ؟ قالوا كفار بالله لأن المسلمين ألف رجل على التمام، والمشركون ألفا رجل لا يزيدون، وقد قال الله تعالى: (وان يكن منكم ألف يغلبوا الفين) فقال لهم أمير المؤمنين (عليه السلام): فان نقص من عدد الألف رجل من المسلمين، والكفار على التمام ما هم عندكم ؟ قالوا المسلمون معذورون في ذلك، فضحك امير المؤمنين حتى بدت نواجذه ثم قال: يحكم يا معاشر الخوارج تعذرون تسعمائة وتسعة وتسعين رجلا في قتال ألفي رجل، ولا تعذرونني، وقد التقاني رجال ابن هند في مائة وعشرين الفا ما جمع حكم حاكم، وقد دعوناهم الى كتاب الله فقالوا: دعنا نحكم عليك من نشاء، والا اخرجنا انفسنا من الفريقين وأبطلنا الحكمين وارتدونا عن الدين وقعدنا عن نصرة المسلمين، فقال لي عبد الله بن العباس: حكم من هو منك وأنت منه فقلت لكم: اختاروا من شئتم من بني هاشم، فقلتم: لا يحكم فينا مضري ولا هاشمي، فاعرضتم عن المهاجرين والانصار وأظهرتم مخالفتكم لي، وكتبتم الى عبد الله بن قيس، وقد قعد عن نصرتنا وهو فدم حمار فحكمتموه وانا انصح لكم، وأقول لكم اتقوا الله ولا تحكموا علي احدا. واني الحاكم عليكم، واخبرتكم انها خديعة من معاوية، فقلتم أسكت والا قتلناك وسلمنا هذا الأمر الى عبد اسود وجعلناها بردة عن الإسلام، فمن هو أولى بالعذر ؟ فقالوا: أنت فوالله لقد أصبت وصدقت وأخطأنا والحق معك والحجة لك. قال لهم: 4 - وأما قولكم اني كتبت كتابا الى معاوية بن صخر فيه بسم الله


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 143 ]

الرحمن الرحيم من علي امير المؤمنين الى معاوية بن صخر فأيكم يا معاشر الخوارج شهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) في غزاة الحديبية وقد امرني ان اكتب بين يديه كتابا الى صخر بن حرب بإملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين) فيه بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله الى صخر بن حرب بن امية الى آخر الكتاب فأجابوه، وقالوا: نعم حضرنا ذلك الكتاب وانت تكتبه لأبي سفيان صخر بن حرب، قال أليس علمتم ان صخر بن حرب رده الى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكتب إليه: اما الرحمن الرحيم فاسمان نعرفهما بالتوراة والانجيل، واما انت يا محمد فانا لو أقررنا أنك رسول الله وقاتلناك فقد ظلمناك فاكتب باسمك واسم ابيك حتى نجيبك فقال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا علي اكتب بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن عبد الله الى صخر بن حرب، ثم قال لمن حوله، ان محوت اسمي ليرد علي الجواب فاسمي لا يمحى في السماء ولا في الأرض، ولا في الدنيا ولا في الآخرة، وانما اراد صخر بن حرب ان لا يجيب عن الكتاب وكتب رسول الله (صلى الله عليه وآله الطاهرين) الى الآباء وكتبت انا الى الابناء تأسيا برسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقد قال الله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة) قالوا: صدقت وأصبت وأخطأنا والحق والحجة لك. قال لهم: 5 - واما قولكم: اني قلت هذا كتاب الله فاحكموا به اتلوه من فاتحته إلى خاتمته، فإن وجدتموني اثبت بكتاب الله من معاوية فاثبتوني وان وجدتم معاوية اثبت مني فاثبتوه فوالله يا معاشر الخوارج ما قلت لكم هذا الا بعد ان تيقنت ان الرين استولى على قلوبكم والشيطان قد استحوذ عليكم وانكم قد نسيتم الله ورسوله، ونسيتم حقي وخلا بعضكم الى بعض، وقلتم ما لنا الا ان ننظر في كتاب الله في علي ومعاوية، فمن قرب الى


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 144 ]

الحق كان اولى به وكنا معه فوالله يا معاشر الخوارج، ان لم يكن في كتاب الله عز وجل الا قوله: (قل لا اسألكم عليه اجرا الا المودة في القربى) وقد علمتم انه لم يكن اقرب الى رسول الله (صلى الله عليه وآله) مني ومن ابنته فاطمة ومن ابني الحسن والحسين، لكان هذا حسبي بهذه الآية فضلا عند الله ورسوله في كتاب الله عز وجل في ان لم أسألكم اجرا على ما هداكم الله وانقذكم من شفا حفرة من النار، وجعلكم خير أمة، وجعل الشفاعة والحوض لرسول الله (صلى الله عليه وآله) فيكم الا مودتنا لكان في ذلك فضل عظيم، هذا وقد علمتم ان الله تبارك وتعالى قد انزل في حقي (انما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) وما احد من المؤمنين زكى في ركوعه غيري فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) جاءني بخاتم انزله جبريل (عليه السلام) من الله عز وجل ولم يصغه صائغ عليه ياقوتة مكتوب عليها (لله الملك) فتختمت به وخرجت الى مسجد رسول الله فصليت ركعتين شكرا لله على تلك الموهبة فأتاني آت من عند الله فسلم علي في الصلاة في الركعة الثانية وقال: هل من زكاة يا رسول الله توصلها الي يشكرها الله لك ويجازيك عنها فوهبت ذلك الخاتم له وما كان في الدنيا احب الي من ذلك الخاتم والناس ينظرون واتممت صلاتي وجلست اسبح الله واحمده واشكره حتى دخلنا الى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فضمني إليه وقبلني على بلجة وجهي، وقال: هنأك الله يا ابا الحسن وهنأني كرامة لي فيك وعيناه تهملان بالدموع، ثم قرأ هذه الآية وما يليها وقال لهم ولي آية الخمس في كتاب الله على سائر المسلمين، وهي قول الله عز وجل: (واعلموا انما غنمتم من شئ فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل) وقد علمتم ان الله (لن ينال لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم) فما هو الله من خمس الغنائم الى من يرد ؟ قالوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال فما هو لله وللرسول


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 145 ]

إذا قبض الرسول الى من يرد ؟ قالوا الى اولي القربى من الرسول واليتامى والمساكين وابن السبيل قال: واليتيم إذا بلغ اشده والمساكين إذا استغنوا وابن السبيل إذا لم يحتج، الى من يرد مالهم ؟ قالوا الى ذوي القربى من الرسول، قال: فقد علمتم معاشر الخوارج أن ما غنمتم من غنيمة من جهاد أو في احتراف أو في مكسب أو مقرض الخياط أو من غنم يكسب فهو لي، والحكم لي فيه وليس لأحد من المسلمين علي حق، وانا شريك كل من آمن بالله ورسوله في كل ما اكتسبه فان وفاني حق الله الذي فرضه الله عليه كان متمثلا لأمر الله وما انزله على رسوله ومن بخسني حقي كانت ظلامتي عنده الى ان يحكم الله لي وهو خير الحاكمين. قالوا: صدقت وبررت واصبت واخطأنا والحق والحجة لك. قال هذا هو الجواب عن آخر سؤالكم قالوا: صدقت، وانحرفت إليه طائفة كانت استجابت الا الأربعة آلاف الذين مرقوا، فقالوا: يا أمير المؤمنين نقاتلهم معك فقال: لا، قفوا لا معنا ولا علينا، وانظروا الى نفوذ حكم الله فيهم. ثم صاح بهم ثلاثا، فسمع جميعهم: هل أنتم منيبون ؟ هل أنتم راجعون ؟ فقالوا بأجمعهم: عن قتالك، لا. فقال لأصحابه: والله لولا أني اكره ان تتركوا العمل وتتكلوا علي بالفضل لمن قاتل لما قاتل هؤلاء غيري، وكان لي من الله الفضل عنده في الدنيا والآخرة فشدوا عليهم فإني شاد فكانوا كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف أو كيوم قال لهم الله موتوا فماتوا. فلما أخذوا قال أمير المؤمنين (عليه السلام) من قتل منكم ؟ فلن يقتل الا تسعة، ولم يسلم منهم الا تسعة، فقدوا من قتل منهم ونجا فلم ينج الا تسعة، وعدوا اصحاب امير المؤمنين المقتولين فوجدوهم تسعة.


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 146 ]

قال: وفالق الحبة وبارئ النسمة ما كذبت ولا كذبت ولا ضللت ولا أضللت وإني على بينة من ربي، بينها لنبيه (صلى الله عليه وآله) فبينها نبيه لي. ثم قال لهم: هل وجدتم ذا الثدية في القتلى ؟ قالوا: لا، قال: أئتوني بالبغلة، فقدمت إليه بغلة رسول الله الدلدل، فركبها وسار في مصارعهم، فوقفت به البغلة وهمهمت وهزت ذنبها فتبسم امير المؤمنين (عليه السلام)، وقال: ويحكم هذه البغلة تخبرني ان ذا الثدية حرقوصا (لعنه الله) تحت هؤلاء القتلى فابحثوا عليه فإذا هو في ركن قد دفن نفسه تحت القتلى فاخرجوه وكشفوا عن اثوابه فإذا هو في صورة عظيمة حول حلمته شعرات كشوك الشيهم، والشيهم ذكر القنافذ، قال: مدوا حلمته فمدوها فبلغت اطراف أنامل رجليه، ثم اطلقوها فصارت في صدره، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): الحمد لله يا عدو الله الذي قتلك، وعجل بك، وبأصحابك الى النار، فقتلوه لعنه الله، وهو جد أحمد بن حنبل لعنه الله. وقد كانت الخوارج خرجوا إليه قبل ذلك بحروراء في جانب الكوفة وهو غربي الفرات في اثني عشر ألف رجل فأتاه الخبر فخرج إليهم في جملة الناس وعليه ملاءة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ومعه بغلة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال له الناس: يا أمير المؤمنين تخرج إليهم في جملة الناس في ملاءة، والقوم شاكون سلاحهم ؟ فقال: انه ليس هو يوم قتالهم، ولكنهم يخرجون علي في قتال النهروان أربعة آلاف رجل يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، فلما برزوا قال لهم: إرضوا بمائة منكم ثم قال، للعشرة: إرضوا برجل منكم، وقال للرجل: ليس هذا يوم أوان قتالهم، سيفرقون حتى يصيروا أربعة آلاف، ويخرجون علي في قابل مثل هذا الشهر، وفي مثل هذا اليوم فاخرج إليكم فاقتلكم حتى لا يبقى الا تسعة نفر والذي فلق الحبة وبرأ النسمة هكذا أخبرني رسول الله (صلى الله عليه وآله) فافترقوا حتى صاروا اربعة آلاف


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 147 ]

رجل يتبرأ بعضهم من بعض كما اخبرهم أمير المؤمنين (عليه السلام) وقتلهم فلم يبق منهم إلا تسعة نفر فكان هذا من دلائله (عليه السلام). وعنه عن أبي العباس عن غياث بن يونس الديلمي عن محمد بن علي عن علي بن محمد عن الحسن بن علي عن ابي مسعود العلاف عن أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: خطب أمير المؤمنين بالكوفة فبينما هو على المنبر إذ أقبلت عليه حية كالخابوط العظيم سوداء مظلمة حمراء العينين محددة الأنياب، حتى دخلت باب المسجد ففزع الناس منها واضطربت فقطع أمير المؤمنين (عليه السلام) الخطبة، وقال لهم: أفرجوا فإنها رسول قوم يقال لهم بنو عامر، فجاءت الحية حتى صعدت المنبر ووصلت الى أمير المؤمنين (عليه السلام) ووضعت فاها على أذنه والناس ينظرون إليها، وانها تساره اسرارا وتنقنق كتنقنق الطير، ثم كلمها بكلام يشبه نقيقها، ثم ولت الحية خارجة من حيث دخلت ونزل أمير المؤمنين عن المنبر فقالوا له: ماذا أرادت الحية يا أمير المؤمنين ؟ وما حالها ؟ فقال: هذه الحية رسول قوم من الجن، يقال لهم بنو عامر أخبرتني أنه وقع بينهم وبين قوم يقال لهم بنو عنترة شر وقتال فبعثوا إلي هذه الحية يسألوني الإصلاح بينهم فوعدتهم بذلك وأنا آتيهم الليلة. قالوا: يا أمير المؤمنين إئذن لنا ان نخرج معك، قال: أنا لا اكره ذلك فلما صلى بهم العشاء الآخرة انطلق والناس حوله حتى أتى بهم ظهر الكوفة في غربيها فخط عليهم خطة ثم قال لهم: إياكم ان تخرجوا من هذه الخطة فقعدوا في الخطة وهم ينظرون إليه وقد نصب منبر فصعد عليه ثم خطب خطبة لم يسمع الأولون بمثلها ثم لم يبرح حتى اصلح بينهم واقتدى بعضهم ببعض، وأقبل أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى اصحابه وهم ينظرون إلى الجن حوله يمينا وشمالا فقالوا: يا أمير المؤمنين رأينا عجبا في المشاهدة، قال: رأيتموهم ؟ قالوا: نعم، قال: فصفوهم لي، قالوا: هم أقوام شبر بالطول شبية بالزط، قال: صدقتم فقد رأيتموهم


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 148 ]

حقا انهم بعثوا يستغيثوني فأغثتهم، وكان بينهم دماءا فخافوا ان يتفانوا فاصلحت بينهم وقربت بعضهم من بعض فكان هذا من دلائله (عليه السلام). وعنه عن جعفر بن مالك عن موسى بن زيد الجلاب، عن محمد بن علي عن علي بن محمد عن سيف بن عميرة عن اسحاق بن عمار عن حمزة الثمالي عن ميثم التمار النهرواني عن الاصبغ بن نباتة الطائي قال: خرجنا مع أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو يريد صفين فلما انتهى الى كربلا وقف بها وقال: ها هنا يقتل ابني الحسين وثمان رجال معه من اولاد عبد المطلب وثلاثة وخمسون من انصاره، ثم سار مغربا وعدل عن الجادة بشاطئ الفرات قاصدا فلما توسطنا البر وكان يوم قيظ شديد الحر، وكان الماء في العسكر يسيرا إلا إنا كنا على جادة الفرات فلم تزوده بقدر الماء الذي كان معنا وعطش أهل العسكر حتى تقطع الناس عطشا وشكوا الى امير المؤمنين (عليه السلام) فبينما نحن نسير فإذا بقائم من حديد شاهق عال في رأسه راهب، فقصد إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) فصاح يا راهب هل بقربك ماء فأشرف الراهب من رأس القائمة، فقال: وأين لنا بالماء إلا على حد فرسخين ؟ كيف يكون الماء في هذه القفرة البيداء ؟ فعدل أمير المؤمنين إلى قاع رضراض وحصى رمل فوقف هنيهة ثم اشار الى العسكر أن ينزلوا فنزل اكثر الناس فقال لهم: ها هنا ماء فابحثوا، فتلقوا صخرة على عين ماء ابيض زلال اشد بياضا من اللبن واحلى من الشهد فكبر الناس، وبحثوا في القاع حتى قلعوا كثبانا من ذلك الرمل والحصى وظهرت لنا صخرة بيضاء فقال لنا: دونكم أياها، فاقتلعوها فبحثنا عليها فصعبت وامتنعت منا فقال: ارموها باجمعكم فانكم لا تشربون الماء ولا تروون زلالا إن لم تقلعوها، وكنا في العسكر ستين الف رجل وتبع كثير، ولم تبق كف منا الا رامت قلع تلك الصخرة فلم نقدر نقلعها، فقلنا يا أمير المؤمنين قد بلوتنا بها فوجدنا ضعفنا فأدركنا بفضلك علينا، فدنا منها وجرد


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 149 ]

ذراعه ومديده الى السماء وتكلم بكلمات مستقبل القبلة فسمعناه يقول كلاما من الانجيل: طاب طاب الماء، والعلم طيبوثا، واليوح اسمينا، والحايوثا، وإذا يكونا، ثم اهوى بيده المباركة اليمنى إلى الصخرة واقتلعها كالكرة إذا انضربت من اللعب فكبر الناس وظهر الماء على وجه الأرض من تلك العين أبيض زلال لم ير مثله في ماء الدنيا فشربنا وروينا وتزودنا والراهب مشرف في رأس القائمة، فلما استقينا اخذ الصخرة بيده المباركة فردها على تلك العين فكأنما لم تزل ورددنا كلما بحثناه من الرمل وسرنا فلم نبعد، حتى قال لنا: ليرجع بعضكم فلينظر هل لموضع الصخرة اثر ؟ فرجعوا يحلفون بالله انهم ما رأوا لها اثرا، وكان وجه القاع عليه سحيق الرمل. قال: فلما نظر الراهب الى فعل أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: هذا والله وصي محمد (صلى الله عليه وآله)، فوجدناه في الانجيل والزبور ونزل من القائمة، ولحق بأمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: أنا أشهد ان أبي أخبرني عن جدي، وكان من حواري سيدنا المسيح (صلوات الله عليه)، والمسيح أخبره بقرب هذا القائم الذي كنت فيه، وبهذه العين الماء الابيض من الثلج واعذب من كلما عذب وانه من اجلها بني ذلك الدير والقائم، وإنه لا يستخرجها إلا نبي أو وصي نبي وأنا أشهد أن لا إله الا الا وأن محمدا عبده ورسوله، وإنك وصي رسول الله (صلى الله عليه وآله) والمؤدي عنه والقائم بالحق الى يوم القيامة وقد رأيت يا أمير المؤمنين أني أصحبك في سفرك هذا يصيبني ما أصابك من خير وشر فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام: جزاك الله خيرا، ودعا له بالخير، فقال له: يا راهب الزمني وكن قريبا فانك تستشهد معي بصفين وتدخل الجنة فلما كان ليلة الهرير بصفين والتقى الجمعان قتل الراهب في تلك الليلة فلما اصبح أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال لأصحابه: ادفنوا قتلاكم، وأقبل أمير المؤمنين يطلب الراهب فوجدناه فاخذه وصلى عليه ودفنه في لحده. ثم قال


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 150 ]

أمير المؤمنين (عليه السلام): لكأني انظر إليه وإلى منزلته في الجنة وزوجاته التي اكرمه الله بها فكان هذا من دلائله (عليه السلام). وعنه عن أحمد بن محمد الحجال الصيرفي عن محمد بن جعفر الصيرفي عن محمد بن علي عن أبي حمزة الثمالي عن أبيه عن أبي بصير عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: مد الفرات عندهم بالكوفة على عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو بها مقيم مدة عظيمة حتى طغى وعلا كالجبال وصار بازاء شرفات الكوفة وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) في ذلك اليوم قد خرج الى النجف، ونفرا من اصحابه فنظر إلى بعض النجف وقال للنفر الذين معه إني أرى النجف يخبران الماء قد طغى في الفرات حتى أوفى على منازل الكوفة وإن الناس بها ضجوا وفزعوا الينا فقوموا بنا إليهم فأقبل هو والنفر الى الكوفة وتلقاه اهلها صارخين مستغيثين فقال: ما شأنكم طغى الماء عليكم، ما كان الله ليعذبكم وأنا فيكم، وسار يريد الفرات والناس من حوله حتى ورد على مجلس لثقيف فتغامزوا عليه وأشار إليه بعض احداثهم، فالتفت إليهم أمير المؤمنين مغضبا فقال صغار الخدود، قصار الغمود، بقايا ثمود، عبيد بني عبيد، من يشتري مني ثقيف برغيف، فانهم عبيد زيوف، فقام إليه مشايخهم، فقالوا: يا أمير المؤمنين أن هؤلاء شباب لا يعقلون فلا تؤاخذنا بهم فوالله إنا لهذا كارهون، وما أحد منا يرضى به فاعف عنا، عفا الله عنك فقال (عليه السلام): لست اعفوا عنكم الا على أن لا أرجع إلى الفرات أو تهدموا مجلسكم هذا وكان منظرا وروشنا مشرف وميزاب يصب إلى طريق المسلمين، وتسدون بلاليعكم فيها فقالوا نفعل يا أمير المؤمنين، وسكروا مجلسهم وفعلوا كل ما أمرهم به حتى أتى إلى الفرات وهو يزخر بأمواج كالجبال فسقط الناس لوجوههم وصاحوا: الله الله يا أمير المؤمنين أرفق برعيتك فنزل وأخذ قضيب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقرعه قرعة واحدة، وقال: أسكن يا أبا خالد فانزجر الماء فما أتم كلامه، حتى


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 151 ]

ظهرت الأرض في بطن الفرات حتى كان لم يكن فيها ماء فصاح الناس: الله الله رفقا برعيتك يا أمير المؤمنين، لئلا يموتوا عطشا، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): اجر على قدر يا فرات فجرى لا زائدا ولا ناقصا، ووجد فوق الجسر رمانة فوقعت على الجسر رمانة لم يوجد في الدنيا مثلها فمد الناس أيديهم ليحملوها إلى أمير المؤمنين فلم تصل أيديهم إليها فمد يده المباركة واخذها، وقال: هذه رمانة من رمان الجنة لا يمسها ولا يأكلها إلا نبي أو وصي نبي ولولا ذلك لقسمتها عليكم في بيت مالكم، وفي ذلك اليوم كانت فتنة عبد الله بن سبأ وأصحابه العشرة الذين كانوا معه وقالوا ما قالوه، وأحرقهم أمير المؤمنين (عليه السلام) بالنار بعد ان استتابهم ثلاثة أيام فأبوا ولم يرجعوا فأحرقهم في صحراء الاخدود. وكان هذا من دلائله (عليه السلام). وعنه عن أبيه عن محمد بن ميمون عن، الحسن بن علي عن أبي حمزة عن حيان بن سدير الصيرفي عن مراد يقال له رباب بن رياح قال: كنت قائما على رأس أمير المؤمنين بالبصرة بعد الفراغ من أصحاب الجمل إذ أتى عبد الله ابن عباس فقال: يا أمير المؤمنين إن لي إليك، حاجة فقال له: عرفت حاجتك قبل أن تذكرها لي، جئت تطلب مني الأمان لمروان بن الحكم، فقال له: يا أمير المؤمنين أحب أن تؤمنه، قال: اذهب فجئني به يبايعني ولا يجيئني إلا رديفا قال: فما لبث إلا قليلا حتى أقبل ابن عباس وخلفه مروان بن الحكم رديفا، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): هل أبايعك قال مروان على أن في النفس ما فيها، قال أمير المؤمنين: إني لست أبايعك على ما في نفسك إنما أبايعك على ما ظهر لي، قال: فمد يده أمير المؤمنين فلما بايعه، قال: هيه يا بن الحكم قد كنت تخاف ان ترى رأسك يقطع في هذه المعمعة كلا بالله لا يكون حتى يخرج من صلبك طواغيت يملكون هذه الرعية يسومونهم خوفا وظلما وجورا ويسقونهم كؤوسا مرة. قال مروان كان مني ما اخبرني علي ثم هرب فلحق بمعاوية وكان كما قال


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 152 ]

أمير المؤمنين (عليه السلام) فكان هذا من دلائله (عليه السلام). وعنه عن جعفر بن محمد عن محمد بن عبد الرحمن الزيات عن الربيع ابن محمد الاصم عن بني الجارود عن القاسم بن الوليد الهمداني عن الحارث الأعور الهمداني قال: كنا مع أمير المؤمنين (عليه السلام) بالكناسة، إذ أقبل أسد يهوي فضعضعنا من حوله حتى انتهى الى امير المؤمنين (عليه السلام) فقال له: أرجع ولا تدخل دار هجرتي بعد اليوم وبلغ السباع عني تتجافى الكوفة وجميع ما حولها ألا ان طاعتي طاعة الله فإذا عصوا الله وخلوا طاعتي حكمت فيهم فلم تزل السباع تتجافى الكوفة إلى أن قبض أمير المؤمنين (عليه السلام)، وتقلدها زياد ابن ابيه دعي أبي سفيان (لعنه الله) فلما دخلها سلطت السباع على الكوفة وما حولها حتى أفنت اكثر الناس فكان هذا من دلائله (عليه السلام). وعنه عن أبيه عن محمد بن ميمون عن محمد بن علي عن الحسن بن أبي حمزة عن القاسم الهمداني عن الحارث الاعور الهمداني قال: بينما أمير المؤمنين (عليه السلام) يخطب في الناس يوم الجمعة في مسجد الكوفة إذ أقبلت أفعى من ناحية باب الفيل رأسها اعظم من رأس البعير تهوي الى نحو المنبر فافترق الناس في جانبي المسجد خوفا منه حتى صعد المنبر، ثم تطاول الى أذن أمير المؤمنين فأصغى إليه وجعل يساره مليا ثم نزل فلما بلغ باب أمير المومنين الذي يسمونه باب الفيل انقطع اثره وغاب عن الناس فلم ير، فلم يبق مؤمن ولا مؤمنة، الا قال هذا من عجائب أمير المؤمنين، ولم يبق منافق ولا منافقة إلا قال: هذا من سحر علي، فقال أمير المؤمنين: أيها الناس إني لست ساحرا وهذا الذي رأيتموه وصي محمد على الجن، وأنا وصيه على الانس وهو يطيعني اكثر مما تطيعونني وهو خليفتي فيهم وقد جرى بين الجن ملحمة تتهادر فيها الدماء والذي لا يعلم ما المخرج منها ولا الحكم فيها فإنه مسائلي عن الجواب في ذلك فاجبته عنه بالحق، وهذا المثل الذي يمثل لكم به أراد يريكم فضلي عليكم الذي هو


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 153 ]

اعلم به منكم فكان هذا من دلائله (عليه السلام). و عنه بهذا الاسناد عن الحارث قال: خرجنا مع أمير المؤمنين (عليه السلام) حتى انتهينا إلى القاطول بالكوفة على شاطئ الفرات فإذا نحن بأصل شجرة قد وقع لحاؤها وبقي على شاطئ الفرات عودها يابسا فضربها بيده ثم قال لها: ارجعي بإذن الله خضراء ذات ثمر فإذا هي تهتز بأغصانها مورقة مثمرة، وحملها الكمثري الذي لم ير مثله في فواكه الدنيا فاطعمنا منه وتزودنا وحملنا فلما كان بعد ثلاثة أيام عدنا إليها فإذا بها خضراء فيها الكمثري فكان هذا من دلائله (عليه السلام). وعنه عن أبيه عن محمد بن عمار قال حدثني عمر بن قاسم عن عمر بن شمر عن جابر بن يزيد الجعفي عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: لما أمر أمير المؤمنين (عليه السلام) بانجاز عدات رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقضاء دينه نادى منادى أمير المؤمنين: ألا من كان له دين عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) أو عدة فليقبل إلينا فكان الرجل يجئ وأمير المؤمنين لا يملك شيئا فيقول: اللهم اقض عن نبيك فيجد ما وعد النبي (صلى الله عليه وآله) تحت البساط لا يزيد ولا ينقص، قال أبو بكر لعمر هذا يصيب ما وعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تحت البساط ونخشى ان يميل الناس إليه، فقال عمر فينادي مناديك أيضا فإنك تقضي كما قضى فنادى مناديه ألا من كان له عند رسول الله دين أو عبرة فليقبل إلينا فسلط عليهم اعرابي فقال لي عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثمانون ناقة سوداء المقل، حمراء الوبر، بأزمتها ورحالها، فقال أبو بكر: تحضر عندنا غدا فمضى الأعرابي فقال أبو بكر لعمر: لا تزال في ذلك مدة ويحك من أين في الدنيا ثمانون ناقة بهذه الصفة ما تريد الا ان تجعلنا عند الناس كاذبين، فقال عمر: يا أبا بكر إن ها هنا مخلص منه قال: وما هي ؟ قال: تقول: احضر لنا بينتك على رسول الله بهذا الذي ذكرته حتى نوفيك إياه، فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال: ألا من أتاكم


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 154 ]

ببينة. فلما كان بعد العصر حضر الأعرابي فقال: جئتكم ببينة فقال: أوجبت الوعد على رسول الله، فقال أبو بكر وعمر: احضر لنا بينتك على رسول الله بهذه حتى نوفيكه، فقال: اترك رجلا يعطيني بلا بينة واجئ الى قوم لا يعطوني إلا ببينة ما ارى إلا قد تقطعت بكما الأسباب، وتزعمون أن رسول الله كان كاذبا لآتين أبا الحسن (عليه السلام) فلئن قال لي كما قلتما لأرتدن عن الإسلام فجاء إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال له: إن لي عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثمانون ناقة حمراء الوبر، سوداء المقل، بأزمتها ورحالها فقال (عليه السلام)، اجلس يا أعرابي ان الله يقضي عن نبيه، ثم قال: اذهب يا حسن ويا حسين اذهبا إلى وادي فلان، وناديا عند شفير الوادي: بعثنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) إليكم وحبيباه ووصياه إن للأعرابي عند رسول الله ثمانين ناقة، سوداء المقل، حمراء الوبر، بأزمتها ورحالها فمضيا ومعهما أهل المدينة إلى حيث أمرهما أمير المؤمنين (عليه السلام)، وقالا ما قاله لهما، ومن تبعهما من الناس يسمعون ما جاء بهما فجاؤا من الوادي يقولون نشهد انكما حبيبا محمد (صلى الله عليه وآله) ووصياه كما قلتما فانظرا حتى نجمعها بيننا فما جلسنا الا قليلا حتى ظهرت ثمانون ناقة حمر الوبر سود المقل بأزمتها ورحالها وان الحسن والحسين (صلوات الله عليهما) ساقاها إلى أمير المؤمنين فدفعها إلى الأعرابي فكان هذا من دلائله (عليه السلام). وعنه عن محمد بن جبلة التمار عن موسى بن محمد الازدي عن المخول بن ابراهيم عن رشدة بن يزيد الخيبري عن الحسن بن محبوب عن ابي خديجة سالم بن مكرم عن أبي حمزة الثمالي عن جابر بن عبد الله بن عمر بن حزام الأنصاري قال: أرسل رسول الله (صلى الله عليه وآله) سرية فقال لهم: إنكم تصلون ساعة كذا وكذا من الليل إلى أرض لا تهتدون فيها سيرا فإذا وصلتم فخذوا ذات الشمال فإنكم تمرون برجل فاضل خير في كنانة فتسترشدونه فيأبي أن يرشدكم حتى تأكلوا من طعامه


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 155 ]

فيذبح لكم كبشا فيطعمكم ويرشدكم الطريق فأقرأوه مني السلام واعلموه إني قد ظهرت في المدينة فمضوا فلما وصلوا الموضع في الوقت ضلوا فقال قائل منهم: ألم يقل لكم رسول الله (صلى الله عليه وآله) خذوا ذات الشمال ففعلوا فمروا بالرجل الذي ذكره رسول الله (صلى الله عليه و آله) لهم فاسترشدوه الطريق فقال: لا أفعل حتى تأكلوا من طعامنا فذبح لهم كبشا فأكلوا من طعامه، وقام معهم فأرشدهم الطريق، وقال لهم: ظهر النبي (صلى الله عليه وآله) في المدينة ؟ قالوا: نعم وبلغوه السلام، فخلف في نسائه من خلف ومضى الى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو عمرو بن الحمق الخزاعي الكاهن بن حبيب بن عمر بن الفتى بن رياح بن عمره بن سعد بن كعب فلبث معه ما شاء الله سبحانه وتعالى ثم قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): ارجع الى الموضع الذي هاجرت الي منه فإذا نزل أخي أمير المؤمنين بالكوفة وجعلها دار هجرته فأته، فانصرف عمرو بن الحمق الى نسائه حتى إذا نزل أمير المؤمنين بالكوفة أتاه فأقام معه بالكوفة فبينما أمير المؤمنين جالس وعمر بين يديه فقال له يا عمر لك دارا بعها واجعلها في الأزد فإني غدا لو غبت عنكم لطلبتك الأزد حتى تخرج من الكوفة متوجها نحو الموصل فتمر برجل نصراني فتقعد عنده وتستسقيه الماء فيسقيك ويسألك عن قصتك فتخبره وستصادفه مقعدا فادعه إلى الإسلام فإنه ينهض صحيحا مسلما، وتمر برجل محجوب جالس عن يمين الجادة فتستسقيه الماء فيسقيك ويسألك عن قصتك، وما الذي اخافك وممن تتوقى فحدثه ان معاوية طلبك لقتلك ويمثل بك لايمانك بالله ورسوله وطاعتك لي واخلاصك لولايتي ونصحك لله في دينك، فادعه الى الإسلام فإنه يسلم فمر يدك على عينيه، فإنه يرجع بصيرا بإذن الله تعالى فيتبعانك ويكونان هما اللذان يواريان بدنك في الأرض ثم تصير إلى دير على نهر يقال له الدجلة فإن فيه صديقا عنده من علم المسيح (عليه السلام) فاتخذه عونا من الأعوان على سر صاحبيك، وما ذلك إلا ليهديه الله بك فإذا


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 156 ]

احس بك شرطة ابن الحكم وهو خليفة معاوية بالجزيرة يكون مسكنه بالموصل فاقصد إلى الطريق الذي في الدير يتواضع لك حتى تصير في ذروته، فإذا رآك ذلك في اعلى الموصل فناده فإنه يمتنع عنك فاذكر إسم الله الذي علمتك إياه فان الدير يتواضع لك حتى تصير في ذروته فإذا رأى ذلك الراهب الصديق، قال التلاميذ معه: ليس هذا أوان ظهور سيدنا المسيح، هذا شخص كريم، ومحمد قد توفاه الله، ووصيه قد استشهد بالكوفة، وهذا من حوارييه ثم يأتيك خاشعا ذليلا، فيقول لك: أيها الشخص العظيم اهلتني لما لم استحقه فبم تأمرني فتقول استر تلميذك هذا من عبدك، ويشرف على ديرك، فانظر ماذا ترى، فإذا قال لك: أرى خيلا غائرة نحونا فخلف تلميذك عنده وأنزل وأركب فرسك، وأقصد نحو الغاب على شاطئ الدجلة، استتر فيه فإنه لا بد ان يشترك في دمك فسقة من الجن والانس، فإذا استترت فيه عرفك فاسق من مردة الجن يظهر لك بصورة تنين اسود ينهشك نهشا يبالغ أظفارك وتعثر بك فرسك، فينذر بك الخيل فيقولون هذا فرس عمرو بن الحمق ويقفون اثرك فإذا أحسست بهم دون الغار فأبرز إليهم بين الدجلة والجادة، وقاتلهم في تلك البقعة فإن الله جعلها حضرتك وحرمك فالقهم بنفسك واقتل ما استطعت حتى يأتيك امر الله فإذا غلبوك حزوا رأسك وسيروه على قناة الى معاوية لعنه الله، ورأسك اول رأس يشهر في الإسلام من بلد الى بلد، ثم يبكي أمير المؤمنين ويقول: وقرة عيني ابني الحسين، فإن رأسه يشهر على قناة وتستباح ذراريه بعدك يا عمرو من كربلا غربي الفرات الى يزيد بن معاوية عليهما اللعنة، ثم ينزل صاحباك المحجوب والمقعد فيواريان بدنك في موضع مصرعك وهو بين الدير والموصل فكأن كلما ذكره رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام) فكان هذا من دلائله (عليه السلام). وعنه عن علي بن بشر عن علي بن النعمان عن هارون بن يزيد


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 157 ]

الخزاعي عن احمد بن خالد الطبرستاني عن حمران بن اعين بن القاسم بن محمد بن ابي بكر عن رميلة وكان رجلا من خواص أمير المؤمنين (عليه السلام) قال رميلة: وعكت وعكا شديدا في زمان أمير المؤمنين (عليه السلام) قال ثم وجدت منه خفة في نفسي في يوم الجمعة فقلت: لا اعمل شيئا أفضل من أن أعلا على الماء وآتي المسجد فأصلي خلف امير المؤمنين (عليه السلام) ففعلت ذلك، فلما علا المنبر في جامع الكوفة عاودني الوعك فلما خرج أمير المؤمنين من المسجد اتبعته فالتفت الي، فقال: ما لي اراك متشكيا بعضك الى بعض، قد علمت من الوعك وما قلت أنك لا تعمل شيئا أفضل من غسلك لصلاتك الجمعة خلفي وإنك كنت وجدت خفا، فلما صليت وعلوت المنبر عاد إليك، قلت: والله يا أمير المؤمنين ما زدت في قصتي حرفا ولا نقصت حرفا، قال: يا رميلة ما من مؤمن ولا مؤمنة يمرض إلا مرضنا لمرضه، ولا يحزن إلا حزنا لحزنه، ولا دعا الا امنا على دعائه، ولا شكا الا دعو نا له، فقلت: يا أمير المؤمنين هذا لمن كان معك في هذا المصر فمن كان في اطراف الأرض كيف يكون في هذه المنزلة ؟ قال: يا رميلة ليس بغائب عنا مؤمن ولا مؤمنة في مشارق الأرض ومغاربها إلا وهو معنا ونحن معه فكان هذا من دلائله (عليه السلام). وعنه عن جعفر بن يزيد القزويني عن زيد الشحام عن أبي هارون المكفوف عن ميثم التمار عن سعد العلاف، عن الأصبغ بن نباتة قال: جاء نفر إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقالوا أن المعتد يزعم أنك تقول إن هذا الجري مسخ فقال مكانكم حتى اخرج اليكم فتناول ثوبه، ثم خرج إليهم ومضى حتى انتهى الى الفرات بالكوفة فصاح يا جري فأجابه لبيك لبيك، قال: من أنا ؟ قال: أنت إمام المتقين وأمير المؤمنين (عليك السلام)، قال: من أنت ؟ قال: أنا ممن عرضت عليه ولايتك فجحدتها، ولم أقبلها فمسخت جريا، وبعض هؤلاء الذين كانوا


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 158 ]

معك يمسخون جريا. فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): بين ضيعتك وفيمن كنت ومن كان معك، قال: نعم يا أمير المؤمنين كنا اربعة وعشرين طائفة من بني اسرائيل قد تمردنا وطغينا واستكبرنا وتجبرنا وسكنا المفاوز رغبة منا في البعد من المياه، والأنهار فأتانا آت وأنت والله أعرف به منا يا أمير المؤمنين فجمعنا في صحن الدار، وصرخ بنا صرخة فجمعنا في موضع واحد وكنا مبددين في تلك المفاوز والقفار، فقال لنا: ما لكم هربتم من المدن والمياه والأنهار وسكنتم هذه المفاوز ؟ فأردنا نقول لأننا فوق العالم تكبرا وتعززا، فقال لنا: قد علمت ما في نفوسكم فعلى الله تتعززون ؟ فقلنا له: بلى فقال: أليس قد أخذ عليكم العهد لتؤمنن بمحمد بن عبد الله الملكي ؟ قلنا: بلى، قال: وأخذ عليكم العهد بولاية وصيه وخليفته بعهده وبعده أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فسكتنا فلم نجب بألسنتنا وقلوبنا، ونياتنا لا تقبلها، فقال: لا أو تقولون بألسنتكم، فقلناها بأجمعنا بألسنتنا وقلوبنا ونياتنا: لا نقبلها، فصاح بنا صيحة، وقال لنا: كونوا بإذن الله مسوخا، كل طائفة جنسا، ويا أيتها القفار كوني بإذن الله انهارا وتسكنك هذه المسوخ وتتصل بحار الدنيا وانهارها حتى لا يكون ماء الا كانوا فيه فمسخنا ونحن اربعة وعشرون جنسا فصاحت اثنا عشر طائفة: منا أيها المقتدر علينا، بقدرة الله عليك الا ما اعفيتنا من الماء، وجعلتنا على ظهر الأرض، قال: قد فعلت: فقال أمير المؤمنين: هيه يا جري بين ما كان الأجناس الممسوخات البرية والبحرية، فقال: أما البحرية فنحن: الجري، والسلاحف، والمرماهي، والزمار، والسراطين، والدلافين، وكلاب الماء، والضفادع، وبنات نقرس، والغرمان والكوسج، والتمساح، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): هيه، والبرية ؟ قال: نعم، الوزغ، والخفاش، والكلب، والدب، والقرد والخنازير، والضب، والحرباء، والورل، والخنافس، والارنب، والضبع.


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 159 ]

قال أمير المؤمنين: فما فيكم من خلق الإنسانية وطبائعها ؟ قال الجري: أقوامنا والبعض لكل صورة وخلقه، وكلنا تحيض مثل الاناث. قال أمير المؤمنين صدقت أيها الجري، وحفظت ما كان، قال الجري: يا أمير المؤمنين هل من توبة ؟ فقال (عليه السلام): للأجل المعلوم وهو يوم القيامة والله خير حافظا وهو ارحم الراحمين. قال الأصبغ بن نباتة: فسمعنا والله ما قال ذلك الجري ووعيناه وكتبناه وعرضناه على أمير المؤمنين (عليه السلام) فصح والله لنا ومسخ من بعض القوم الذين حضروا جريا فكان هذا من دلائله (عليه السلام). وعنه عن أبي الحواري عن عبد الله بن محمد بن فارس بن ماهويه عن اسماعيل بن علي النهرواني، عن ماهان الأبلي، عن المفضل بن عمر الجعفي عن الصادق (عليه السلام) ان أمير المؤمنين كان حوله من جهة الأنبار في بني مخزوم، وان انسانا منهم أتاه فقال له يا خالي ان صاحبي وتربي مات ضالا وأني عليه لحزين، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): اتحب أن تراه ؟ قال: نعم، قال: فلبس بردة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وخرج معه الى أن اتى الى قبر، فركض برجله القبر فخرج الرجل من قبره وهو يقول: ويله وبيه سلان، فقال له اخوه المخزومي: أولم تمت وانت رجل من العرب ؟ قال كنا على سنة ابي بكر وعمر في العربية، ونحن اليوم على سنة الفرس فليست ألسنتنا على دين الله بالعربية فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): ارجع الى مضجعك وانصرف المخزومي معه فكان هذا من دلائله (عليه السلام). وعنه عن أبيه عن سعد بن مسلم عن صباح الأمري عن الحارث بن خضر عن الاصبغ بن نباتة قال: خرجنا مع أمير المؤمنين وهو يطوف بالسوق يأمر بوفاء الكيل والميزان وهو يطوف الى ان انتصف النهار، مر برجل جالس فقام إليه فقال له يا أمير المؤمنين: مر معي إلى أن تدخل بيتي


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 160 ]

تتغدى عندي، وتدعو لي وما أحسبك اليوم تغديت، قال أمير المؤمنين: على أن لا تدخر ما في بيتك ولا تتكلف من وراء بابك، قال: لك شرطك، ودخل ودخلنا واكلنا خبزا وزيتا، وتمرا ثم خرج يمشى حتى انتهى الى قصر الامارة بالكوفة فركض برجله الأرض فزلزلت ثم قال: وأيم الله لو علمتم ما ها هنا، وأيم الله لو قام قائمنا لأخرج من هذا الموضع اثني عشر ألف درع واثني عشر ألف بيضة لها وجهات ثم البسها اثني عشر الفا من ولد العجم، ثم يأمر بقتل كل من كان على خلاف ما هم عليه، وأني اعلم ذلك وأراه كما اعلم اليوم، واراه فكان هذا من دلائله (عليه السلام). وعنه عن محمد بن داود عن الحسين عن أبيه عن عمر بن شمر ومحمد بن سنان الزاهري عن جابر بن يزيد الجعفي عن يحيى بن أبي العقب عن مالك الأشتر رضي الله عنه، قال: دخلت على أمير المؤمنين (عليه السلام) في ليلة مظلمة فقلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال: وعليك السلام ما الذي ادخلك علي في هذه الساعة يا مالك ؟ فقلت: خيرا يا أمير المؤمنين، وشوقي إليك فقال: صدقت والله يا مالك، فهل رأيت أحدا ببابي في هذه الليلة المظلمة ؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين رأيت ثلاثة نفر، فقام أمير المؤمنين (عليه السلام) فخرج وخرجنا معه فإذا بالباب رجل مكفوف ورجل أزمن ورجل أبرص، فقال لهم أمير المؤمنين، ما تصنعون ببابي في هذا الوقت ؟ قالوا: يا أمير المؤمنين جئناك تشفينا مما بنا فمسح أمير المؤمنين يده المباركة عليهم فقاموا من غير زمن ولا عمى ولا برص فكان هذا من دلائله (عليه السلام). وعنه عن أبيه عن أحمد بن الخصيب عن أحمد بن نصير عن عبد الله الأسدي عن فضيل بن الزبير قال: مر ميثم التمار على فرس له مستقبل حبيب بن مظاهر فجلس بين بني اسد، بالكوفة فتحدثا حتى اختلف اعناق فرسيهما قال حبيب: لكأني شيخ أصلع ضخم البطن شبيع البطيح


--------------------------------------------------------------------------------

 161 ]
ازرق العينين قد صلب في اهل البيت بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكأني وقد جاء برأسي الى الكوفة، وأخبر الذي جاء به، ثم افترقا فقال أهل المجلس: ما رأينا اعجب من اصحاب ابي تراب، يقولون: ان عليا علمهم الغيب، فلم يفترق أهل المجلس حتى جاء رشيد الهجري يطلبهما فسأل عنهما، فقالوا له قد افترقا وسمعناهما يقولان كذا وكذا، قال رشيد الهجري لهم: رحم الله ميثم فقد نسي انه يزاد في عطاء الذي يجيب رأسه مائة درهم، ثم قال أهل المجلس: ميثم مصلوب على باب دار عمرو بن حريث وجئ برأس ابن مظاهر من كربلا وقد قتل مع الحسين بن علي (عليهما السلام) إلى عبيد الله إبن زياد لعنه الله، وزيد في عطاء الذي حمل رأس حبيب مائة درهم كما ذكر، وكان كل ما قالوه مما اخبرهم به أمير المؤمنين فكان هذا من دلائله (عليه السلام). وعنه عن محمد بن عبد الرحمن الطريقي عن يونس بن احمد الزيات عن كثير بن جعفر الأدني عن الحسن بن محبوب عن حمزة الثمالي عن أبي اسحاق السبيعي عن سويد بن غفلة، قال: بينما نحن عند أمير المؤمنين (عليه السلام) إذ أتى رجل فقال يا أمير المؤمنين إني قد جئت من وادي القرى وقد مات خالد بن عرفطة فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): مه لم يمت فاعاد عليه الرجل ثانية فقال: لم يمت، واعرض عنه بوجهه، فأعاد عليه ثالثة فقال: سبحان الله قد اخبرتك انه قد مات، وتقول لي: انه لم يمت، فقال (عليه السلام): لم يمت ولن يموت حتى يقود جيش ضلالة ومصيرها النار يحمل رايته حبيب بن جماز، فأتى إلى أمير المؤمنين فقال له: ناشدتك بالله انا لك شيعة، وقد ذكرتني يا مولاي شيئا ما اعرفه من نفسي، فقال له: من أنت ؟ عساك حبيب بن جماز ؟ فقال له: انا هو يا أمير المؤمنين فقال: إن كنت هو فلا يحملها غيرك، فولى حبيب مغضبا فقال سويد بن غفلة: فوالله ما ذهبت الأيام والليالي حتى بعث عمر بن سعد بن ابي وقاص خالد بن عرفطة على مقدمته في جيش ضلالة وحبيب


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 162 ]

ابن جماز يحمل رايته الى ابي عبد الله الحسين (صلوات الله عليه) وعلى آبائه الطاهرين، حتى استشهد وقاتله فكان هذا من دلائله وعجائبه (عليه السلام). وعنه عن أبيه عن أحمد بن الخصيب عن ابي المطلب جعفر بن محمد بن المفضل عن محمد بن سنان الزاهري عن عبد الله بن عبد الرحمن الأصم عن مديح بن هارون بن سعد، قال: سمعت ابا الطفيل عامر بن واثلة يقول: سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول لعمر: من علمك الجهالة يا مغرور ؟ وأيم الله وكنت بصيرا وكنت في دنياك تاجرا نحريرا، وكنت فيما امرك رسول الله (صلى الله عليه وآله) أركبت وفرشت الغضب ولما أحببت ان يتمثل لك الرجال قياما، ولما ظلمت عترة النبي (صلى الله عليه وآله) بقبيح الفعال غير اني اراك في الدنيا قبلا بجراحة ابن عبد أم معمر تحكم عليه جورا فيقتلك توفيقا يدخل والله الجنان على رغم منك، والله لو كنت من رسول الله (صلى الله عليه وآله) سامعا مطيعا لما وضعت سيفك في عنقك، ولما خطبت على المنبر ولكأني بك قد دعيت فأجبت ونودي باسمك فأحجمت لك هتك سترا وصلبا ولصاحبك الذي اختارك وقمت مقامه من بعده. فقال عمر: يا ابا الحسن اما تستحي لنفسك من هذا اليك فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): ما قلت لك الا ما سمعت وما نطقت إلا ما علمت. قال: فمتى هذا يا أمير المؤمنين ؟ قال: إذا اخرجت جيفتاكما عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) من قبريكما اللذين لم تدفنا فيها الا لئلا يشك احد فيكما إذا نبشتما، ولو دفنتما بين المسلمين لشك شاك، وارتاب مرتاب، وستصلبان على أغصان دوحة يابسة فتورق تلك الدوحة بكما وتفرع وتخضر بكما فتكونا لمن أحبكما ورضي بفعلكما آية ليميز الله الخبيث


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 163 ]

من الطيب، ولكأني انظر إليكما والناس يسألون ربهم العافية مما بليتما به، قال: فمن يفعل ذلك يا أبا الحسن ؟ قال: عصابة قد فرقت بين السيوف أغمادها، وارتضاهم الله لنصرة دينه فما تأخذهم في الله لومة لائم، ولكأني انظر إليكما وقد اخرجتما من قبريكما طريين بصورتيكما حتى تصلبا على الدوحات، فتكون ذلك فتنة لمن أحبكما، ثم يؤتى بالنار التي اضرمت لإبراهيم (صلوات الله عليه) ولجرجيس ودانيال وكل نبي وصديق ومؤمن ومؤمنة وهي النار التي أضرمتموها على باب داري لتحرقوني وفاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وابني الحسن والحسين وابنتي زينب وام كلثوم، حتى تحرقا بها، ويرسل الله اليكما ريحا مدبرة فتنسفكما في اليم نسفا ويأخذ السيف من كان منكما ويصير مصيركما إلى النار جميعا، وتخرجان الى البيداء إلى موضع الخسف الذي قال الله تعالى: (ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب) يعني من تحت اقدامكما. قال: يا ابا الحسن تفرق بيننا وبين رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ قال: نعم. قال: يا ابا الحسن إنك سمعت هذا وأنه حق ؟ قال: فلحف أمير المؤمنين أنه سمعه من النبي (صلى الله عليه وآله) فبكى عمر وقال اعوذ بالله مما تقول، فهل لك علامة ؟ قال: نعم قتل فظيع، وموت سريع، وطاعون شنيع، ولا يبقى من الناس في ذلك الا ثلثهم وينادي مناد من السماء باسم رجل من ولدي وتكثر الآفات حتى يتمنى الأحياء الموت مما يرون من الاهوال، وذلك مما أسئتما، فمن هلك استراح ومن كان له عند الله خير نجا ثم يظهر رجل من عترتي فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما يأتيه الله ببقايا قوم موسى ويحيى له اصحاب الكهف وتنزل السماء قطرها وتخرج الأرض نباتها. قال له عمر: فإنك لا تحلف إلا على حق فإنك أن تهددني بفعال


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 164 ]

ولدك فوالله لا تذوق من حلاوة الخلافة شيئا أنت ولا ولدك، وإن قبل قولي لينصرني ولصاحبي من ولدك قبل أن أصير إلى ما قلت. فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): تبا لك أن تزداد الا عدوانا فكأني بك قد اظهرت الحسرة وطلبت الاقالة، حيث لا ينفعك ندمك. فلما حضرت عمر الوفاة أرسل الى أمير المؤمنين فأبى أن يجئ فأرسل إليه جماعة من اصحابه فطلبوه إليه أن يأتيه، ففعل فقال عمر: يا ابا الحسن هؤلاء حالوني مما وليت من امرهم فإن رأيت ان تحالني، فافعل، فقام أمير المؤمنين (عليه السلام) وقال: أرأيت ان حاللتك فمن حالل بتحليل ديان يوم الدين، ثم ولى وهو يقول: (واسروا الندامة لما رأوا العذاب) فكان هذا من دلائله (عليه السلام) الذي شهد اكثرها وصح ما نبأ به فهو حق. وعنه عن محمد بن موسى القمي عن داود بن سليمان الطوسي عن محمد بن خلف الطاطري عن الحسن بن سماعة الكوفي عن راشد بن يزيد المدني عن المفضل بن عمر الجعفي عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: جلس رسول الله (صلى الله عليه وآله) في رحبة مسجده بالمدينة وطائفة من المهاجرين والانصار حوله وأمير المؤمنين عن يمينه وعمر عن شماله إذ طلعت غمامة ولها زجل بالتسبيح وهفيف قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): قد شاهدته من عند الله ثم مد يده الى الغمامة فنزلت ودنت من يده فبدا منها جام يلمع حتى غشيت ابصار من في المسجد من لمعاته وشعاع نوره، وفاح في المسجد روائح حتى زالت عقولنا بطيبها ومشمها والجام يسبح الله ويقدسه ويمجده بلسان عربي مبين حتى نزل في بطن راحة رسول الله (صلى الله عليه وآله) اليمين وهو يقول: السلام عليك يا حبيب الله وصفيه ونبيه ورسوله المختار على العالمين والمفضل على خلق الله أجمعين من الأولين والآخرين، وعلى وصيك خير الوصيين وأخيك


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 165 ]

خير المواخين وخليفتك خير المستخلفين وامام المتقين وأمير المؤمنين ونور المستضيئين وسراج المهتدين وعلى زوجته فاطمة ابنتك خير نساء العالمين الزهراء في الزاهرين والبتول في المتبتلين، والأئمة الراشدين وعلى سبطيك ونوريك وريحانتيك وقرة عينيك ابناء علي الحسن والحسين، ورسول الله وسائر من كان حاضرا يسمعون ما يقول الجام ويغضون من أبصارهم من تلألؤ نوره (صلى الله عليه وآله) وهو يكثر من حمد الله وشكره حتى قال الجام - وهو في كفه -: يا رسول الله أنا تحية الله اليك والى اخيك علي وابنتك فاطمة والحسن والحسين فردني يا رسول الله في كف علي، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) خذه يا ابا الحسن تحية من عند الله فمد يده اليمنى فصار في بطن راحتيه فقبله واشتمه فقال مرحبا بكرامة الله لرسوله وأهل بيته واكثر من حمد الله والثناء عليه والجام يسبح الله عز وجل ويهلله ويكبره ويقول: يا رسول الله ما بقي من طيب في الجنة إلا وأنا أطيب منه، فارددني إلى فاطمة والحسن والحسين كما أمرني الله عز وجل فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): قم يا ابا الحسن به فاردده إلى كف قرة عيني فاطمة وكف حبيبي الحسن والحسين، فقام أمير المؤمنين (عليه السلام) يحمل الجام ونوره يزيد على نور الشمس والقمر ورائحته قد ذهلت العقول طيبا حتى دخل على فاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) من الله ورحمته وبركاته ورده في ايديهم فتحيوا به وقبلوه واكثروا من حمد الله وشكره والثناء عليه، ثم رده الى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلما صار في كفه قام عمر على قدميه فقال: يا رسول الله، تستأثر بكل ما نالك من عند الله من تحية وهدية، أنت وعلي وفاطمة والحسن والحسين ؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا عمر ما اجرأك على الله ؟ اما سمعت الجام حتى تسألني أن أعطيك ما ليس لك ؟ فقال له: يا رسول الله أتأذن لي بأخذه واشتمامه وتقبيله ؟ فقال له


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 166 ]

رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما أشد جأشك، قم، إن نلته فما محمد رسول الله حقا ولا جاء بحق من عند الله فمد عمر يده نحو الجام فلم يصل إليه وارتفع الجام نحو الغمام، وهو يقول: يا رسول هكذا يفعل المزور بالزائر ؟ قال: قم يا ابا الحسن على قدميك، وامدد يدك الى الغمام وخذ الجام وقل ما امرك الله به أن تؤديه الينا ثانية، فقام أمير المؤمنين (عليه السلام) فمد يده الى الغمام فتلقاه الجام فأخذه فقال له: رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول لك: ماذا أمرك الله أن تقول له ؟ فأتاه الجام وقال: نعم يا رسول الله أمرني أن أقول لكم ان قد اوقفني على نفس كل مؤمن ومؤمنة من شيعتكم وأمرني بحضور وفاته فلا يستوحش من الموت ولا ييأس من النظر اليكم وأن أنزل على صدره وأن أكسوه من روائح طيبي فتقبض روحه وهو لا يشعر. فقال عمر لأبي بكر: يا ليت الجام مضى بالحديث الأول ولم يذكر شيعتهم فكان هذا من فضل الله على رسوله وعلى أمير المؤمنين (عليه السلام). وعنه بهذا الاسناد قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): خرج أمير المؤمنين (عليه السلام) ذات يوم الى بستان البرني ومعه اصحابه فجلس تحت نخلة فرطبت ونزل منها رطب فوضع بين ايديهم فأكلوا فقال رشيد الهجري: يا أمير المؤمنين ما أطيب هذا الرطب، فقال: يا رشيد اما انك تصلب على جذعها، قال رشيد: فكنت اختلف إليها اطراف النهار وأسقيها ومضى أمير المؤمنين (عليه السلام) فخرجنا يوما وقد قطعت وذهب نصفها فقلت: قد اقترب اجلي فجئت اليوم الآخر فإذا بالنصف الثاني قد جعل زرنوقا يستقى عليه، فقلت: والله ما كذبني خليلي فأتاني العريف فقال: أجب الأمير فأتيته فلما وصلت القصر فإذا انا بخشب ملقى


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 167 ]

وفيه الزرنوق وجئت حتى ضربت الزرنوق برجلي، وقلت: إليك اعدت وإليك أتيت، ثم دخلت على عبيد الله بن زياد لعنه الله فقال: هات من كذب صاحبك، فقلت: والله ما كان يكذب ولقد أخبرني أنك تقطع يدي ورجلي ولساني قال: إذن اكذبه، اقطعوا يديه ورجليه واطرحوه، فلما حمل الى أهله أقبل يحدث الناس بالعظائم وما يأتي وهو يقول: يا أيها الناس اسألوني فإن للناس عندي طلبة لم يقضوها. فدخل رجل الى عبيد الله بن زياد لعنه الله قال: بئسما صنعت به قطعت يديه ورجليه وتركت اللسان فهو يحدث الناس بالعظائم قال: ردوه فقد بلغ إلي ذلك فردوه فأمر بقطع لسانه وصلبه على جذع تلك النخلة فكان هذا من دلائله (عليه السلام). وعنه عن جعفر بن المفضل المخلول عن إبراهيم عن جعفر بن يحيى القرني عن يونس بن ظبيان عن أبي خالد عبد الله بن غالب عن رشيد الهجري (رضي الله عنه) قال كنت وابا عبد الله سلمان، وأبو عبد الرحمن قيس بن ورقا، وأبو الهيثم مالك بن التيهان وسهل بن حنيف بين يدي أمير المؤمنين (عليه السلام) بالمدينة إذ دخلت خبابة الوالبية وعلى رأسها كور شبيه السيف، وعليها اطمار سابغة متقلدة مصحف، وبين اناملها مسباح من حصى فسلمت وبكت، وقالت آه يا أمير المؤمنين، آه من فقدك واسفاه على غيبتك واحسرتاه على ما يفوت من الغيبة منك لا يلهم عنك ولا يرغب يا امير المؤمنين من الله فيه الخشية وارادة من امري معك على يقين وبيان وحقيقة، وأني اتيتك وأنت تعلم ما أريد فمد يده اليمنى إليها فأخذ من يدها حصاة بيضاء تلمع وترى من صفائها وأخذ خاتمه من يده وطبع به في الحصاة فانطبعت، فقال لها: يا حبابة هذا كان مرادك مني ؟ فقالت: اي والله يا أمير المؤمنين هذا أريد لما سمعناه من نقول شيعتك واختلافهم بعدك، فأردت بهذا برهانا يكون معي ان عمرت بعدك - ولا عمرت - ويا ليتني وقومي لك الفداء، فإذا وقعت الاشارة


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 168 ]

وشئت شيعه فمن يقوم مقامك أتيته بهذه الحصاة، فإذا فعل فعلك بها علمت أنه الخليفة وأرجو ان لا أوجد لذلك. قال: بلى: والله يا حبابة، لتلقين بهذه الحصاه ابني الحسن، والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن على، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، وكلا إذا اتيته استدعى بالحصاة منك وطبعها بهذا الخاتم لك فبعهد علي بن موسى ترين في نفسك برهانا عظيما تعجبين منه فتختارين الموت فتموتين ويتولى أمرك ويقوم على حفرتك ويصلي عليك وأنا مبشرك بأنك مع المكرورات مع المهدي من ذريتي إذا اظهر الله امره. فبكت حبابة، ثم قالت: يا أمير المؤمنين من أين لأمتك الطائعة الضعيفة اليقين القليلة العمل لولا فضله وفضل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وفضلك يا أمير المؤمنين أن تتأتى هذه المنزلة التي انا فيها، والله بما قلته لي مؤقنة ليقيني بأنك أمير المؤمنين حقا لا سواك، فادع لي يا أمير المؤمنين بالثبات على ما هداني الله إليه، ولا أسلبه ولا أفتتن فيه، ولا أضل عنه. فدعا لها أمير المؤمنين بذلك، واصحبها خيرا. قالت حبابة: لما قبض أمير المؤمنين (عليه السلام) بضربة عبد الرحمن بن ملجم المرادي في مسجد الكوفة أتيت مولاي الحسن فلما رآني قال: أهلا وسهلا بك يا حبابة هاتي الحصاة فمد يده إليها (عليه السلام) كما مد أمير المؤمنين يده فأخذ الحصاة وطبعها كما طبعها أمير المؤمنين، وخرج ذلك الخاتم بعينه، فلما قبض الحسن بالسم أتيت الحسين (عليه السلام) فلما رآني قال: مرحبا بك يا حبابة هاتي الحصاة، فأخذها وختم عليها بذلك الخاتم، فلما استشهد (عليه السلام) أتيت عليا بن الحسين وقد شك الناس فيه ومالت شيعة الحجاز الى محمد بن الحنفية، من


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 169 ]

شكهم في زين العابدين (عليه السلام)، وصار من كبارهم جميع، فقالوا: يا حبابة الله الله فينا اقصدي الى علي بن الحسين (عليه السلام) حتى يتبين الحق، فصرت إليه فلما رآني رحب بي ومد يده وقال: هاتي الحصاة فأخذها وطبعها بذلك الخاتم ثم صرت بذلك الخاتم الى محمد، والى جعفر بن محمد، والى موسى بن جعفر، والى علي بن موسى الرضا (صلوات الله عليهم أجمعين)، فكل يفعل كفعل أمير المؤمنين (عليه السلام) والحسن والحسين (عليهما السلام)، وكبر سني ورق جلدي ودق عظمي وحال سواد شعري بياضا، وكنت بكثرة نظري إليهم صحيحة العقل والبصر والفهم، فلما صرت الى علي الرضا بن موسى (صلوات الله عليه) رأيت شخصه الكريم ضحكت ضحكا فقال من حضر: قد خرفت يا حبابة، والا نقص عقلك، فقال لهم علي الرضا (صلوات الله عليه) اني لكم، ما خرفت حبابة ولا نقص عقلها، ولكن جدي أمير المؤمنين (عليه السلام) أخبرها بأنها تكون معي وأنها تكون مع المكرورات مع المهدي (عليه السلام)، من ولدي، فضحكت تشوقا الى ذلك وسرورا وفرحا بقربها منه، فقال القوم: استغفر لنا يا سيدنا وما علمنا هذا، قال: يا حبابة ما الذي قال لك جدي أمير المؤمنين (عليه السلام) ؟ قالت: قال تريني برهانا عظيما، قال: يا حبابة ترين بياض شعرك ؟ قلت: بلى يا مولاي، قال: يا حبابة افتحبين ان تريه اسود حالكا كما كان في عنفوان شبابك ؟ قلت: نعم يا مولاي، قال: يا حبابة ويجزيك ذلك أو نزيدك ؟ فقلت: يا مولاي زدني من فضلك علي قال: اتحبين ان تكوني مع سواد شعرك شابة ؟ فقلت: يا مولاي هذا البرهان عظيم، قال: وهذا اعظم منه ما تجدينه مما لا يعلم الناس به، فقلت: يا مولاي اجعلني لفضلك اهلا فدعا بدعوات خفية حرك بها شفتيه فعدت والله شابة طرية غضة سوداء الشعر حالكا، ثم دخلت خلوة في جانب الدار ففتشت نفسي فوجدتها بكرا فرجعت وخررت بين يديه ساجدة، ثم قلت: يا مولاي النقلة الى الله عز وجل فلا حاجة لي في حياة الدنيا، فقال: يا


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 170 ]

حبابة ارحلي الى امهات الأولاد فجهازك هناك منفردا. قال الحسين بن حمدان الخصيبي (رضي الله عنه): حدثني جعفر بن مالك، قال حدثني محمد بن يزيد المدني قال: كنت مع مولاي علي الرضا (صلوات الله عليه) حاضرا لأمر حبابة وقد دخلت إلى امهات الأولاد فلم تلبث الا بمقدار ما عاينت جهازها حتى تشهدت وقبضت إلى الله رحمها الله. قال مولانا الرضا (صلوات الله عليه) رحمك الله يا حبابة قلنا: يا سيدنا ولما قبضت قال لبثت الى ان عاينت جهازها حتى قبضت الى الله وامر يتجهيزها فجهزت وخرجت وصلينا عليها وحملت الى حفرتها وأمر سيدنا بزيارتها وتلاوة القرآن عندها والتبرك بالدعاء هناك فكان هذا من دلائل مولانا أمير المؤمنين وبراهينه (عليه السلام). وعنه بهذا الإسناد قال: حدثني جابر بن عبد الله الانصاري قال كنت بين يدي مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذ دخل عمر بن الخطاب فلما جلس قال لجماعة ان لنا سترا فيما بيننا، تخففوا رحمكم الله، فشمرت وجوهنا وقلنا ما كذا كان يفعل بنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) لقد كان يأتمننا على سره فما لك لما رأيت فتيان المسلمين تسريت بفتيان رسول الله ؟ فقال: للناس اسرار لا يمكن اعلانها فقمنا مغضبين، وخلا بأمير المؤمنين مليا، ثم قاما من مجلسهما حتى رقيا منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) جميعا فقلنا: الله أكبر ترى ابن حنتمة رجع عن غيه وطغيانه ورقي المنبر مع أمير المؤمنين، وقد مسح يده على وجهه، ورأينا عمر يرتعد ويقول: لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم، ثم صاح ملء صوته يا سارية الجأ الجبل، ثم لم يلبث ان قبل صدر أمير المؤمنين ونزلا وهو ضاحك، وأمير المؤمنين يقول له: إفعل ما زعمت يا عمر انك فاعله وأن لا عهد لك ولا وفاء، فقال له امهلني يا ابا


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 171 ]

الحسن حتى انظر ما يرد إلي من خبر سارية وهل ما رأيته صحيحا أم لا، قال له أمير المؤمنين: ويحك يا عمر فإذا صح ووردت الاخبار عليك بتصديق ما رأيت وما عاينت، وانهم قد سمعوا صوتك ولجأوا الى الجبل كما رأيت هل أنت مسلم ما ضمنت ؟ قال: لا يا ابا الحسن، ولكني أضيف هذا الى ما رأيت منك ومن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، والله يفعل ما يشاء. فقال له أمير المؤمنين: ويلك يا عمر ان الذي تقول أنت وحزبك الضالون انه سحر وكهانة ليس فيك شك، فقال: ذلك قول قد مضى والامر لنا في هذا الوقت، ونحن أولى بتصديقكم في افعالكم وما نراه من عجائبكم الا ان هذا الملك عقيم. فخرج أمير المؤمنين (عليه السلام) ولقيناه فقلنا: يا أمير المؤمنين ما هذه الآية العظيمة ؟ وهذا الخطاب الذي سمعناه ؟ فقال: هل علمتم أوله ؟ فقلنا ما علمناه يا أمير المؤمنين ولا نعلمه الا منك، قال: ان هذا ابن الخطاب قال لي انه حزين القلب باكي العين على جيوشه التي في فتوح الجبل في نواحي نهاوند، وأنه يحب ان يعلم صحة اخبارهم وكيف مع كثرة جيوش الجبل وان عمرا بن معدي كرب قتل ودفن بنهاوند، وقد ضعف جيشه واتصل الخبر بقتل عمر، فقلت له: ويحك يا عمر كيف تزعم أنك الخليفة في الأرض، والقائم مقام رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنت لا تعلم ما وراء اذنك وتحت قدمك والإمام يرى الأرض ومن عليها، ولا يخفى عليه من اعمالهم شئ ؟ فقال لي: يا أبا الحسن أنت بهذه الصورة فأت خبر سارية وأين هو ؟ ومن معهم ؟ وكيف صورهم ؟ فقلت له: يا ابن الخطاب، فان قلت لك لا تصدقني ولكني أريك جيشك واصحابك وسارية قد كمن بهم جيش الجبل في واد قعيد بعيد الأقطار كثير الأشجار فإن سار به جيشك يسيرا خلصوا بها، وإلا قتل اول جيشك وآخره، فقال: يا أبا الحسن ما لهم ملجأ منهم، ولا يخرجون


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 172 ]

من ذلك الوادي، فقلت: بلى لو لحقوا الجبل الذي يلي الوادي سلموا وتملكوا جيش الجبل فقلق واخذ بيدي، وقال: الله الله يا ابا الحسن في جيوش المسلمين فأرينهم كما ذكرت أو حذرهم ان قدرت ولك ما تشاء من خلع نفسي من هذا الأمر ورده اليك فأخذت عليه عهد الله وميثاقه ان رقيت به المنبر وكشفت عن بصره وأريته جيوشه في الوادي وانه يصيح إليهم فيسمعون منه ويلجأون الى الجبل ويظفرون بجيش الجبل يخلع نفسه ويسلم الي حقي، فقلت له: قم يا شقي، والله لا وفيت بهذا العهد والميثاق كما لم تف لله ولرسوله ولي بما اخذناه عليك من العهد والميثاق والبيعة في جميع المواطن، فقال لي: بلى والله فقلت له: ستعلم أنك من الكافرين، ورقيت المنبر فدعوت بدعوات وسألت الله ان يريه ما قلت ومسحت على عينيه وكشفت عنه غطاءه فنظر الى سارية وسائر الجيش وجيش الجبل وما بقي الا الهزيمة لجيشه، فقلت له: صح يا عمر ان شئت، قال: يسمع ؟ قلت: نعم، يسمع ويبلغ صوتك إليهم، فصاح الصيحة التي سمعتموها: يا سارية إلجأ الجبل، فسمعوا صوته ولجأوا الى الجبل فسلموا وظفروا بجيش الجبل فنزل ضاحكا كما رأيتموه وخاطبته وخاطبني بما سمعتموه. قال جابر: آمنا وصدقنا وشك آخرون الى ورود البريد بحكاية ما حكاه أمير المؤمنين واراه عمر ونادى بصوته فكاد اكثر العوام المرتدين أن يعبدوا ابن الخطاب وجعلوا هذا منقبا له والله ما كان الا منقلبا. فكان هذا من دلائل مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام).


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 173 ]

الباب الثالث باب سيدة النساء (عليها السلام)


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 175 ]

قال السيد الحسين بن حمدان الخصيبي بإسناده: ولدت فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد خمس سنين من ظهور الرسالة ونزول الوحي ومن بناء الحرم الذي أراد ابرهة ابن الصباح الجبار خرابه، وملك الحبشة وهو الجلندي ابن كركر صاحب الفيل وكان تخريبه بعد طسم وجديس وحزبهم ورحلهم من مكة وبني قريش ما كان خرب منه، فلما ورد ابرهة لهدم البيت وتخريبه أغار على اموال قريش وبني هاشم فاستباحها فصار إليه عبد المطلب فأستأذنوه عليه فلما صار إليه ارتعب منه ابرهة وعظم في نفسه وكبر عليه، فقال لمن حوله: من هذا الرجل العظيم ؟ فقالوا: سيد قريش وافضل بني هاشم واشرف العرب نفسا ونسبا، وهو صاحب هذا البيت فقال اسألوه فيما جاءنا فسألوه، قال: جئت أساله رد ما اخذه واستباحه من اموالنا، ونعمنا، فرغب ابرهة وقال لأصحابه: تزعمون انه صاحب البيت، وفخره له يراني قد قصدت إليه ولا يسألني الصفح عنه ويسألني رد ماله، ما أقول ما قلتم فاعيدوا قولي هذا عليه، فأعادوه على عبد المطلب فقال لهم يرد علينا اموالنا فان لهذه الكعبة ربا يمنعك منها، فقال: ردوا عليهم اموالهم حتى ننظر كيف رب هذه الكعبة يمنعنا منها، وامر بالفيلة فجمعت وحملوا بها وقال لساستها: احملوا على البيت فاجعلوه


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 176 ]

سحيقا فلما جمع الفيلة وحملوا بها وقفت ولم تدخل الحرم ودعا بفيل وحمله على البيت فلم يدخل البيت ولم يزالوا من غروب الشمس الى طلوع الفجر يريدونها على دخول الحرم فلم تدخل فادار الى خارج الحرم ويأمر بحطم كل ما يلقاه فلما اسفر الصبح وطلع النهار ارسل الله تعالى عليهم طيرا ابابيل فكانوا كما قال الله عز وجل فجعلهم كعصف مأكول. وتوفيت فاطمة (عليها السلام) ولها ثمانية عشر سنة وشهران وخمسة وعشرون يوما. واقامت مع أبيها بمكة ثماني سنين ثم هاجرت معه الى المدينة، وأقامت بها عشر سنين الهجرة ومضى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولها ثمانية عشر سنة، وعاشت بعده خمسة وسبعين يوما وبرواية الغار اربعين يوما وهو الصحيح. وأسماؤها (عليها السلام: فاطمة وفاطم ترخيما. وكناها: أم الحسن والحسين وأم الأئمة وأم أبيها. وألقابها: الزهراء، والبتول، والحصان، والحوراء، والسيدة، والصديقة، ومريم الكبرى، ووالدة الحسن والحسين، وأم النقي، وام التقي، وام البلجة، وأم الرأفة، وأم العطية، وأم الموانح، وأم النورين، وأم العلا، وأم البدية، وأم الرواق الحسيبة، وأم البدريين. ومن أسماء أبي الحسن لها ام البركات، وأم الهادي، وأم الرحبة (عليها السلام). ولها احدى عشرة سنة بعد الهجرة، ولم تحض كما تحيض النساء. وكان حملها ما روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) انه قال لما عرج بي جبريل (عليه السلام) إلى ربي ورأيت كل ما رأيته في الملكوت


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 177 ]

ودخلت الجنة وناداني كل ما فيها من شئ حتى ثمارها، وأخذ حبيبي جبريل (عليه السلام) تفاحة من تفاح الجنة، فقال لي يا رسول الله ربك يقرئك السلام، ويقول لك: خذ هذه التفاحة فإن من مائها إذا تخلق تفاحة الدنيا والآخرة، وهي فاطمة ابنتك ورأيت النار وما فيها ثم هبطت الى الدنيا فوافيت خديجة (عليها السلام) فحملت بفاطمة. وصدق هذا الخبر في التفاحة قول عائشة وقد دخل عليها بالمدينة نسوة من العراقيات وعندها نسوة من الشاميات فقلن لها يا عائشة نسألك عن خروجك على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب على ضلال استحللت قتاله أم على حق فبغيت عليه فقالت عائشة ويحكن يا عراقيات لقد سألتنني عن الداهية الدهيآء والطامة العظمى، ان عليا (عليه السلام) كان لله ناصرا ولدين الله ثابتا قائما بالحجة وخليفة النبوة واديب الملائكة وقريع الوحي يسمعه بكرة وعشيا ويعيه في اذن واعية، وحجته على خلقه والباب بينهم وبينه وما عسى أن أقول في ابي الحسن وقد اشتبكت رحمه برسول الله (صلى الله عليه وآله) كاشتباك الاصابع المتشابكة بالأوصال المتحابكة فصارت النفس واحدة واودعت جسمين فما يفارق جسم رسول الله ويرى ثقل حبيبه وخليله وقرة عينه الذي كان احب الناس إليه مريم الكبرى والحوراء التي افرغت من ماء الجنة من تفاحة في صلب رسول الله (صلى الله عليه وآله) لقحت اكرم لقح وانتجبت اكرم من نجب فهو وابناه كبعض فضل الله لأن عليا (عليه السلام) اعلاهم فضل من الله ومنزلة عند الله ورسوله وسماكن مسلمات وجعلكن مؤمنات وهداكن سبلا، وجعل الأرض لكن مهادا وذللا فقلن الشاميات فما بال علي امير المؤمنين يلعنه معاوية على منابر الشام ؟ فقالت: ويلكن يا شاميات ان معاوية احتقب بخزيه الى خزيكن وبعماه الى عماكن والله لولا اني اكره لامرت بنفيكن اخرجن يا ناريات. وكانت فاطمة (عليها السلام) غمضت عينها وحفظت نفسها ومدت


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 178 ]

عليها الملاءة وقالت: يا اسماء بنت عميس إذا انا مت فانظري الى الدار فإذا رأيت سجافا من سندس الجنة قد ضرب فسطاطا من جانب الدار فاحمليني وزينب وام كلثوم وأتيا بي فاجعلوني من وراء السجاف وخلوا بيني وبين نفسي. فلما توفيت فاطمة (عليها السلام) وظهر السجاف حملتها وجعلت وراءه فغسلت وحنطت بالحنوط وكان كافورا أنزله جبريل (عليه السلام) من الجنة وثلاث صدر، فقال: يا رسول الله العلي الاعلى يقرئك السلام، ويقول لك هذا حنوطك وحنوط ابنتك فاطمة، وحنوط اخيك علي مقسوم ثلاثا، وان اكفانها من الجنة لأنها امة اكرم على الله من ان يتولاها احد غيره. وروي انها تكفنت من بعد غسلها وحنوطها وطهارتها لا دنس فيها وانها لم يكن يحضرها الا أمير المؤمنين والحسن والحسين وزينب وام كلثوم وفضة جاريتها وأسماء ابنة عميس وان أمير المؤمنين (عليه السلام) جهزها ومعه الحسن والحسين في الليل وصلوا عليها وانها وصت، وقالت لا يصلي علي امة نقضت عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) ولم يعلم بها احدا، ولا حضر وفاتها احد ولا صلى عليها من سائر الناس غيرهم لأنها وصت (عليها السلام)، وقالت: لا يصلي علي امة نقضت عهد الله وعهد ابي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين بعلي وظلموني واخذوا وراثتي وحرقوا صحيفتي التي كتبها ابي بملك فدك والعوالي وكذبوا شهودي وهم والله جبريل وميكائيل وأمير المؤمنين وام ايمن وطفت عليهم في بيوتهم وأمير المؤمنين (عليهم السلام) وعليه يحملني ومعي الحسن والحسين ليلا ونهارا الى منازلهم يذكرهم بالله ورسوله لئلا يظلمونا ويعطونا حقنا الذي جعله الله لنا فيجيبون ليلا ويقعدون عن نصرتنا نهارا ثم ينفذون الى دارنا قنفذا ومعه خالد بن الوليد ليخرجا ابن عمي الى سقيفة بني ساعدة


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 179 ]

لبيعتهم الخاسرة ولا يخرج إليهم متشاغلا بوصاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأزواجه وتأليف القرآن وقضاء ثمانين ألف درهم وصاه بقضائها عنه عدات ودينا فجمعوا الحطب ببابنا وأتوا بالنار ليحرقوا البيت فأخذت بعضاذتي الباب وقلت: ناشدتكم الله وبأبي رسول الله (عليه السلام) ان تكفوا عنا وتنصرفوا فأخذ عمر السوط من قنفذ مولى أبي بكر، فضرب به عضدي فالتوى السوط على يدي حتى صار كالدملج، وركل الباب برجله فرده علي وانا حامل فسقطت لوجهي والنار تسعر، وصفق وجهي بيده حتى انتثر قرطي من اذني وجاءني المخاض فاسقطت محسنا قتيلا بغير جرم فهذه امة تصلي علي، وقد تبرأ الله ورسوله منها وتبرأت منها. فعمل أمير المؤمنين بوصيتها، ولم يعلم بها احد واصبح الناس في البقيع ليلة دفن فاطمة (عليها السلام) اربعون قبرا جددا وان المسلمين لما علموا بوفاة فاطمة ودفنها أتوا أمير المؤمنين (عليه السلام) يعزونه بها، فقالوا: يا أخا رسول الله امرت بتجهيزها وحفر تربتها فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) قد ووريت ولحقت بأبيها (صلى الله عليهما) فقالوا: انا لله وانا إليه راجعون تموت بنت محمد، ولم يخلف ولدا غيرها ولا يصلي عليها، ان هذا الشئ عظيم. فقال (عليه السلام): حسبكم ما جئتم به على الله ورسوله من أهل بيته ولم اكن والله اعصيها في وصيتها التي وصت بها أن لا يصلي عليها احد منكم وما بعد العهد غدر. فنفض القوم اثوابهم وقالوا: لا بد من الصلاة على بنت نبينا ومضوا من فورهم إلى البقيع فوجدوا فيه اربعين قبر جددا، فاستشكل عليهم قبرها بين تلك القبور فضج الناس، ولام بعضهم بعضا، وقالوا: لم تحضروا وفاة بنت نبيكم ولا الصلاة عليها ولا تعرفون قبرها فتزورونها. فقال أبو بكر: أتوا نساء المسلمين من ينشر هذه القبور حتى تجدوا


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 180 ]

فاطمة (عليها السلام) فتصلوا عليها ويزار قبرها، فبلغ ذلك أمير المؤمنين (عليه السلام) فخرج من داره مغضبا وقد احمرت عيناه ودارت أوداجه وعلى يده قباه الاصفر الذي لم يكن يلبسه الا في كريهة، يتوكأ على سيفه ذي الفقار، حتى ورد على البقيع فسبق الى الناس النذير فقال لهم: هذا علي قد أقبل كما ترون يقسم بالله لئن بحث من هذه القبور حجر واحد لأضعن سيفي على غابر الأمة، فولى القوم ولم يحدثوا احداثا. والذي ولدت فاطمة (عليها السلام) من أمير المؤمنين (عليه السلام): الحسن والحسين ومحسنا سقطا وزينب وام كلثوم وكان اسمها آمنة، وولدت الحسن والحسين من فخذها الأيمن وام كلثوم وزينب من فخذها الأيسر. ومثله ما روي عن وهب بن منبه ان مريم ولدت عيسى (صلوات الله عليه) من فخذها الأيمن وان النفخة كانت من جيبها والكلمة على قلبها وتفسير جابر عن الباقر (عليه السلام) أن في قول الله عز وجل كفاية قوله: (فنفخنا فيه من روحنا) وانها كانت النفخة من جيبها والكلمة على قلبها وصح ان النفخة في آدم (عليه السلام) لم تكن في فرجه وانما كانت في فيه.


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 181 ]

الباب الرابع باب الامام الحسن المجتبى (عليه السلام)


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 183 ]

مضى الحسن بن علي (عليهما السلام) وله سبع واربعون سنة، اقام مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالمدينة سبع سنين من سني الهجرة، واقام مع أمير المؤمنين (عليه السلام) عشر سنين وكان اسمه الحسن، وسماه الله في التوراة: شبر. وكناه عند العامة أبو محمد، وعند الخاصة أبو القاسم، لأنه كني بأخيه المستشهد بكربلا. الزكي، والسبط الأول، وسيد شباب اهل الجنة، والأمين، والحجة والتقي. وأمه الطاهرة فاطمة ابنة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثم اولاده عبد الله والقاسم وزيد وعمر وعبيد الله وعبد الرحمن واحمد واسماعيل وعقيل والحسين وبشر. ومن البنات ام الحسن فقط. ومشهده البقيع بالمدينة.


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 184 ]

وتوفي بالسم في تمام سنة خمسين من سني الهجرة وكان سبب سمه على يد زوجته جعدة بنت محمد بن الاشعث بن قيس الكندي لأنه بذل لها معاوية على ذلك عشرة آلاف درهم واقطاع عشر ضياع سورا وهي من سواد الكوفة. ولما حضرت الحسن الوفاة قال لأخيه الحسن (عليهما السلام) ان جعدة لعنها الله ولعن اباها وجدها فإن جدها خالف أمير المؤمنين (عليه السلام) وقعد عنه بالكوفة بعد الرجوع من صفين معاندا منحرفا مخالفا طاعته بعد ان خلعه بالكوفة من الامارة وبايع الضب دونه وكان لعنه الله لا يشهد له جمعة ولا جماعة ولا يشيع جنازة لاحد من الشيعة ولا يصلي عليهم منذ سمع أمير المؤمنين (عليه السلام) على منبره يقول ويح لفراخ افراخ آل محمد وريحانتي وقرة عيني ابني الحسن من ابنتك التي من صلبك يا أشعث وهو ملع متمرد وجبار يملك من بعد ابيه فقام إليه أبو بحر الاحنف بن قيس التميمي فقال له يا أمير المؤمنين ما اسمه قال يزيد بن معاوية ويؤمر على قتل ابني الحسين (عليه السلام) عبيد الله بن زياد لعنه الله على الجيش السائر الى ابني بالكوفة فتكون وقعتهم بكربلاء غربي الفرات كأني انظر إلى مناخ ركابهم ورحالهم وإحاطة جيوش أهل الكوفة بهم واغماد سيوفهم ورماحهم وسقيهم في جسومهم ودمائهم ولحومهم وسبي اولادي وذراري رسول الله (صلى الله عليه وآله) حملهم ناشرين الاقتاب وقتل الشيوخ والكهول والاطفال فقام الأشعث بن قيس على قدميه وقال ما ادعى رسول الله ما تدعيه من العلم من أين لك هذا فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام) ويلك يا من عنق النار لابنك محمد ابنك من قوادهم اي والله وشمر بن ذي جوشن وشبث بن ربعي والزبيدي وعمرو بن حريث فاسرع الاشعث وقطع الكلام وقال يا ابن ابي طالب افهمني ما تقول حتى اجيبك عنه فقال له ويلك يا اشعث اما سمعت فقال يا ابن ابي طالب ما سوى كلامك يمر وولى فقام الناس على اقدامهم ومدوا اعينهم إلى أمير المؤمنين


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 185 ]

ليأذن لهم في قتله فقال لهم مهلا يرحمكم الله إني اقدر على هلاكه منكم ولا بد ان تحق كلمة العذاب على الكافرين ومضى الأشعث لعنه الله عليه بنيان خطة وهي المعروفة بالاشعثية وبنى في داره مئذنة عالية فكان إذا ارتفعت (اصوات) مؤذني أمير المؤمنين (عليه السلام) في جامع الكوفة صعد الأشعث الى مئذنته فنادى نحو المسجد يريد أمير المؤمنين انا كذا وكذا انك ساحر كذاب واجتاز أمير المؤمنين في جماعة من اصحابه في خطة الأشعث ابن قيس لعنه الله وهو على ذروة بنيانه فلما نظر أمير المؤمنين (عليه السلام) اعرض بوجهه فقال له ويلك يا اشعث حسبك ما وعد الله لك من عنق النار فقال اصحابه يا أمير المؤمنين وما معنى عنق النار، فقال: ان الأشعث لعنه الله إذا حضرته الوفاة دخل عليه عنق ممدودة حتى تصل إليه وعشيرته ينظرون فتبلعه فإذا خرجت به عنق النار لم يجدوه في مضجعه فيأخذون عليهم اثوابهم ويكتمون امرهم ويقولون لا تقروا بما رأيتم فيشمت بكم أصحاب أمير المؤمنين فقال له اصحابه يا أمير المؤمنين ما يصنع به عنق النار فقال أمير المؤمنين عجلت عليه النار يكون فيها جثيا معذبا إلى ان نورده النار بعد ذلك في الآخرة فقالوا يا امير المؤمنين فكيف عجلت له النار في الدنيا فقال (عليه السلام) لأنه كان يخالف الله ويخاف النار فيعذبه الله بالنار وبالذي كان يخاف منه فقالوا يا أمير المؤمنين وأين يكون عنق هذه النار قال في هذه الدنيا والاشعث فيها على كل يوم حتى تقذفه بين يديه فيراه بصورته ويدعوه الأشعث ويستجير ويقول ايها العبد الصالح ادع ربك لي يخرجني من هذه النار التي جعلها الله عذابي في الدنيا والآخرة أي والله لبغضي في علي ابن ابي طالب وفي محمد (عليهما السلام) فيقول له المؤمن لا اخرجك الله منها في الدنيا ولا في الآخرة وأي والله ويقذفه عند عشيرته وأهله ممن شك ان عنق النار أخذته حتى يناجيهم ويناجونه ويقول لهم: إذا سألوه بما صرت معذبا في هذه الدنيا، فيقول لهم: شكي في محمد وبغضي لعلي (عليهما السلام) وكراهتي لبيعته وخلافي عليه وخلافي لبيعته


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 186 ]

ومبايعتي ضبا دونه فيلعنونه ويتبرؤون منه ويقولون ما نحب ان نصير إلى ما صرت إليه، قال الحسن (عليه السلام): إذا أنا مت يا أخي فغسلني وحنطني وكفني وصل علي واحملني الى جدي رسول الله (صلى الله عليه واله) حتى تلحدني إلى جنبه فإن منعت من ذلك فبحق جدك رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلي أبيك وأمك فاطمة الزهراء (عليهما السلام) وبحقي يا اخي ان لا خاصمت احدا ولا قاتلته فحسبك بما قال لك في قتال جيش يزيد بكربلا في غربي الفرات وارادوا تعنفي فارجع من فورك الى بقيع الغرقد فادفني فيه، واعلم انك إذا حملتني إلى قبر جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يدع مروان طريد جدك لكفره ويركب بغلته ويصير إلى عائشة مسرعا فيقول لها يا أم المؤمنين تتركين الحسين يدفن اخاه مع جده رسول الله فتقول له يا مروان ما اصنع فيقول والله يا عائشة لئن دفن الحسن مع جده محمد ليذهبن فخر ابيك وفخر عمر الى يوم القيامة فتقول له وانى لي بهم وقد سبقوني فيقول هذه بغلتي فاركبيها والحقي بالقوم فامنعيهم من الدخول إليه ولو جزت ناصيتك وينزل عن بلغته وتركب عائشة وتسرع إليهم فتلحق بنعشي وقد وصل إلى حرم جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) فترمي نفسها بينكم وبين القبر وتقول لا يدفن الحسن ها هنا أو تجز ناصيتي هذه وتأخذ ناصيتها بيدها فإذا فعلت ذلك فارددني الى البقيع وادفني إلى جانب قبر إبراهيم ابن جدك رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلما توفي الحسن (صلوات الله عليه) اخذ الحسين (عليه السلام) في جهازه وحمله وصلى عليه وصار به الى قبر جده (عليه السلام) ووافى مروان لعنه الله مسرعا على بغلته الى عائشة لعنها الله وقال كما حكاه الحسن للحسين (عليهما السلام) وقالت له مثله ونزل مروان عن بغلته وركبتها عائشة ولحقت القوم وقد وصلوا الى حرم النبي (عليه السلام) فرمت بنفسها عن البغلة واخذت بناصيتها ووقفت بينهم وبين القبر وقالت والله لا يدفن الحسن مع جده أو تجر ناصيتي هذه فأراد بنو هاشم الكلام فقال الحسين (عليه السلام) الله الله لا تضيعوا وصية اخي واعدلوا به الى


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 187 ]

البقيع فانه اقسم علي ان منعت من دفنه مع جده رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا اخاصم احدا وان ادفنه في البقيع فعدلوا به إليه فدفنوه فيه فقال عبد الله بن العباس: كم لنا منكم يا حميراء يوم على جمل ويوم على زرافة فقالت يا ابن العباس ليس قتالي لعلي بعجيب وقد رويتم ان صفراء ابنة شعيب زوجة موسى بن عمران (عليه السلام) قاتلت بعده وصية يوشع بن نون على زارفة فقال لها ابن العباس هي والله صفراء وأنت حميراء الا انها بنت شعيب وأنت بنت عتيق إبن عبد العزى قالت إن لنا عندك يا إبن العباس ثارا بثأر والمعاد لا تقول به فقال لها ابن عباس والله انت ومن انت منه وحزبكم الضالون فكان هذا من دلائله (عليه السلام). قال الحسين بن حمدان الخصيبي حدثني جعفر بن محمد القصير البصري عن محمد بن عبد الله بن مهران الكرخي عن محمد بن صدقة العنبري عن محمد بن سنان عن المفضل بن عمر عن أبي عبد الله (عليه السلام) ان اعرابيا خرج من قومه حاجا محرما فورد على ادحي نعام فيه بيض فاخذه واشتواه واكل منه وذكره ان الصيد حرام فورد المدينة فقال اين الخليفة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقد جنيت عظيما فأرسل إلى أبي بكر فورد عليه وعنده ملأ من قريش فيهم عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وابو عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد والمغيرة بن شعبة فسلم الأعرابي ثم قال: يا خليفة رسول الله افتني، فقال له أبو بكر: قل يا أعرابي، فقال: إني خرجت من قومي حاجا محرما فأتيت على أدحي فيه بيض نعام فأخذته واشتويته فأذن لي من الحج ما علي فيه جلال وما علي فيه حرام من الصيد فاقبل أبو بكر على من حوله وقال: انتم حواري رسول الله فقال الزبير من دون الناس انت خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وانت احق بإجابته فقال له أبو بكر: يا زبير علي بن أبي طالب في صدرك قال وكيف وأمي صفية ابنة عبد المطلب عمة رسول الله، فقال الأعرابي ما في القوم الا من يجهد وقال له الاعرابي: ما اصنع قال له الزبير لم يبق في المدينة من نسأله


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 188 ]

بعد من حضر هذا المجلس الا صاحب الحق الذي هو اولى بهذا المجلس منهم، قال الأعرابي فترشدني إليه، قال الزبير: إن أخباري يسومونه قوم ويحط آخرون قال الأعرابي قد ذهب الحق وصرتم تكرهون، قال عمر: الى كم تطيل الخطاب يا ابن العوام قوموا بنا والاعرابي الى علي فلا نسمع جواب هذه المسألة الا منه فقاموا باجمعهم والاعرابي معهم حتى صاروا إلى أمير المؤمنين فاستخرجوه من بيته وقالوا للأعرابي اقصص قصتك على أبي الحسن علي قال الأعرابي فلم ارشدتموني الى غير خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالوا: ويحك يا أعرابي خليفة رسول الله أبو بكر وهذا وصيه في أهل بيته وخليفته وقاضي دينه ومنجز عداته ووارث علمه قال الأعرابي: ويحكم يا أصحاب محمد والذي اشرتم إليه بالخلافة ما فيه من هذه الخصال خصلة واحدة، قالوا: ويحك يا أعرابي اسأل عن مسألتك ودع عنك ما ليس من شأنك، قال الأعرابي يا أبا الحسن، يا خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله) إني خرجت من قومي حاجا محرما، قال له أمير المؤمنين: تريد الحج، فوردت على أدحي فيه بيض نعام فاخذته واشتويته وأكلته، فقال الأعرابي: من سبقني بالخبر إليك، فقال أمير المؤمنين عمن تحدث به في المجلس مجلس أبي بكر خليفة رسول الله فكيف لا يسبق الخبر إليه قال له أمير المؤمنين فافته يا ابا حفص قال له أبو حفص لو حضرت وعلمت الفتوى ما حملنا إليك فقال أمير المؤمنين اجل يا اعرابي عليك بالصبي الذي بين يدي معلمه ومؤدبه صاحب الرواية فانه ابني الحسن فاسأله فانه يفتيك قال الأعرابي إنا لله وإنا إليه راجعون مات دين محمد (صلى الله عليه وآله) بعد موته فحمد وتنازع اصحاب محمد وازبد قال امير المؤمنين حاش لله يا اعرابي لم يمت ابدا قال الأعرابي أفمن الحق ان أسأل خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحوارييه واصحابه ولا يفتوني ويحيلوني عليك وتحيلني وتأمرني أن أسأل الصبي الذي بين يدي معلمه لا يفصل بين الخير والشر فقال: أمير المؤمنين (عليه السلام) يا اعرابي لا تقل ما ليس لك به


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 189 ]

علم واسأل الصبي فانه يفتيك فقام الاعرابي إلى الحسن (عليه السلام) وقلمه في يده يخط في الصحيفة ومؤدبه يقول احسنت احسن الله إليك يا حسن قال الأعرابي يا مؤدب يحسن للصبي من احسانه وما اسمعك تقول له شيئا حتى كأنه بمؤدبك قال فضحك القوم من الأعرابي وصاحوا به ويحك يا اعرابي اوجز قال الأعرابي قد نبأتك يا حسن اني خرجت من قومي حاجا محرما فوردت على أدحي فيه بيض نعام فاشتويته واكلته عامك هذا ناسيا قال الحسن زدت في القول يا اعرابي قولك عامدا لم يكن هذا عبثا قال الأعرابي ما كنت ناسيا فقال له الحسن - وهو يخط في صحيفته - يا اعرابي خذ بعدد البيض نوقا فاحمل (اي فاعل) عليها فيقا يعني ذكر النوق، فإذا انتجت من قابل فاجعلها هديا بالغ الكعبة كفارة لفعلك، قال الأعرابي: فديتك يا حسن ان من الإبل لما يزلقن. قال الحسن (عليه السلام) يا اعرابي وان في البيض لما يمرقن قال الأعرابي انت صبي محق وفي علم الله معروف ولو جاز ان يكون ما اقول لقلت انك خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال الحسن (عليه السلام) ما ترى قوما اختاروه فإذا ابغضوه عزلوه فكبر القوم وعجبوا لما سمعوا من الحسن فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) الحمد لله الذي جعل في ابني هذا كما جعله في داود وسليمان فكان هذا من دلائله (عليه السلام). وعنه عن محمد بن علي عن علي بن محمد عن الحسين بن علي عن بن فرقد عن علي بن الحسن العنبدي عن ابي هارون المكفوف عن الحارث الأعور الهمداني قال: لما مضى أمير المؤمنين (عليه السلام) جاء الناس الحسن بن علي (عليهما السلام) فقالوا: يا ابن رسول الله نحن السامعون المطيعون لك أمرنا بأمرك قال: كذبتم والله ما وفيتم لمن كان خيرا مني يعني أمير المؤمنين (عليه السلام) فكيف توفون لي وكيف اطمئن إليكم


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 190 ]

وأثق بكم ان كنتم صادقين، فهو غدا ما بيني وبينكم أعسكر بالمدائن فوافوني هناك. فركب معه من اراد الخروج وتخلف عنه خلق كثير لم يوفوا له بما قالوا وغروه كما غروا اباه أمير المؤمنين (عليه السلام) قبله. فقام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وذكر جده فصلى عليه وقال: يا ايها الناس قد غررتموني كما غررتم أبي أمير المؤمنين قبلي فلا جزاكم الله عن رسوله خيرا مع أبي أما انه تقاتلون بعدي مع الظالم الكافر اللعين ابن اللعين عبيد الله بن زياد الذي لا يؤمن بالله ولا برسول الله ولا باليوم الآخر ولا اظهر الإسلام هو ولا أبيه قاطبة الا خوفا من السيف ولو لم يبق من بني امية الا عجوز درداء لابتغت لدين الله عوجا هكذا قال رسول الله (صلى الله عليه وآله). ثم وجه قائدا في أربعة آلاف رجل وكان من كندة أمره أن يعسكر بالأنبار ونزل بها، وعلم بذلك معاوية بعث إليه رسول وكتب إليه معاوية إنك ان اقبلت إلي وليتك بعض كور الشام والجزيرة غير ما افيضه من الانعام عليك، وحمل إليه خمسمائة الف درهم وقبضها الكندي لعنه الله من الرسول وانقلب عن الحسن ومضى إلى معاوية لعنه الله. فقام الحسن (عليه السلام) خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال يا أيها الناس إن صاحبي بعث إليه معاوية خمسمائة ألف درهم ووعده ومناه وولاه بعض كور الشام والجزيرة وقد توجه إليه وغدر بي وبكم وقد أخبرتكم مرة بعد مرة إنه لا وفاء لكم ولا خير عندكم أنتم عبيد الدنيا، وإني موجه مكانه رجلا إن هو علم به سيفعل بي وبكم ما فعل صاحبه ولا يراقب في ولا فيكم فبعث رجلا من مراد في أربعة آلاف رجل وتقدم إليه فحلف بالإيمان لا تقوم لها الجبال بأنه لا يفعل كما فعل صاحبه، وحلف الحسن (عليه السلام) مثلها إنه يفعل ويغدر به، فلما توجه وصار إلى


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 191 ]

الأنبار ونزل بها وعلم ذلك معاوية بعث إليه رسولا وكتب إليه كما كتب إلى صاحبه وبعث إليه خمسمائة ألف درهم ومناه أن يوليه خيرا من كور الشام والجزيرة فنكث على الحسن ما فعل وأخذ طريقه إلى معاوية ولم يراقب ولم يخف ما أخذ عليه من العهد والميثاق. وبلغ الحسن فعل المرادي لعنه الله فقام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وقال: يا أيها الناس قد أخبرتكم مرة بعد مرة إنكم لا توفون بعهد الله وإنكم قد أغررتم هذا صاحبكم المرادي وقد غدر بي وصار إلى معاوية وكتب معاوية إلى الحسن (عليه السلام) يا أبن العم: الله الله فيما بيني وبينكم ان تقطع الرحم وأن قد غدروا بيني وبينكم وبالله استعين. فقرأ عليهم الحسن كتاب معاوية فقالوا: يا ابن بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) إن كان الرجلان غدرا بك وغراك من انفسهما فإنا لك ناصحون متبعون غير غادرين، فقال الحسن (عليه السلام) والله لأعذرن هذه المرة فيما بيني وبينكم ان يعسكر بالنخيلة فوافوني هناك إن شاء الله تعالى فوالله لا توفون ما بيني وبينكم. ثم ان الحسن (عليه السلام) اخذه طريقه الى النخيلة عشرة ايام فوافاه عشر آلاف راجل فانصرف الى الكوفة فدخلها وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: واعجباه من قوم لا حياء لهم ولا دين يغدرون مرة بعد مرة، وأيم الله لو وجدت على ابن هند اعوانا ما وضعت يدي في يده ولا سلمت إليه بالخلافة وإنها محرمة عليهم، فإذا انتم لا يأمن غدركم وافعالكم فإني واضع يدي في يده أيم الله لا ترون فرجا ابدا مع بني أمية واني لأعلم أني عنده أحسن حالا منكم وتالله ليسؤمنكم بنو أمية سوء العذاب ويشنون عليكم جيشا عظيما من معاوية فأف لكم وترحا يا عبيد الدنيا وابناء الطمع. ثم كتب الى معاوية إني تاركها من يومي هذا وغير طالب لها وتالله لو وجدت عليكم اعوانا ناصرين عارفين بحقي غير منكرين ما سلمت إليك


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 192 ]

هذا الأمر ولا أعطيتك هذا الأمر الذي أنت طالبه أبدا ولكن الله عز وجل قد علم وعلمت يا معاوية وسائر المسلمين إن هذا الأمر لي دونك ولقد سمعت من رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن الخلافة لي ولأخي الحسين وأنها لمحرمة عليك وعلى قومك وسماعك وسماع المسلمين، والصادق والأمين والمؤدي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله). وانصرف الى الكوفة فاقام بها عاتبا على أهلها مواريا عليهم حتى دخل عليه حجر بن عدي الطائي، فقال له يا أمير المؤمنين كيف يسعك ترك معاوية ؟ فغضب الحسن (عليه السلام) غضبا شديدا، حتى احمرت عيناه ودارت اوداجه وسكبت دموعه وقال: ويحك يا حجر تسميني بأمرة المؤمنين وما جعلها الله لي ولا لأخي الحسين ولا لأحد ممن مضى ولا لأحد ممن يأتي إلا لأمير المؤمنين خاصة ؟ أو ما سمعت جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قد قال لأبي يا علي ان الله سماك بأمير المؤمنين ولم يشرك معك في هذا الاسم احدا فما تسمى به غيره الا وهو مأفون في عقله، مأبون في عقبه، فانصرف عنه وهو يستغفر الله فمكث أياما ثم عاد إليه، فقال له السلام عليك يا مذل المؤمنين فضحك في وجهه وقال والله يا حجر هذه الكلمة لأسهل علي واسر الى قلبي من كلمتك الأولى فما شأنك ؟ أتريد أن تقول ان خيل معاوية قد اشرفت على الأنبار وسوادها وأتى في مائة ألف رجل في هذين المصرين يريد البصرة والكوفة، فقال حجر يا مولاي ما أردت أن أقول الا ما ذكرته، فقال: والله يا حجر لو أني في ألف رجل لا والله الا مائتي رجل لا والله إلا في سبع نفر لما وسعني تركه، ولقد علمتم أن أمير المؤمنين دخل عليه ثقاته حين بايع أبا بكر فقالوا له مثلما قلتم لي فقال لهم مثلما قلت لكم فقام سلمان والمقداد وابو الذر وعمار وحذيفة بن اليمان وخزيمة بن ثابت وابو الهيثم مالك بن التيهان فقالوا: نحن لك شيعة ومن قال بنا شيعة لك مصدقون الله في طاعتك فقال لهم حسبي بكم قالوا وما تأمرنا قال إذا كان غدا فاحلقوا رؤوسكم واشهروا سيوفكم وضعوها


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 193 ]

على عواتقكم وبكروا إلي فإني أقوم بأمر الله ولا يسعني القعود عنه فلما كان من الغد بكر إليه سلمان والمقداد وأبو ذر وقد حلقوا رؤوسهم وأشهروا سيوفهم وجعلوها على عواتقهم ومعهم عمار بن ياسر وقد حلق نصف رأسه وشهر نصف سيفه، فلما قعدوا بين يديه (عليه السلام) نظر إليهم، وقال لعمار يا أبا اليقظان من يشتري نفسه على نصر دينه يبقى ولا يخاف، قال: يا أمير المؤمنين خشيت وثوبهم علي وسفك دمي فقال اغمدوا سيوفكم فوالله لو تم عددكم سبعة رجال لما وسعني القعود عنكم وتالله يا حجر إني لعلى ما كان عليه أبي أمير المؤمنين لو اطعتموني، فخرج حجر واجتمع إليه وجوه قبائل الكوفة فقالوا انا قد أمتحنا أهل مصرنا فوجدناهم سامعين مطيعين وهم زهاء ثلاثين ألف رجل فقم بنا الى سيدنا ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى نبايعه بيعة مجددة ونخرج بين يديه ولا ندع ابن هند يعبر علينا وقوائم سيوفنا في أيدينا فجاؤا إلى الحسن (عليه السلام) فخاطبوه بما يطول شرحه فقال لهم والله ما تريدون إلا انقطاع الجبل بي حتى تريحوا معاوية مني ولئن خرجت معكم بالله حتى ابرز عن هذا المصر ليرغبنكم معاوية وليدبر على رجل منكم يرغبه في قتلي بالمال الكثير ويسأله اغتيالي بطعنة أو ضربة فيضربني ضربة يجرحني بها ولا يصل الي قالوا بأجمعهم تالله يا أبن رسول الله لا تقل هذا فنقتل انفسنا وقد قلدناك دمنا فقال أبرزوا إلى المدائن حتى تنظروا فبرزوا وساروا حتى وردوا المدائن فعسكر بها في ليلة مقمرة وقد كان معاوية كاتب يزيد بن سنان البجلي ابن أخي جرير بن عبد الله البجلي لعنه الله وبذل له مالا على اغتيال الحسن وقتله فأخذ له سيفا وأحتمل تحت اثوابه وتوجه نحو الحسن (عليه السلام) فخاف على نفسه فرجع فرمى السيف وأخذ الرمح معه فضاق به صدره فرده خوفا وأخذ حربة مرهفة وأقبل بتوكأ عليها حتى انتهى الى الفسطاط المضروب للحسن بن علي (عليهما السلام) فوقف غير بعيد ونظر إليه ساجدا وراكعا والناس نيام فرمى بالحربة فاثبتها فيه وولى هاربا فتمم صلاته والحربة تهتز في بدنه ثم انتقل من صلاته ونبه من حوله وصاحوا


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 194 ]

الناس فجاؤا حتى نظروا إلى الحربة تهتز في بدنه فقال لهم هل أنا يا أهل الكوفة اخبرتكم ما تفعلونه وكذبتموني وأخذ الحربة وصاح بالرحيل وانكفأ من المدائن جريحا وكان له بالكوفة خطبا وخطابا كثيرا يسب فيه أهل الكوفة ويلعنهم وقال لهم أن يزيد بن سنان ابن اخي جرير بن عبد الله البجلي رماني بحربة فاطلبوه فخرج من الكوفة وسلم ولحق بمعاوية ورحل الحسن (عليه السلام) من الكوفة وسلم الأمر الى معاوية وقلدها معاوية الى زياد لعنه الله فكان هذا من دلائله (عليه السلام). وعنه عن أبي الحسن عن أبي قرنة عن جعفر بن يزيد الخزاز عن محمد بن علي الطوسي الرسي عن علي بن محمد عن الحسن بن عبد الله عن صندل عن أبي أسامة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: خرج الحسن ابن علي (عليهما السلام) الى مكة سنة من السنين ماشيا من المدينة، فتورمت قدماه فقال له بعض مواليه: لو ركبت سكن عنك هذا الورم الذي برجليك، قال كلا إذا اتيت المنزل سيلقاك اسود معه دهن لهذا الورم فاشتره ولا تماسكة فقال مولاه بابي أنت وأمي أتيت منزلا ليس فيه أحد يبيع هذا الدواء قال بلى انه امامك دون المنزل فسار مليا فإذا الاسود قد قابله قال الحسن لمولاه دونك الرجل فخذ منه الدهن واعطه الثمن فقال الأسود ويحك يا غلام لمن اردت هذا الدهن ؟ فقال: للحسن بن علي (عليهما السلام) فقال انطلق بي إليه فأخذ بيده حتى ادخله عليه فقال: بأبي أنت وأمي لم أعلم انك محتاج الى الدهن فلست آخذ له ثمنا انا مولاك ولكن ادع الله لي ان يرزقني ذكرا سويا يحبكم أهل البيت، فقد خلفت أهلي بمحضر، قال انطلق الى منزلك فان الله قد وهب لك ذكرا سويا وهو لنا شيعة فرجع الأسود فإذا أهله قد وضعت غلاما سويا، فرجع الحسن (عليه السلام) فاخبره بذلك فدعا الله له وقال له خير ومسح رجله بذلك الدهن وخرج من مجلسه وقد سكن ما به ومشى على قدميه فكان هذا من دلائله (عليه السلام).


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 195 ]

وعنه عن علي بن بشر عن أحمد بن هارون الوراق عن محمد بن علي عن جابر بن يزيد الجعفي عن أبي عبد الله جعفر الصادق (عليه السلام) قال: جاء الناس الى الحسن بن علي (عليهما السلام) قالوا أرنا ما عندك من عجائب أبيك التي كان يرينا إياها قال: تؤمنون بذلك ؟ قالوا: نعم نؤمن بالله تعالى، فقال: أليس تعرفون أبي، قالوا: بلى كلنا نعرفه، فرفع لهم جانب ستر فإذا بأمير المؤمنين جالس، قال: تعرفونه ؟ قالوا بأجمعهم: هذا والله أمير المؤمنين، ونشهد أنك الإمام بعده ولقد أريتنا أمير المؤمنين بعد موته، قال لهم الحسن: ويلكم أما سمعتم قوله عز وجل: (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله امواتا بل احياء عند ربهم يرزقون) إلى آخر الآية فإذا كان هذا فيمن قتل في سبيل الله فماذا تقولون فينا ؟ قالوا: آمنا وصدقنا فكان هذا من دلائله (عليه السلام). وعنه عن جعفر بن محمد بن مالك عن زياد بن جعفر الوشا عن محمد بن خالد عن الحسن بن مسكان عن داود الرقي عن أبي حمزة الثمالي عن عبد الله بن غالب وهو أبو خالد الكابلي عن سيد العابدين علي بن الحسين (صلوات الله عليهما) قال: كتب معاوية الى عمي الحسن كتابا يقول فيه إني قد أعددت لك بزا فدخلت في نفسي وصغرت فيما تستحقه فإن أذنت بقبولها أنفذتها إليك وإن أجبت ان اعرفكها تختار منها ما تراه فقلت وكان بعد وروده المدينة من الكوفة وأقبل للقائه فكتب إليه وصل كتابك بما عندنا علمه والذي أعددته لنا فإن أخذناه أخر عنك وإن تركناه كان عليك أعظم حمل ثقيل الوقر وإن كان المال دون الدماء التي سفكت والفتن التي ظهرت وأما عرضك علي ما أعددته لأختار منه ما أشاء فوالله انني بفضل الله احيط به علما ومن ذلك انك غلطت ونسيت فرددت خاتما جعلته في السفط الجزع من الجوهر الذي يكون عدده اثنتان واربعون حبة قد أستأثرت بالخاتم لنفسك وأعجبك فبخلت ببعثه إلينا وجعلته في سبابتك اليمنى وقلت في نفسك ماذا يقول أهل الشام إذا رأوا خاتمي في يده قد


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 196 ]

هوى عليا بعد موته وتشاغلت بما اعددت لنا من البز والحرم، ودق مصر، ونسيج عدن، ومسك تيبت، وكافور قصورة، وعنبر الهند، ولو شئت لفصلت لك كلما اعددته وزنا وعددا وكيف تعرض علينا ان نختار ما نحن اعلم به منك ولو كنت تأدبت بآداب الله وأهديت ولم تشاور للزمنا قبول هديتك فدع الآن الى أن تنظر وننظر والسلام. فلما ورد الكتاب الى معاوية وفضه وقرأه وهم ان يخفيه ثم اظهره فقال له اخوه ابن ابي سفيان: يا أمير المؤمنين ان صدق الحسن فيما قال فقد اظهرت عيب نفسك باظهارك ما كتبت به إليك وإن كان كذاب فبين ذلك من كذبه عند من حضرك.. فقال: ويحك يا عتبة قد كان ما كان في النفس ما فيها واتيان الحق اجمل، والكذب لا يليق بذوي الكرم، والله لقد صدق في كل ما ذكره فقال له عتبة أدام الله لك رعبك من بني هاشم فلا تزال تخافهم كلما ذكرت عليا ونهض من مجلسه مغضبا فقال معاوية ان غضبت يا عتبة فعن قليل ترضى وما سخطك ورضاك بنافعي عند الله شيئا فخرج اكثر من في المجلس وهم يقولون لا جزاك الله يا معاوية خيرا فقد ادخلتنا في ضلال وعاقبة خسر، فكان هذا من دلائله (عليه السلام). وعنه عن الحسن بن علي المقري الكوفى عن محمد بن جبلة التمار عن المخول بن إبراهيم عن زيد بن كثير الجمحي عن يونس بن ظبيان عن المفضل بن عمر الجعفي عن المولى الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام) قال: لما قدم الحسن بن علي (عليه السلام) من الكوفة التقاه أهل المدينة معزين بأمير المؤمنين (عليه السلام)، ومهنئين له بالقدوم، ودخلت عليه ازواج رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالت عائشة والله يا ابا محمد ما فقد جدك الا حيث فقد ابوك ولقد قلت يوم قام عندنا ناعيه قولا صدقت فيه ما كذبت. قال لها الحسن (عليه السلام) عسى هو تمثلك بقول لبيد بن ربيعة


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 197 ]

حيث يقول: وبشرتها فاستعجلت بخمارها * يحق على المستعجلين المباشر واخبرها الركبان ان ليس بينها * وبين قرى نجران والشام كافر فألقت عصاها واستقرت بها النوى * كما قر عينا بالأياب المسافر فقالت له يا ابن خبوت جدك وأبوك في علم الغيب، فمن ذا الذي اخبرك بهذا عني ؟ فقال لها ما هذا غيب لانك اظهرتيه، وسمع منك، وعن نبشك جزرا اخضر في وسط بيتك ليلا، بلا قش فتترين الحديدة في كفك حتى صار جرحا الا فاكشفي عنه، وأريه لمن حولك من النساء، ثم اخراجك الجزر وما فيه وما جمعته من خيانة واخذك منه اربعين دينارا عددا لا تعلمين وزنها وتفريقك له في ضعفة مبغضي أمير المؤمنين من تيم وعدي شكرا لقتل أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقالت: والله يا حسن لقد كان ما قلت ولله ابن هند فلقد شفا وشفا في. فقالت لها ام سلمة زوجة رسول الله (صلى الله عليه وآله): ويحك يا عائشة ما هذا منك بعجب، وإني لأشهد عليك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لي وأنت حاضرة صوام أم أيمن وميمونة: يا ام سلمة كيف تجدين في نفسك ؟ فقلت يا رسول الله ما اجده قربا ولا أبلغه وصفا، قال كيف تجدين عليا في نفسك قلت لا يتقدمك يا رسول الله ولا بتأخر عنك وانتما في نفسي سوآء فقال شكر الله فعلك يا أم سلمة لو لم يكن علي في نفسك مثلي لبرئت منك في الآخرة ولم ينفعك قربك مني في الدنيا فقلت انني يا رسول الله وكذلك ازواجك قال نعم قلت والله ما اجد لعلي في نفسي موضعا قريبا أو بعيدا فقال لك حسبك يا عائشة ثم يا ام سلمة يمضي محمد ويمضي الحسن عليهما ويمضي الحسين مقتولا كما اخبر جدهما فقال لها الحسن: وأخبرك جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله)


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 198 ]

ان تموتين والى ماذا تصيرين فقالت له (نعم) ما اخبرني الا بخير. فقال لها الحسن: تالله لقد اخبرك جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) انك تموتين بالداء والدبيلة فقالت يا حسن متى قال هذا قال اخبرك بعد لومك أمير المؤمنين (عليه السلام) ونشائك حرما تجرين فيه عن بيتك متأمرة على جمل أحمر ممسوخ من مردة الجن يقال له عسكر تسفكين دم خمسة وعشرين الفا من المؤمنين الذين يزعمون أنك امهم قالت له جدك اخبرك بذلك ام هذا من غيبك قال هذا من علم الله وعلم رسوله وعلم أمير المؤمنين (عليه السلام) فاعرضت عنه بوجهها وقالت بنفسها والله لا تصدقن باربعين دينارا ونهضت فقال لها (عليه السلام) والله لو تصدقت باربعين قنطارا ما كان ثوابك الا النار. فهذا من دلائله (عليه السلام).


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 199 ]

الباب الخامس باب الإمام حسين الشهيد (عليه السلام)


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 201 ]

مضى أبو عبد الله الحسين وله سبعة وستون سنة في عام الستين من الهجرة في يوم عاشوراء، وهو يوم السبت من المحرم وكان بينه وبين اخيه الحسن (عليهما السلام) طهور الحمل وكان حمل أبي عبد الله ستة أشهر، ولم يولد لستة اشهر غير الحسين (عليه السلام) وعيسى بن مريم (عليه السلام)، وروي يحيى بن زكريا كذلك صلى الله عليه. وكان مقام الحسين مع جده رسول الله (صلى الله عليه وآله) ست سنين وستة أشهر وعشرة أيام والعشرة أيام هي المدة بين مولد الحسن وحمل الحسين (عليهما السلام). وأقام مع أمير المؤمنين ست سنين، ومع أبي محمد بعد مضي أمير المؤمنين عشر سنين، وأقام بعد مضي الحسن (عليه السلام) عشر سنين وستة أشهر لانه لم يكن بينهما غير الحمل. واسمه الحسين وفي التوراة شبير ولما علم موسى بن عمران (عليه السلام) قبل التوراة ان الله سمى الحسن والحسين سبطي محمد شبر وشبير سمى اخوه هارون ابنيه بهذين الاسمين وكان يكنى ابا عبد الله والخاص أبو علي ولقبه الشهيد والسبط والتام وسيد شباب اهل الجنة والرشيد والطيب


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 202 ]

والوفي والمبارك والتابع والرضي لله والشاري نفسه لله والدال على ذات الله وامه فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليهما ومشهده البقعة المباركة والربوة ذات قرار ومعين بكربلاء غربي الفرات وقتله عبيد الله بن زياد وعمر بن سعد وشمر بن ذي الجوشن بأمر يزيد بن معاوية لعنهم الله واتوه ومعهم اثنان وثلاثون الف فارس واربعة وعشرون الف راجل وعدة اصحاب الحسين (عليه السلام) اثنان وثلاثون فارسا واربعون راجلا وثمانية عشر رهط عبد المطلب والباقون من سائر الناس ووقع شبهه على حنظلة الشبامي وشبام من همدان ولما رأى اخاه العباس بن علي مخلصا في الجهاد بين يديه رحمه الله فالقى شبهه على رشدة بن سنان والذي كان له من الأولاد علي سيد العابدين وهو الأكبر وعلي الأصغر وهو المتصل به وعبد الله وهو الطفل المذبوح بالنشابة ومحمد وجعفر ومن البنات زينب وسكينة وفاطمة. وروي بإسناده عن النبي (صلى الله عليه وآله) ان الله عز وجل هنأه بحمل الحسين وولادته وعزاه بقتله ومصيبته فعرفته فاطمة فكرهت حمله وولادته فأنزل الله تعالى في كتابه العزيز: (حملته امه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا) وهذه الآية انزلت في حق مولانا الحسين خاصة ليس هذا في سائر الناس لأن حمل النساء تسعة اشهر والرضاع حولين كاملين لمن اراد ان يتم الرضاعة وهما أربعة وعشرون شهرا ليكون بذلك ثلاثة وثلاثون شهرا ومن النساء من تلد لسبعة اشهر مع اربعة وعشرين فيكون احد وثلاثون شهرا والمولود لا يعيش ابدا إذا ولد لستة اشهر ورضاعه اربعة وعشرون شهرا فهو ثلاثون شهرا كما قال الله عز وجل فكان هذا من دلائله (عليه السلام). قال الحسين بن حمدان الخصيبي شرف الله مقامه حدثني أبو الحسين محمد بن علي الفارسي عن أبي بصير عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال لما أراد الحسين بن علي (عليه السلام) الخروج الى


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 203 ]

الشام بعثت إليه ام سلمة وهي التي كانت ربته وكان هو احب إليها من كل احد وكانت أرأف الناس عليه وكانت تربة الحسين عندها في قارورة مختومة دفعها إليها رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال لها إذا خرج ابني الى العراق فاجعلي هذه القارورة نصب عينيك فإذا استحالت التربة في القارورة دما عبيطا فاعلمي ان ابني الحسين قد قتل فقالت له اذكرت رسول الله ان تخرج الى العراق قال ولم يا أم سلمة قالت سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول يقتل ابني الحسين بالعراق وعندي يا بني تربتك في قارورة مختومة دفعها إلي النبي (صلى الله عليه وآله) فقال يا أم سلمة إني مقتول لا محالة فأين أفر من القدر والقضاء المحتوم والأمر الواجب من الله سبحانه تعالى قالت واعجباه فأين تذهب وأنت مقتول قال يا أم إني ان لم أذهب اليوم ذهبت غدا وإن لم أذهب غدا ذهبت بعد غد وما من الموت مفر والله يا أم إني لأعرف اليوم الذي أقتل فيه والساعة التي أحمل فيها والحفرة التي أدفن فيها واعرف قاتلي ومحاربي والمجلب علي والسائق والقائد والمحرض ومن هو قاتلي ومن يحرضه ومن يقتل معي من أهلي وشيعتي رجلا رجلا واحصيهم عددا واعرفهم باعيانهم واسمائهم وقبائلهم وعشائرهم كما اعرفك وإن احببت اريتك مصرعي ومكاني فقالت فقد شئت فما زاد علي ان تكلم بإسم الله فخضعت له الأرض حتى أراها مضجعه ومكانه ومكان اصحابه واعطاها من تلك التربة التي كانت عندها ثم خرج الحسين (عليه السلام) وقال لها يا أم إني لمقتول يوم عاشوراء يوم السبت فكانت أم سلمة تعد الايام وتسأل عن يوم عاشوراء فلما كانت تلك الليلة صبحته قتل الحسين (صلى الله عليه وآله) فرأت في منامها أشعث مغبرا باكيا وقال دفنت الحسين وأصحابه الساعة فانتبهت أم سلمة وخرجت صارخة بأعلى صوتها واجتمع إليها أهل المدينة فقالوا لها ما الذي دهاك قالت قتل الحسين بن علي وأصحابه (عليه السلام) قالوا اضغاث احلام فقالت مكانكم فإن عندي تربة الحسين فاخرجت إليهم القارورة فإذا هي


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 204 ]

دم عبيط فحسبوا الأيام فإذا الحسين قتل في ذلك اليوم. وعنه عن الحسين بن محمد بن جمهور عن محمد بن علي عن علي بن الحسن عن علي بن محمد عن عاصم الخياط عن أبي حمزة الثمالي قال: سمعت عليا بن الحسين (عليهما السلام) يقول لما كان اليوم الذي استشهد فيه أبو عبد الله (عليه السلام) جمع اهله وأصحابه في ليلة ذلك اليوم فقال لهم: يا أهلي وشيعتي اتخذوا هذا الليل جملا لكم وانجوا بأنفسكم فليس المطلوب غيري ولو قتلوني ما فكروا فيكم فانجوا بانفسكم رحمكم الله فانتم في حل وسعة من بيعتي وعهد الله الذي عاهدتموني فقالوا اخوته واهله وانصاره بلسان واحد والله يا سيدنا ابا عبد الله لا تركناك أبدا ايش يقول الناس تركوا امامهم وسيدهم وكبيرهم وحده حتى قتل ونبلو بيننا وبين الله عذرا وحاش لله أن يكون ذلك أبدا أو نقتل دونك فقال (عليه السلام) يا قوم فإني غدا أقتل وتقتلون كلكم حتى لا يبقى منكم احد فقالوا الحمد لله الذي اكرمنا بنصرتك وشرفنا بالقتل معك اولا ترضى ان نكون معك في درجتك يا ابن بنت رسول الله فقال لهم خيرا ودعا لهم بخير فأصبح وقتل وقتلوا معه اجمعين فقال له القاسم ابن اخي الحسن يا عم وأنا اقتل فاشفق عليه ثم قال: يا ابن اخي كيف الموت عندك قال: يا عم احلى من العسل قال أي والله فذلك احلى لا أحد يقتل من الرجال معي ان تبلو بلاء عظيما وابني عبد الله إذا خفت عطشا قال يا عم ويصلون الى النساء حتى يقتل عبد الله وهو رضيع فقال فداك عمك يقتل عبد الله إذا خفت عطشا روحي وصرت الى خيامنا فطلبت ما اوليناه فلا اجد فاقول ناولني عبد الله اشرب من فيه اندى لهواني فيعطوني إياه فأحمله على يدي فادنى فاه من في فيرميه فاسق منهم لعنه الله بسهم فيخره وهو يناغي فيفيض دمه في كفي فارفعه الى السماء وأقول اللهم صبرا واحتسابا فيك فتلحقني الاسنة منهم والنار تحرق وتسعر في الخندق الذي في ظهر الخيم فأكر عليهم في آخر اوقات بقائي في دار الدنيا فيكون ما يريد الله فبكى وبكينا وارتفع البكاء


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 205 ]

والصراخ من ذراري رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الخيم ويسألني زهير بن القين وحبيب بن مظاهر عن علي فيقولان يا سيدنا علي الى ما يكون من حاله فأقول مستعبرا لم يكن الله ليقطع نسلي من الدنيا وكيف يصلون إليه وهو أبو ثمانية أئمة وكان كلما قاله صار فكان هذا من دلائله (عليه السلام). وعنه عن أحمد بن عبد الله بن صالح عن محمد بن عبد الرحمن عن محمد بن علي بن الحسين عن صندل عن هارون بن خارجة قال: قال أبو عبد الله الصادق (عليه السلام) قال الحسين بن علي (عليه السلام): لا تخرجوا إلا في يوم سبت أو يوم خميس فانكم إن خالفتموني وخرجتم في غيرهما قطع عليكم الطريق وقتلتم وذهب ما معكم وكان قد أرسلهم إلى ضيعة له فخالفوه وخرجوا في غير اليومين الذي قال لهم واخذوا في طريق الجزيرة فاستقبلهم اللصوص فقتلوا القوم اجمعون واخذوا ما كان معهم فقيل ذلك للحسين (صلوات الله عليه) فقال قد قلت لهم لا تخرجوا إلا في يوم السبت أو في يوم الخميس فخالفوني فدخل من ساعته إلى والي المدينة فقال قد بلغني ما نزل بغلمانك ومواليك فآجرك الله فيهم فقال الحسين (عليه السلام) فاني ادلك على من قتلهم فأشدد يدك عليهم فقال يا أبا عبد الله وتعرفهم قال: نعم كما اعرفك وهذا منهم واشار بيده الى رجل على رأس الوالي قائم قال له: وكيف عرفتني يا ابن بنت رسول الله بأني كنت معهم قال ان صدقتك تصدق قال: نعم والله لافعلن قال الحسين (عليه السلام): نعم، ومعك فلان وفلان يسميهم بأسمائهم كلهم وفيهم أربعة من موالي الوالي والباقي من حبشان المدينة فقال الوالي للغلام: برب القبر والمنبر لتصدقني أو لأنزلن لحمك بالسياط فقال الرجل والله ما كذب الحسين ولو كان ما زاد علما على قوله قليلا ولا كثيرا فجمعهم الوالي جميعا فاقروا بلسان واحد والله اراد بهم ليعلم الناس والوالي من هو أحق بالأمر فقام الوالي وضرب اعناقهم فكان هذا من دلائله (عليه السلام).


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 206 ]

وعنه عن الحسين بن علي بن جمهور عن علي بن الطيب الصابوني قال الحسين بن حمدان لقيت علي بن الطيب الصابوني فحدثني بهذا الحديث عن الحسن بن زيد المدني عن محمد بن علي بن الحسين الزيات عن سيف بن عميرة التمار عن أبي عبد الله الصادق (صلوات الله عليه) قال: جاء رجل من موالي أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) يشاوره في امرأة يتزوجها فقال له (عليه السلام): لا أحب لك أن تتزوجها فإنها أمرأة مشؤومة وكان الرجل محبا له ذو مال كثير فخالف مولانا الحسين (عليه السلام) وتزوجها فلم تلبث معه الا قليلا حتى اتلف الله ماله وركبه دين ومات اخ له كان احب الناس إليه فقال له الحسين (عليه السلام): لقد أشرت عليك ما هو خير لك منها واعظم بركة فخلى الرجل سبيلها فقال عليك بفلانة فتزوجها فما خرجت سنته حتى اخلف الله عليه ماله وحاله وولدت له غلاما ورأى منها ما يحب في تلك السنة فكان هذا من دلائله (عليه السلام) والتحية. وعنه بهذا الإسناد عن أبي عبد الله جعفر الصادق (عليه السلام) قال: لما سار أبو عبد الله الحسين (صلوات الله عليه وآله) من المدينة تكنفه افواج الملائكة المسومين والمردفين في ايديهم الحراب على نجب من نجب الجنة فسلموا عليه وقالوا: يا حجة الله على خلقه بعد جده وأبيه وأخيه ان الله قد أمدك بنا فقال لهم: الموعد حضرتي وبقعتي التي استشهد بها في كربلاء فإذا وردتها فأتوني فقالوا يا حجة الله ان الله أمرنا ان نسمع لك ونطيع فهل تخشى من عدو يلقاك فنكون معك فقال لا سبيل لهم علي ولا يلقوني بكريهة حتى أصل إلى بقعتي وأتاه افراخ من مؤمني الجن فقالوا له: يا مولانا نحن شيعتك وانصارك مرنا بأمرك فإن امرتنا نقتل كل عدو لك وانت مكانك لكفيناك ذلك فجزاهم خيرا وقال لهم: أما قرأتم كتاب الله المنزل على نبيه المرسل قوله تعالى: (قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل الى مضاجعهم) فإذا أقمت مكاني فبماذا يمتحن


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 207 ]

الله هذا الخلق المنكوس وإنما يحشرون إلى النار وأما من يكون حضرتي بكربلاء التي اختارها الله لي دون الأرض وجعلها معقلا لشيعتنا ومحبيهم ويقبل فيها اعمالهم ويشكر الله سعيهم وتكون لهم امانا في الدنيا والآخرة ولا يبقى مطلوب من أهلي ونسبي وذراري واخوتي وأهل بيتي ويسير برأسي الى يزيد بن معاوية لعنه الله ولعن كل ظالم لهم، فقالت له الجن: والله يا حبيب الله وابن حبيبه لولا ان أمرك امر الله وطاعتك ذلك لا يجوز لنا مخالفته لخالفناك وقتلنا جميع اعدائك قبل أن يصلوا إليك فقال لهم (عليه السلام) ونحن بالله عليهم اقدر ولكن ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة فكان هذا من دلائله (عليه السلام). وعنه عن الحسين بن علي الصائغ عن محمد بن شهاب الوشاء عن كثير بن وهب عن الحدا ابن يونس بن ظبيان عن جابر بن يحيى المعبراني عن سعيد بن المسيب قال لما استشهد أبو عبد الله الحسين (عليه السلام) وحج الناس من قابل دخلت على سيدي علي بن الحسين (عليهما السلام) فقلت له يا مولاي قد قرب الحج فماذا تأمرني قال امض على نيتك فحججت فبينما أنا أطوف بالكعبة فإذا نحن برجل مقطوع اليدين ووجهه كقطع الليل المظلم متعلقا بأستار الكعبة وهو يقول اللهم رب هذا البيت الحرام اغفر لي وما أحسبك تغفر لي ولو شفع لي سكان سماواتك وجميع من خلقت لعظم جرمي قال سعيد بن المسيب فشغلنا وشغل جميع الناس من الطواف حتى حف به الناس واجتمعنا عليه وقلنا له يا ويلك لو كنت إبليس لعنه الله لكان ينبغي أن لا ييأس من رحمة الله فمن أنت وما ذنبك فبكى وقال يا قوم انا أعرف بنفسي وذنبي وما جنيت فقلنا له تذكره لنا فقال إني كنت جمالا لأبي عبد الله الحسين بن علي (عليهما السلام) لما مر من المدينة الى العراق وكنت اراه إذا أراد الوضوء للصلاة فإذا يضع سراويله فأرى التكة تغشي الأبصار بحسن اشراقها والوانها وكنت اتمناها إلى أن صرنا بكربلاء فقتل الحسين بن علي (صلوات الله عليه) وأنا معه فدفنت


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 208 ]

نفسي في مكان من الأرض ولم اطلب الا مثالي قال فلما جن علينا الليل خرجت من مكاني فرأيت تلك المعركة بها نورا لا ظلمة ونهارا لا ليلا والقتلى مطروحين على وجه الأرض فذكرت لشقاوتي التكة فقلت والله لأطلبن الحسين فأرجوا أن تكون التكة عليه في سراويله فاخذها ولم أزل انظر في وجوه القتلى حتى وجدته جديلا فإذا التكة فيها فدنوت منه وضربت بيدي الى التكة فإذا هو قد عقدها عقدة قوية فلم أزل احل حتى حللت منها عقدة فمد يده اليمين وقبض على التكة فلم اقدر على اخذ يده عنها ولا اصل إليها فدعتني نفسي الملعونة إلى أن طلبت فوجدت قطعة من سيف مطروحة فأخذتها وانكببت على يده فلم ازل احزها من يده حتى فصلتها عن التكة ثم حللت عقدة اخرى فمد يده اليسرى فقطعتها ثم نحيتها عن التكة ومددت يدي الى التكة لآخذها وإذا بالأرض ترجف والسماء وإذا بجبلة عظيمة وبكاء ونداء يقول وا ابناه وا حسيناه فصعقت ورميت نفسي بين القتلى فإذا ثلاث نفر وأمرأة، وحولهم خلائق وفرق قد امتلأت منهم الأرض والسماء في صور الناس واجنحة الملائكة وإذا بواحد منهم يقول وا ابناه يا حسين فداك جدك وأبوك وامك واخوك وإذا بالحسين قد جلس ورأسه على بدنه وهو يقول لبيك يا جداه يا رسول الله ويا ابتاه يا أمير المؤمنين ويا أماه يا فاطمة ويا اخاه المقتول بالسم قبلي وإذا هم قد جلسوا حوله وفاطمة تقول يا ابي يا رسول الله اتأذن لي حتى آخذ من دم شيبته واخضب ناصيتي والقى الله يوم القيامة قال لها افعلي فرأيتهم يأخذون وفاطمة تمسح ناصيتها والنبي وعلي والحسن (عليهم السلام) يمسحون نحورهم وصدورهم وأيديهم إلى المرافق وسمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول فديتك يا حسين فما كان من قطع يدك اليمنى وثني باليسرى قال يا جداه كان معي جمال صحبني من المدينة وكان ينظر الى سراويلي ووضوء الصلاة فيتمنى ان يكون له فما منعني أن ادفعها إليه الا لعلمي انه صاحب هذا الفعل فلما قتلت خرج يطلبني فوجدني بلا رأس فتفقد سراويلي ورأى التكة وقد كنت عقدتها عقدة صعبة فضرب يده الى


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 209 ]

العقدة منها فحلها فمددت يدي اليمنى فقبضت على التكة فطلب في المعركة فوجد قطعة من سيف فقطع بها يدي اليمنى ثم حل عقدة اخرى فضربت بيدي اليسرى على التكة لئلا يحلها فتنكشف عورتي فأخذ يدي اليسرى فلما ان حل العقدة الاخرى احس بك فرمى بنفسه بين القتلى فقالوا أف لك جمالا سود الله وجهك في الدنيا والآخرة وقطع يديك وجعلك في حزب من سفك دماءنا وحايش على الله في قتلنا فما استتم دعاءه حتى انتثرت يداي وحسست بوجهي انه البس قطعا من النار مسودة فجئت الى هذا البيت استشفع واعلم بانه لا يغفر لي ابدا فلم يبق بمكة احد ممن سمع بحديثه الا تقرب الى الله بلعنه وكل يقول حسبك ما أنت فيه فكان هذا من دلائله وعجائبه وغرائبه وبرهانه (عليه السلام).


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 211 ]

الباب السادس باب الإمام علي السجاد (عليه السلام)


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 213 ]

مضى وله سبع وخمسون سنة مثل اقامة ابيه في العمر في عام خمسة وتسعين من اول سني الهجرة. وكان ولده ليلة الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان سنة ثمان وثلاثين من الهجرة قبل وفاة جده أمير المؤمنين (عليه السلام). وكان مقامه مع جده أمير المؤمنين (عليه السلام) سنتين. وأقام مع أبيه الحسين عشر سنين وبعد وفاة ابيه (عليه السلام) خمسة وثلاثون سنة. وكان اسمه علي. وكنيته أبو الحسين والخاص أبو محمد وروي أنه كني بأبي بكر ولم تصح هذه الكنية. وألقابه سيد العابدين، وزين الصالحين، وذو الثفنات، والزاهد، والخاشع، والباكي، والمجتهد، والرهباني، وإنما لقب بذي الثفنات لأنه كان من طول سجوده وكثرة عبادته تخفى غضون جبهته فتصير ثفنات منتصبة فيقصها إذا طالت لتستقر جبهته على الأرض في سجوده واسم امه


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 214 ]

حلوة وروي حلولا بنت سيد الناس يزدجرد ملك فارس وسماها أمير المؤمنين شازان معناه بالفارسية النساء وكان يقال لعلي بن الحسين (عليه السلام) ابن الخيرتين ويقال امه برابنة والنوسجان ويقال شهر حاجون بنت يزدجرد وهو الصحيح. وأسماء أولاده محمد الباقر (عليه السلام) والحسين وزيد المصلوب بكناسة الكوفة وعبد الله وعبيد الله وعلي وعمر ولم يكن له ابنة غير زوجة محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب وعقبه منها ومشهده بالبقيع في المدينة بجانب قبر عمه الحسن بن علي (عليهما السلام). وكان من دلائله: قال الحسين بن حمدان (رضي الله عنه) حدثني عتاب بن يونس الديلمي عن عسكر مولى أبي جعفر الإمام التاسع (عليه السلام) عن أبيه (عليهما السلام) عن علي بن موسى بن جعفر عن جعفر بن محمد (صلوات الله عليهم اجمعين) قال: دخلت عليه طائفة من شيعة الكوفة فقالوا: يا ابن رسول الله الأنبياء كلهم عابدون لله فكيف سمي جدك علي بن الحسين سيد العابدين فقال الصادق (صلوات الله عليه) ويحكم اما سمعتم قول الله عز وجل: (نرفع درجات من نشاء) وقوله تعالى: (هم درجات عند ربهم) وقوله تعالى: (ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض) فماذا انكرتم ؟ قالوا: أحببنا ان نعلم ما سألنا عنه فقال: ويحكم ان إبليس لعنه الله ناجى ربه فقال إني قد رأيت العابدين لك من عبادك منذ أول العهد الى عهد علي بن الحسين (عليه السلام) فلم أر اعبد لك ولا أخشع منه فأذن لي يا الهي ان اكيده وابتليه لاعلم كيف صبره فنهاه الله عز وجل عن ذلك فلم ينته وتصور لعلي بن الحسين وهو قائم يصلي في صلاته فتصور في صورة افعى لها عشر رؤوس محددة الأنياب متقلبة الاعين


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 215 ]

بحمرة وطلع عليه من الأرض من موضع سجوده ثم تطاول في قبلته فلم يرعه ولم يرعبه ذلك ولم ينكس رأسه إليه فانتفض إبليس لعنه الله إلى الأرض في صورة الأفعى وقبض على عشر انامل رجلي علي بن الحسين (صلوات الله عليه) وأقبل يكدمها بأنيابه وينفخ عليها من نار جوفه وكل ذلك لا يميل طرفه إليه ولا يحول قدميه عن مقامه ولا يختلجه شك ولا وهم في صلاته وقراءته فلم يلبث إبليس لعنه الله حتى انقض عليه شهاب من نار محرق من السماء فلما احس به صرخ وقام الى جانب علي بن الحسين في صورته الأولى ثم قال: يا علي انت سيد العابدين كما سميت وأنا إبليس كما جنيت والله لقد شهدت عبادة النبيين والمرسلين من عهد ابيك آدم إليك فما رأيت مثلك ولا مثل عبادتك ولوددت انك استغفرت لي فان الله كان يغفر لي ثم تركه وولى وهو في صلاته لا يشغله كلامه حتى قضى صلاته على تمامها فكان هذا من دلائله (عليه السلام). وعنه بهذا الاسناد الى أبي عبد الله (عليه السلام) كان قائما يصلي حتى زحف ابنه محمد (عليهما السلام) وهو طفل إلى بئر كانت في داره بالمدينة عميقة فسقط فيه فنظرت إليه امه فصرخت وانقلبت تضرب بنفسها حول البئر وتستغيث وتقول يا ابن رسول الله غرق ابنك محمد في قعر البئر في الماء فلما طال عليها ذلك قالت له جزعا على ابنها ما اقسى قلوبكم يا أهل بيت النبوة فأقبل على صلاته ولم يخرج عنها الى غير كمالها ثم قال لها وقد جلس على البئر ومد يده الى قعرها وكانت لا تصل الا برشاء طويل وأخرج ابنه على يده يناغي ويضحك ولم يتبلل له ثوب ولا جسد فقال هاك يا ضعيفة اليقين بالله فضحكت لسلامة ابنها وبكت لقوله لها يا ضعيفة اليقين فقال لها لا تثريب عليك اما علمت بأني كنت بين يدي جبار ولو ملت بوجهي عنه لمال بوجه عني فمن ترين راحمي بعده فكان هذا من دلائله (عليه السلام). وعنه عن محمد بن علي الصيرفي عن علي بن محمد عن الحسن بن محمد


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 216 ]

عن شعيب بن عمر عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال بينما علي بن الحسين (عليه السلام) جالس مع جماعة من أصحابه إذ دخلت عليه ظبية من الصحراء حتى قامت بين يديه فضربت بيدها على الأرض وثغت فقال بعض القوم: يا ابن رسول الله ما تقول هذه الظبية فقال: تزعم ان فلانا ابن القرشي أخذ خشفها بالامس وإنها لم ترضعه اليوم شيئا فوقع في قلب رجل منهم شك ثم ان علي بن الحسين (عليهما السلام) قال لابن القرشي ما بال هذه الظبية تشكوك قال: وما تقول قال: تزعم انك اخذت خشفها بالامس وانها لم ترضعه اليوم شيئا منذ أخذته وقد سألتني أن أسألك ان تبعث به إليها حتى ترضعه وترده فقال له القرشي: والذي بعث جدك بالحق نبيا واصطفاه بالرسالة نجيا لقد صدقت في قولها فقال سيد العابدين (عليه السلام) ابعث الخشف إليها فلما رأته ثغت وضربت بيدها ثم رضع منها، فقال علي بن الحسين بحقي عليك يا فلان الا ما وهبته لي فوهبه القرشي فأطلق الخشف مع أمه فقال: يا ابن رسول الله ما الذي قالت، قال: دعت الله لكم وجزتكم خيرا فكان هذا من دلائله (عليه السلام). وعنه عن الحسين بن محمد بن يحيى الفارسي عن محمد بن علي عن علي بن الحسين عن سيف بن عميرة عن بكر بن محمد قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول كان علي بن الحسين (صلوات الله عليه) قد عمل سفرة لأصحابه بالكوفة يأكلون منها فبينما هم كذلك إذا أقبل ظبي من الصحراء حتى قام بازائه فثغى وضرب بيده فقال القوم: يا ابن رسول الله ما يقول هذا الظبي قال يشكو انه لم يأكل شيئا منذ ثلاثة أيام فأحب ان تحلفوا له ان لا تؤذوه ولا تصيبونه بسوء ففعلوا فكلمة علي بن الحسين (صلوات الله عليه وآله) مثل كلامه فاقبل الظبي حتى وضع فمه على سفرتهم وأكل قليلا ثم ان رجلا منهم مسح يده على ظهره فذعر وقام يعدو


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 217 ]

فقال زين العابدين (عليه السلام) أليس قد حلفتم ان لا تصيبوه بسوء فحلف الرجل بالله الذي لا اله الا هو ما اراد به غائلة ولا سوءا فكلمه علي بن الحسين (صلوات الله عليه) فرجع فأكل حتى شبع وثغى وضرب بيده وانطلق نحو الصحراء فقالوا: يا ابن رسول الله ما قال: قال دعا لكم وجزاكم خيرا ودعا لكم بالعافية فكان هذا من دلائله (عليه السلام). وعنه عن محمد بن علي عن علي بن الحسين عن أبيه الحسين عن زيد ابن عاصم الخياط عن أبي حمزة الثمالي قال: كنت من املآء علي بن الحسين زين العابدين (صلوات الله عليه) بين مكة والمدينة فقال إذا بلغت جبال صيحان تقف ناقتي لأمر أخبرك به هناك قال أبو حمزة: فلما وصلنا الى جبال صيحان وقفت الناقة، فقال لها: سيري والا قلت ما تعلمين فسارت فقلت جعلت فداك الناقة وقفت فقال يا ابا حمزة جاء معاوية لعنه الله وفي عنقه سلسلة واصحابه معه يسألوني اسقيهم الماء فوقفت الناقة لأنها تهواهم فهتف بي هاتف من عند الله لأسقيهم لا سقاهم الله فهم في هذا الموضع يعذبون بأنواع العذاب الى يوم القيامة قال أبو حمزة فما الذي قالت الناقة وإلا فقلت ما تعلمين قال: قد قلت لها سيري والا عذبت معهم فسارت فكان هذا من دلائله (عليه السلام). وعنه عن محمد بن يحيى الفارسي عن محمد بن علي عن علي بن محمد عن الحسن بن ابي عشار عن أبي حمزة الثمالي قال: كنت من املاء علي بن الحسين (صلوات الله عليه) بين مكة والمدينة فمررنا بشجرة فيها قنابر تصفر فقال: يا ابا حمزة اتدري ما الذي تقول هذه القنابر فقلت والله ما أدري، قال: ولكني أدري، قلت: يا سيدي ما تقول، قال: يقدسن ربهن ويسألنني قوت يوم بيوم فكان هذا من دلائله (عليه السلام). وعنه عن جعفر بن مالك عن محمد بن علي عن علي بن الحسين عن


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 218 ]

معمر بن خديجة عن ابن يزيد الجعفي عن أبي خالد عبد الله بن غالب الكابلي قال: جاء الناس الى سيدنا سيد العابدين (صلوات الله عليه) فقالوا: يا ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) نريد الحج إلى مكة فاخرج أنت معنا نشكر الله قال لهم: نعم، فدعا لهم ووعدهم يوم الخميس فلما نزل بعسفان بين مكة والمدينة وإذا غلمانه قد سبقوه فضربوا لهم فسطاطا في موضع عال من الأرض فلما دنا من ذلك الموضع قال لغلمانه كيف ضربتم وفي هذا الموضع قوم من الجن لنا اولياء وشيعة قد أضررتم بهم وضيقتم عليهم فقالوا ما علمنا يا مولانا هذا يكون ها هنا فإذا هاتف من جانب الفسطاط نسمع كلامه ولا نرى شخصه وهو يقول يا ابن رسول الله لا تحول فسطاطك فإنا نحب هذا ونرى ذلك علينا فرضا وطاعتك طاعة الله وخلافك خلاف على الله وهذه الطاف قد اهدينا لك فنحب ان تأكل منها فنظر صلى الله عليه وإذا طبق عظيم بجانب الفسطاط واطباق اخرى دونه فيها رطب وعنب ورمان وموز ومن سائر الفواكه فدعا (عليه السلام) كل من كان حوله واكلوا واكل من تلك الهدية وقال لهم هذه هدية اخوانكم من الجن المؤمنين ثم رحل فكان هذا من دلائله (عليه السلام). وعنه عن علي بن الطيب الصابوني عن محمد بن علي بن الحسن عن محمد بن ابي العلاء عن أبي الفراء جميعا عن أبي بصير عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال دخل أبو هاشم محمد بن الحنفية على سيد العابدين علي بن الحسين (صلوات الله عليهما) لإظهار أمر كان من شيعته بمكة والمدينة مكتوم ما رحل عند الحسين بن علي (صلوات الله عليه) بالعراق وسيد العابدين ابنه معه وكانت تلك وصية من الحسين (عليهما السلام) الى اخيه محمد بن الحنفية ان يظهر للناس امامته لئلا يرجعوا عن محبتهم أهل البيت الى أن يعود علي بن الحسين (صلوات الله عليهما) من الشام إلى المدينة بعد أن تحمل من العراق إلى الشام فنصب محمد نفسه


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 219 ]

للشيعة وأظهر هم بأنه الإمام وخرج المختار بن عبيد الله الثقفي بما يريده الحسين (عليه السلام) وسأل عن الإمام بعده فقالت له شيعة في المدينة: هو محمد بن الحنفية وكان المختار حيث مات أبوه وهو طفل وتبعل عمه بأمه وكان المختار كيسيا وحده وكان عمه يدعوه بكيسان المكتسبة فلما اتاه بدم الحسين (عليه السلام) أدعى امامة محمد بن الحنفية فعرف اصحابه بالكيسانية ولما صار بالمزار ومعه عبيد الله بن أمير المؤمنين علي وسأله وهو في المعسكر على أيدي وجوه الشيعة الذين كانوا مع المختار إنك كنت تطلب هذا الثأر لترد إلينا حقنا وأنا ابن أمير المؤمنين وأنا أحق منك بهذا الأمر فسلمه الي وإن كنت تطلبه بنفسك فانظر حتى أرحل عنك فقال له المختار سأنظر الى ما ذكرت ولا أؤخره فلما جن عليه الليل وهو في المعسكر احضر القوم الذين كانوا الرسل إليه فقال لهم: قد حل قتل عبيد الله لأن الإمام محمد بن الحنفية وقد طلب عبيد الله الإمامة لنفسه قالوا: بئسما قلت ان في قتله تكون كيزيد بن معاوية وجنده فقال لهم انصرفوا الى اخبيتكم حتى انظر وتنظرون وصار بنفسه في عدة من خاصته الى خيمة عبيد الله وأخذوه من بين غلمانه فقتلوه ودرجوه في بساطه وجهزوه وصلوا عليه ودفنوه بالمزار وتفرق عن المختار طوائف وانكروا قتل عبيد الله فلما قتل الحسين بن علي (عليهما السلام) وحمل علي بن الحسين (صلوات الله عليهما) وذراري رسول الله (صلى الله عليه وآله) الى يزيد بن معاوية وكان علي بن الحسين عليلا نحيفا رده يزيد وأهله إلى المدينة وتسامعت الشيعة برجوع علي بن الحسين في إمامة محمد بن الحنفية ودخلت أحياؤها على علي بن الحسين (صلوات الله عليهما) فاراهم دلائل الامامة وبراهينها فاستجابت الشيعة وسلمت الامر إليه وسرت بصحيح الاخبار عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعن أمير المؤمنين وعن اللوح المنزل على فاطمة (عليها السلام) وأن محمد بن الحنفية ما له شئ بالامامة وما الامير المؤمنين والحسن والحسين والتسعة من ولد الحسين أولهم سيد العابدين فلما فشا ذلك


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 220 ]

في الشيعة ورجعت إلى علي بن الحسين فقامت طائفة على محمد بن الحنفية اراد محمد بن الحنفية يروي الشيعة في دخوله على علي فقال يا علي بن الحسين ألست تعلم أني إمام عليك قال له: يا عم لو علمت منك ذلك لما خالفتك ولا وسعني جحدك وإنك لتعلم أني إمامك وامام جميع المؤمنين والحجة على الخلق أجمعين، وإن طاعتي عليك فرض مفترض، يا عم أما علمت أني وصي الحسنين وأن أبي وصي أبيه أمير المؤمنين ووصي أخيه الحسن، أخذ الله عليهما بعد أبيهما أمير المؤمنين، وأن الاوصياء مني والمهدي، فتشاجرا مليا، قال علي بن الحسين (عليهما السلام) لمححمد بن احنفية فمن ترضى تجعله حكما بيني وبينك، قال له محمد بن الحنفية: من شئت، قال له ترضى ان تجعل بيني وبينك الحجر الاسود قال له محمد: يا علي تجعل بيني وبينك الحجر حكم لا يسمع ولا يبصر ولا ينطق سبحان الله ما أعجب هذا تترك الناس وتحكم الحجر، فقال له علي بن الحسين: يا عم وإن لم يسمع ويبصر وينطق ود علمت ان الله تعالى اخذ من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على انفسهم ألست بربكم ؟ قالوا: بلى، اخذ ذلك العهد فاستودعه الحجر الاسود في البيت الحرام وجعل البيت أول بيت وضع للناس ببكة، وأمر الناس بالحج إليه فإذا كان يوم القيامة أتى بالحجر سميعا بصيرا فيشهد لمن وفد إليه بالوفاء وعلى من تأخر عنه بالغدر، فقال له محمد بن الحنفية قد رضيت والوعد ان يكون مجيئنا إليه في وقت الحج وجمع الناس فلما حج الناس تلك السنة وهي سنة من سني حج علي بن الحسين (صلوات الله عليهما) ومحمد واجتمعت الشيعة فوقفوا تجاه الحجر فقال علي بن الحسين (عليهما السلام) تقوم يا عم فانت أكبر سنا مني فاقسم على الحجر ان يجيبك وبين امرك فدنا محمد بن الحنفية وقام وصلى في مقام ابراهيم فقال يا حجر: أسالك بحرمة الله وحرمة رسوله وبحق كل مؤمن ومؤمنة ان كنت تعلم إني الحجة على الناس وعلى علي بن الحسين فانطق وبين ذلك فلم يجبه الحجر فقال تقدم أنت يا بني منه فدنا


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 221 ]

علي بن الحسين وقد صلى فتكلم بكلام خفي لم يفهم منه ثم قال: أسالك أيها الحجر بحرمة الله وحرمة نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) وحرمة أمير المؤمنين وحرمة فاطمة وحرمة الحسن وحرمة الحسين (صلوات الله عليهم أجمعين) إن كنت تعلم أني الحجة على عمي محمد بن الحنفية وعلى الخلق أجمعين من أهل السماوات والارضين الا نطقت بذلك وبينته لنا وللناس كلهم فنطق الحجر بلسان عربي مبين يقول: يا محمد بن أمير المؤمنين اسمع واطع لعلي بن الحسين فانه حجة الله عليك وعلى جميع خلقه من الاولين والآخرين من أهل السماوات والارضين فقال محمد بن الحنفية: اللهم إني أشهد أني قد سمعت واطعت وسلمت هذا الامر الى إمامي وحجتي وحجة الله علي وعلى خلقك علي بن الحسين (صلوات الله عليهما) فآمن به اكثر الشيعة التي قالت محمد بن الحنفية امام واقام عليه قوم غلبت عليهم شقوتهم واستحوذ عليهم الشيطان ما كان محمد بن الحنفية اظهر ما اظهره الا ليضبط الشيعة في وقت قتل الحسين (عليه السلام) لئلا يشكوا ويرجعوا فكان هذا من دلائله (عليه السلام). وعنه عن علي ابن الطيب الصابوني عن محمد بن علي عن علي بن الحسين عن أبيه عن أبي بصير قال سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول كان أبو خالد الكابلي ومحمد بن الحنفية دهرا وما كان يشك الا انه الامام حتى أتاه ذات يوم فقال له: جعلت فداك ان لي حرمة ومودة وانقطاع اليك فاسالك بحرمة الله وحرمة روله وحرمة أمير المؤمنين ألا أخبرتني أنت الامام الذي فرض الله طاعتك على خلقه، فقال لي: يا أبا خالد حلفتني اعلم ان الامام علي وعليك وعلى جميع الخلق، علي بن الحسين (صلوات الله عليه) فاقبل أبو خالد لما سمع مقالة ابن الحنفية إلى الامام زين العابدين (صلوات الله عليه) فاستاذن عليه فاخبره أن أبا خالد في الباب، فاذن له فلما دخل عليه قال: مرحبا بك يا كنكر أما كنت منا فما بدا لك فخر أبو خالد ساجدا شاكرا لله تعالى لما سمع من الامام زين العابدين


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 222 ]

علي بن الحسين (صلوات الله عليهما)، فقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى عرفت إمامي فقال له الامام زين العابدين: وكيف عرفت إمامك يا أبا خالد قال لانك دعوتني باسمي الذي سمتني أمي به وما سمعه أحد من الناس قال له (عليه السلام): وما معنى كنكر، قال يا مولاي أنت أعلم به مني، قال: كنت ثقيلا في بطن أمك، أنت حمل فكانت تقول بلغة كابل يا كنكر تريد يا ثقيل الحمل، قال: ودلني عليك محمد بن الحنفية، وكنت في غم من هذا وحيرة ولقد خدمت محمد بن الحنفية برها من عمري ولا اشك إلا أنه إمامي حتى إذا كان سألته بحرمة الله وحرمة رسوله وحرمة أمير المؤمنين فارشدني إليك وقال هو الامام علي وعليك وعلى خلق الله اجمعين، ثم اذنت إلي فلما دخلت إليك سميتني باسمي الذي سمتني به أمي فقلت أنت الامام الذي فرض علي وعلى كل مسلم طاعته فكان هذا من دلائله (عليه السلام). وعنه عن أحمد بن جعفر القصير عن محمد بن ميمون الخراساني، قال الحسين بن حمدان الخصيبي رضي الله عنه: سمعت هذا الخبر عن محمد بن ميمون، عن محمد بن علي، عن علي بن الحسين، عن ابن الصباح، عن ابي جعفر الباقر (صلوات الله عليه)، قال سمعته يقول: خدم أبو خالد الكابلي الى علي بن الحسين (عليهما السلام) دهرا من عمره ثم انه اراد أن ينصرف الى اهله فاتى الى علي بن الحسين (صلوات الله عليهما) فشكى إليه شوقه إلى والدته، وإنه بلا مال ولا نفقة تحمله، فقال يا ابا خالد يقدم غدا رجل من أهل الشام له قدر ومال كثير وقد اصاب ابنته عارض من الجن يريدون ان يطلبوا له معالجا يعالجها فإذا انت سمعت بقدومه فاته وقل له أنا اعالجها على أن تعطيني ديتها عشرة آلاف درهم، فيقولون لك نعم نعطيك ولا يوفون لك ولا بد ان تأخذ منها، فقدم الرجل الشامي بابنته وكان من عظماء أهل الشام في الحال والقدر، فقال لاصحابه: ما من معالج يعالج هذه، فقال لهم أبو خالد: أنا اعالجها على أن اعطى


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 223 ]

ديتها عشرة آلاف درهم، فان وفيتم وفيت لكم على أن لا يعود إليها ابدا، فشرطوا ذلك وضمنوه ثم أقبل الى الامام زين العابدين (عليه السلام) فاخبره بالخبر، فقال: إني اعلم أنهم سيكذبون ولا يوفون لك فانطلق يا ابا خالد فخذ باذن الجارية ثم قل: يا حبيب يقول لك علي بن الحسين أخرج من هذه الجارية ولا تعود ففعل أبو خالد ما أمره فخرج عنها، فافاقت الجارية فطلب الذي جعلوا له، فلم يعطوه فخرج معه، فقال له الامام زين العابدين (عليه السلام) ما لي اراك كئيبا يا ابا خالد، ألم أقل لك أنهم يغدرون دعهم فانهم سيعودون إليك لان الجني يعاودها فإذا جاؤك فقل لهم: قد غدرتم والآن فلست أعالجها أو تعدون العشرة آلاف درهم عند سيد العابدين علي بن الحسين (عليه السلام) لانه ثقة علي وعليكم فعادوا الجارية العارض ففعلوا ذلك وعدوا المال على يديه ورجع أبو خالد الى الجارية، فقال لها: كالاول وهو اناخذ باذنها وقال يا حبيب يقول لك علي زين العابدين اخرج من هذه الجارية ولا تعود إليها، فانك ان عدت إليها احرقت بنار الله الموقدة التي تطلع على الافئدة، فخرج منها ولم يعد إليها فدفع المال الى أبي خالد فخرج إلى بلاده فكان هذا من دلائله (عليه السلام). وعنه عن محمد بن يحيى الفارسي، عن محمد بن علي، عن علي بن الحسين، عن الحسن بن سيف بن عميرة، عن أبي الصباح، عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، قال: لما ولي عبد الملك بن مروان الخلافة، كتب إلى الحجاج بن يوسف الثقفي لعنه الله بذلك، وبعث الكتاب مع ثقته فعلم بذلك علي بن الحسين صلوات الله عليهما)، وما كتب به واسره وكتب الى الحجاج كتابا ان الله قد شكر إلي فعلك وترك عليك الجماعة وزادك برهة، وكتب من ساعته كتابا الى عبد الملك بن مروان، أما بعد: فانك كتبت في يوم كذا وكذا كتابا الى الحجاج تقول فيه: أما بعد فانظر دماء آل عبد المطلب فاحقنها فان آل أبي سفيان لما


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 224 ]

ولغو فيها لم يلبثوا إلا قليلا واسررت ذلك وكتمته وقد شكر الله لك فعلك، وترك عليك ملكك وزادك برهة، وبعث بالكتاب مع غلامه على راحلة وامره أن يوصله الى عبد الملك بن مروان، فلما وصل إليه نظر في تاريخه فوجده وافق الساعة التي كتب إليه وبعث الى الحجاج بالكتاب، لم يشك عبد الملك بن مروان في صدق علي بن الحسين (عليهما السلام) وبعث إليه بوقر راحلته فجازاه لما اسره من كتابه مالا جزيلا ليصرفه في فقراء شيعته وأهل بيته فكان هذا من دلائله (عليه السلام). وعنه عن محمد بن يحيى الخرقي، عن محمد بن علي، عن علي بن الحسين، عن محمد بن سنان عن اسماعيل بن زكريا، عن أبيه زكريا، عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، عن أبيه محمد بن علي، عن جده علي بن الحسين (صلوات الله عليهم)، ان رجلا من أهل الشيعة دخل عليه فقال: يا ابن رسول الله ما فضلنا على اعدائنا ونحن وهم سواء، بل منهم من هو أجمل منا وأحسن أدبا وأطيب رائحة، فما لنا عليهم من الفضل، فقال زين العابدين (عليه السلام): تريد أن أريك فضلك عليهم، قال: نعم، قال أدن مني فدنا منه فاخذ بلحيته ومسح عينيه وروح بكفه على وجهه، وقال انظر ما ترى فنظر الى مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وما فيه الا قردة وخنازير ودب وضب، فقال جعلت فداك ردني كما كنت فان هذا نظر صعب فمسح عينيه فرده كما كان، فكان هذا من دلائله (عليه السلام). وعنه عن احمد بن صالح، عن جعفر بن يحيى عن محمد بن خالد، عن سعدان بن مسلم، عن عمار، عن أبي عبد الله الصادق (صلوات الله عليه)، قال: لما كان الليلة التي فقد فيها سيد العابدين، قال لابيه: أئتني بوضوء فاتاه بوضوء، فقال له: قبل ان يصل إليه أردده فان فيه ميتة فدعا بالمصباح، فإذا فيه فارة ميتة فاتاه بوضوء غيره فقال له: يا بني هذه الليلة وعدت فيها الحق لحوقي بجدي رسول الله (صلى الله


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 225 ]

عليه وآله) وجدي أمير المؤمنين (عليه السلام) وجدتي فاطمة (صلوات الله عليها) وعمي الحسن وأبي الحسين (صلوات الله عليهم أجمعين) فإذا توفيت وواريتني فخذ ناقتي فاجعل لها خطاما واقرر لها علقما فانها تخرج الى قبري فتضرب بجرانها للارض حول قبري وترغوا، فاتها وردها إلى موضعها فانها تطيعك وترجع إلى موضعها ثم تعود الخروج فتفعل مثل فعلها الاول فارفق فيها وردها ردا رفيقا فانها تنفق بعد ثلاثة أيام، فلما قبض زين العابدين (صلوات الله عليه) في تلك السنة فعل بالناقة أبو جعفر محمد الباقر (صلوات الله عليه) ما وصاه به، فخرجت الى القبر وضربت الارض حوله ورغت، فأتاها أبو جعفر فقال لها: قومي يا مباركة فارجعي إلى مكانك فرجعت إلى مكانها ثم مكثت قليلا وخرجت إلى القبر ففعلت مثل فعلها الاول، فأتاها أبو جعفر الباقر (صلوات الله عليه) فقال لها: قومي الآن فلم تقم، فصاح بها من حضر، فقال الباقر (صلوات الله عليه): دعوها فان أبي أخبرني إنها تنفق بعد ثلاثة أيام ونفقت قال أبو عبد الله كان جدي علي بن الحسين (صلوات الله عليهما) يحج إلى مكة فيعلوا الصوت في الرحل فلا يصل إليها حتى يرجع الى داره بالمدينة، فكان هذا من دلائله (عليه السلام). وعنه عن محمد بن عبد الله الشاشي، عن محمد بن يزيد الداعي بطبرستان، عن أحمد بن يحيى صاحب مولانا الرضا، عن محمد بن أبي عميرة، عن الحسن بن عبيدة، عن أبي خالد الكابلي، قال: خدمت محمد بن الحنفية سبع سنين، ثم قلت له: جعلت فداك ان لي إليك حاجة قد عرفت خدمتي لك، قال: فاسال حاجتك، قلت: تريني الدرع والمغفر، قال: ليس هما عندي، ولكن عند ذلك الفتى، وأشار بيده الى مولانا زين العابدين علي بن الحسين (صلوات الله عليه)، فنظرت إليه حتى أنصرف وأتبعته حتى عرفت منزله، فلما كان من الغد، وتعالى النهار اقبلت فإذا بابه مفتوح فانكرت ذلك لاني كنت أرى أبواب


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 226 ]

الائمة (عليهم السلام) تطبق ابدا فقرعت الباب فصاح يا كنكر أدخل فدخلت عليه فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وإنك حجة الله على جميع خلقه وهذا والله لقبي لقبتني به أمي وما عرفه خلق، قال: اجلس فانا حجة الله وخزانة وحي الله فينا الرسالة والنبوة والامامة ومختلف الملائكة وبنا فتح الله وبنا يختم، قال أبو خالد: فاطلت الجلوس ووقع على قلبي الفكر في فتح الباب، وكانت لحيته بطيب وعليه ثوبان موردان، فقال يا كنكر: تعجب من فتح الباب ومن الخصلة والطبع الذي في الثوبين قلت: نعم، قال: يا أبا محمد أما الباب فخرجت خادمة من الدار لا علم لها، فتركت الباب مفتوحا، ولا يجوز لبنات رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان يبرزن فيصفقنه، وأما الخصلة فليس أنا فعلتها، لكن النساء أخذن طيبا فخصلنني به واما الطبع في الثوبين فانا قريب العهد بعرش ابن عمي ولي منذ استخرجتها اربعة ايام ثم قبض على عضادتي الباب، ثم قال: هات السفط الابيض فاقبل السفط الابيض حتى صار بن يديه فقلت له: يا سيدي من جلب السفط، قال: بعض خدمي من الجن، ثم فك الختم، وبكى بكاءا شديدا، ثم اخذ الدرع والمغفر فلبسهما وقام قائما، وقال كيف ترى قلت كأنهما افرغا عليك يا ابن رسول الله افراغا قال: هكذا كان على جدي (صلى الله عليه وآله) وعلى جدي أمير المؤمنين وعمي الحسن وأبي الحسين والله لا يراهما احد الاعلي وعلى القائم المهدي من ذريتي فكان هذا من دلائله (عليه السلام). وعنه قال حدثني محمد بن علي القمي قال: حدثني محمد بن احمد بن عيسى، عن محمد بن جعفر البرسي، قال: حدثني ابراهيم بن محمد الموصلي، عن أبيه، عن حنان بن سدير الصيرفي، عن جابر بن يزيد الجعفي، قال: لما قبض أمير المؤمنين وأفضت الخلافة الى بني امية سفكوا الدماء ولعنوا أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) على المنابر وتبرؤا منه واغتالوا الشيعة في كل بلدة وقتلوهم وما يليهم من الشيعة بحطام الدنيا


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 227 ]

فجعلوا يمتحنون الناس في البلدان كل من لم يلعن أمير المؤمنين ويتبرأ منه قتلوه، فكشت الشيعة الى زين العابدين وسيد الرهبان من المؤمنين وإمامهم علي بن الحسين (صلوات الله عليهما) فقالوا: يا ابن رسول الله قد قتلونا تحت كل حجر ومدر، واستاصلوا شافتنا وأعلنوا لعن أمير المؤمنين على المنابر والطرق والسكك وتبرأوا منه حتى انهم ليجتمعون في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعند منبره فيطلقون على أمير المؤمنين (عليه السلام) اللعنة علانية لا ينكر ذلك عليهم ولا يغير فان انكر ذلك احد منا حملوا عليه باجمعهم، وقالوا: ذكرت ابا تراب بخير، فيضربونه ويحبسونه فلما سمع ذلك نظر الى السماء، وقال: سبحانك ما احلمك، وأعظم شأنك، ومن حلمك انك امهلت عبادك حتى ظنوا انك اغفلتهم وهذا كله لا يغالب قضاؤك ولا يرد حكمك تدبيرك كيف شئت وما أنت أعلم به مني، ثم قال لابنه ابي جعفر (عليه السلام) يا محمد قال: لبيك، قال: إذا كان غدا اغدوا الى مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وخذ الخيط الذي نزل به جبريل (عليه السلام) على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فحركه تحريكا خفيفا ولا تحركه تحريكا شديدا فيهلك الناس كلهم، قال جابر فبقيت والله متعجبا من قوله وما أدري ما أقول وكنت كل يوم أغدو إلى أبي جعفر (عليه السلام) فلما كان في ذلك اليوم غدوت إلى أبي جعفر الباقر (صلوات الله عليه) وقد بقي من الليل جانب حرصا على ان انظر إلى الخيط وتحريكه فبينما أنا على الباب وإذا بابي جعفر قد خرج فقمت وسلمت عليه فقال لي: ما غدوتك ولم تاتنا في مثل هذا الوقت قلت: يا ابن رسول الله سمعت انك بالامس تقول في الخيط ما تعلمه فقال نعم، يا جابر لولا الوقت المعلوم والاجل المحتوم والقدر المقدور لخسفت والله بهذا الخلق في طرفة عين، لا بل في لحظة الابل في لمحه بل اننا عباد الله المكرمون الذين لا يسبقونه بالقول وهم بامره يعلمون، قال جابر: فقلت سيدي لم تفعل


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 228 ]

ذلك بهم، قال اما حضرت بالامس والشيعة يشكون الى أبي ما يلقون من الناصبة الملاعين قال جابر: قلت: بلى، يا سيدي ومولاي قال: فانه قد أمرني أن أرعبهم وكنت أحب ان تهلك طائفة منهم قلت يا سيدي ومولاي كيف ترعبهم وهم اكثر من ان يحصوا قال امضي بنا الى مسجد رسول الله لاريك قدرة من قدر الله عز وجل الذي خصنا بها وفضلا من فضله الذي اعطانا إياه قال جابر فمضيت معه الى المسجد فصلى فيه ركعتين، ثم وضع خده على التراب وتكلم بكلمات ثم رفع رأسه، وأخرج من كمه خيطا تفوح منه رائحة المسك وهو ادق من الخيط المخيط في النظر ثم قال: خذ إليك يا جابر طرف هذا الخيط فاخذته ومشيت به رويدا فقال قف يا جابر فحرك الخيط تحريكا لينا خفيفا، وما ظننت أنه حركه من لينه ثم قال ويحك يا جابر أخرج انظر ما حال الناس فيه قال فخرجت من المسجد وإذا بصياح وولولة من كل ناحية وإذا زلزلة شديدة وهزه ورجفة قد أخربت عامة بالخلق باكيين يخرجون من السكك ولهم بكاء وعويل وضجيج ورنه شديده وهم يقولون انا لله وإنا إليه راجعون قد قامت الساعة ووقعت الواقعة فهلك الناس وآخرون يقولون انا لله وإنا إليه راجعون كانت رجفة هلك فيها عامة الناس وإذا اناس قد اقبلوا يبكون ويريدون المسجد وبعض يقولون لبعض كيف لا يخسف بنا وقد تركنا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر اظهرنا الفسق والفجور وشرب الخمر واللواط وكثر الزنى وفشا الربا والله لينزل بنا ما هو اشد واعظم أو نصلح من أنفسنا، قال جابر: فبقيت متحيرا أنظر إلى الناس وهم يبكون ويتضرعون ويعدون زمرا زمرا الى المسجد، فرحمتهم والله حتى بكيت معهم لبكائهم وإذا المساكين لا يدرون من أين أتوا وأخذوا، فانصرفت الى الباقر (صلوات الله عليه) وقد حف به الناس يقولون يا ابن رسول الله الا ترى ما قد حل بنا وبحرم رسول الله من هذه النازلة العظمى والآية الكبرى، قال والله لقد رأيت في هذه الآية ما ازال


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 229 ]

متعجبا به حتى القى الله عز وجل، فقال: يا جابر هذه منزلة الائمة (عليهم السلام) عند الله ومنزلة اوليائه المخلصين قلت يا سيدي ومولاي: فان شياطينهم قد سالونا ان يحضر حتى يحتملون إلى عندك ويدعون الى الله ويتضرعون إليه ويسالونه الاقالة فتبسم (عليه السلام) وتلا قوله تعالى: (اولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين الا في ضلال انا لننصر رسلنا والذين آمنوا معهم في الحياة الدنيا ويوم يقوم الاشهاد) وتلا قوله تعالى: (ولو اننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شئ قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا ان يشاء الله ولكن اكثرهم يجهلون) وتلا قوله تعالى: (ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم اول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم انهم فيم شركاء) لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون وهي اجزاها وهي والله ولايتنا وهذه اجزاها وهي ما وصف الله عز وجل في كتابه العزيز بل نقذف بالحق على الباطل يدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون يا جابر ما تقول بقوم اماتوا كلمة الحق وأظهروا الباطل وهتكوا حريمنا وظلمونا حقنا وغصبونا ملكنا وفعلوا افعال المنافقين وساروا سيرة الفاسقين قال جابر قلت يا سيدي الحمد لله الذي من علي بمعرفتكم والهمني فضلكم ووفقني لشيعتكم وموالاة مواليكم ومناداة اعدائكم فقال يا جابر: أتدري ما المعرفة قلت: لا أدري قال: اثبات التوحيد اولا، ثم معرفة المعاني، ثانيا، ثم معرفة الابواب ثالثا، ثم معرفة الايتام رابعا، ثم معرفة النقباء خامسا، ثم معرفة النجباء سادسا، ثم معرفة المختصين سابعا، ثم معرفة المخلصين ثامنا، ثم معرفة الممتحنين تاسعا، وهو قوله تعالى: (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل ان تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا) وتلا قوله تعالى: (لو ان ما في الارض من شجرة اقلام والبحر يمده من بعده سبعة ابحر ما نفدت كلمات الله) الآية. يا جابر مولاك امرك بثبات التوحيد


--------------------------------------------------------------------------------

 

[ 230 ]

معرفة معنى المعان، قال جابر: فقلت سيدي ومولاي وفقني على اثبات التوحيد فهي معرفة الله الازل القديم العلي العظيم الذي لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير وهو غيب باطن ليس يتدارك كما وصف نفسه عز وجل واما المعاني فنحن معانيه وظاهره فينا اختارنا من نور ذاته وفوض الينا امر عباده فنحن نفعل باذنه ما نشاء ونحن لا نشاء الا ما شاء الله وإذا اردنا اراد الله احلنا الله هذا المحل واصطفانا من بين عباده وخصنا بهذه المنزلة الرفيعة السنية وجعلنا عينه على عباده وحجته في بلاده ووجه وآياته فمن انكر من ذلك شيئا ورده فقد رد على الله وأنبيائه وآياته ورسله، يا جابر من عرف الله بهذه الصفة فقد اثبت التوحيد لان هذه الصفة موافقة لكتا الله المنزل وهو قوله: (لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير) وقوله في كتابه العزيز: (ليس كمثله شئ وهو السميع البصير) وقوله تعالى: (لا يسال عما يفعل وهم يسالون) يا جابر فإذا عرفت الله بهذه الصفة، ثم عرفت معانيه وإنهم من نور ذاته اختصهم الله بالفضل واعزهم بالروح التي هي منه لم يطفا بتلك الروح والنور الذي هو منه عزنا وأنت عارف خبير مستبصر كامل بالغ، قال جابر: انا لله ما اقل اصحابي، قال: هيهات يا جابر: اتدري كم على وجه الارض من اصحابك، قلت: يا ابن رسول الله كنت اظن ان في كل بلدة ما بين المائة الى المائتين وكل أقليم ما بين الالف الى الالفين، لانا كنا نظن انهم اكثر من مائة الف في اطراف الارض ونواحيها. قال: يا جابر خاب ظنك وقصر رأيك اولئك هم المقصرة وليس من اصحابك قلت: يا ابن رسول الله ومن المقصرة قال الذين يقصرون عن معرفة الائمة وعن معرفة ما فوض إليهم من روحه، قال جابر: من علي يا سيدي، قال: ان تعرف كل من خصه الله بالروح فقد فوض إليه أمره أن يخلق باذنه ويعلم ويخبر بما في الضمائر ويعلم ما كان وما يكون الى يوم القيامة وذلك ان هذه الروح من امر الله عز وجل خصه بهذه الروح وهو

 
< السابق
 
الصفحات الرئيسية
العبادات والمعاملات
كتب العلويين
أقوال علوية
أعلام من الطائفة العلوية
مقالات ودراسات عامة
الصفحة الرئيسية
بيان علماء العلويين
عقيدة المسلمين العلويين
أصول الدين عند العلويين
فروع الدين عند العلويين
أدلة التشريع عند العلويين

 

Graphic World

Graphic World. Web Solutions and development